قال جماهير الفقهاء والمعتزلة يجب اتباعه ﵊ في فعله إذا علم وجهه وجب اتباعه في ذلك الوجه، لقوله تعالى: «وما أتاكم الرسول فخذوه» (١) والأمر ظاهر في الوجوب، وقال أبو علي بن خلاد به في العبادات فقط، وإذا وجب التأسي به وجب معرفة وجه فعله من الوجوب والندب والإباحة، إما بالنص أو بالتخيير
بينه وبين غيره فيما (٢) علم فيه وجهه فيسوى به، أي بما يدل على نفي قسمين فيتعين الثالث، أو بالاستصحاب في عدم الوجوب، أو بالقربة على عدم الإباحة فيحصل الندب، وبالقضاء على الوجوب وبالإدامة مع الترك في بعض الأوقات على الندب وبعلامة الوجوب عليه كالأذان، ويكون جزاء لسبب الوجوب كالنذر.
معنى يجب اتباعه في ذلك الوجه أي إن فعله على وجه الندب وجب علينا أن نفعله على وجه الندب، أو فعله ﵊ على وجه الوجوب وجب علينا أن نفعله كذلك، إذ لو خالفناه في النية ذهب الاتباع، ووجه
_________________
(١) ٧ الحشر.
(٢) في نسخة مِمّا.
[ ٢٩٠ ]
تخصيص الوجوب بالعبادات قوله ﵊: «خذوا عني مناسككم وصلوا كما رأيتموني أصلي» وظاهر المنطوق الوجوب، لأنه أمر، ومفهومه أن غير المذكور لا يجب وهو المطلوب، ولحديث بريرة قالت: «يا رسول أفأمر منك أم تشفع، قال إنّما أنا أشفع، فقالت لا حاجة لي به»، فدل على أن ما عدا الأمر الجازم لا يجب الاتباع فيه، وأصل التخيير التسوية، فإذا خير بين ذلك الفعل وبين ما علم وجوبه كان ذلك الفعل واجبًا، أو خير بينه وبين مندوب كان ذلك الفعل مندوبًا، أو بينه وبين ما معلمت إباحته كان ذلك الفعل مباحًا.
سؤال: قال بعض فضلاء العصر: قول العلماء التخيير يقتضي التسوية يشكل بأن رسول الله - ﷺ - أتى ليلة الإسراء بقدحين أحدهما لبن والآخر خمر، وخُير بينهما فاختار اللبن، فقال له جبريل ﵊ لو اخترت الخمر لغويت أمتك، فالخمر موجب للإغواء، ومع ذلك خير بينة وبين موجب الهداية وهو اللبن، وموجب الهداية مأمور به، وموجب الغي والإغواء منهي عنه، فقد وجد التخيير لا مع الاستواء في الأحكام.
جوابه: أن الحكم الشرعي كان في القدحين واحدًا، وهو الإباحة، غير أن الشيئين قد يستويان في الحكم الشرعي، فيكون اختلافهما بحسب العاقبة لا بحسب الحكم الشرعي، كما انعقد الإجماع على جواز بناء ما شئنا من الدور وشراء ما شئنا من الدواب وزواج ما شئنا من النساء، ومع ذلك إذا عدل الإنسان عن إحدى هذه إلى غيرها أمكن أن يقول له صاحب الشرع: لو اخترت تلك الدار أو الدابة أو المرأة لكانت مشئومة، كما جاء في الحديث، وإن كان للعلماء فيه خلاف في تأويله، غير أن ذلك لا يمنع التمثيل، فإنه يكفي الإمكان، فما يتوقع في العواقب لا يغير الحكم الشرعي، كذلك القدحان حكمهما الإباحة، وأخبر جبريل ﵊ أن الله تعالى ربط بأحدهما حسن العاقبة وبالآخر سوء العاقبة وذلك غير الأحكام الشرعية.
نعم: لو قال جبريل ﵇ لو اخترت الخمر لأثمت أشكل. أما العواقب
[ ٢٩١ ]
فلا تناقض تقدم الإباحة، وقولي أو ما يدل على نفي قسمين فيتعين الثالث، معناه أن فعل النبي - ﷺ - لا يقع في فعله محرم لعصمته، ولا مكروه لظاهر حاله، فلم يبق إلاّ الوجوب والندب والإباحة فهي ثلاثة، إذا دل الدليل على نفي اثنين منها تعين الثالث لضرورة الحصر، فإذا ذهبت الإباحة والندب تعين الوجوب، أو الوجوب والإباحة تعين الندب، أو الندب والوجوب تعينت الإباحة.
ومعنى الاستصحاب في عدم الوجوب وبالقربة على عدم الإباحة أي من وجوه الاستدلال أن نقول هذه قربة لأنها صلاة أو صيام مثلًا، فلا تكون مباحة، لأن الصلاة في هذه الأبواب عدم الإباحة، والأصل أيضًا عدم الوجوب فيتعين الندب وبالقضاء على الوجوب، هذا على مذهب مالك أن النوافل لا تقضى. وأما على قاعدة الشافعي ﵁ أن العيدين يقضيان، وكل نافلة لها سبب، فلا يقدر أن يقول هذا الفعل قضاه رسول الله - ﷺ - فيكون واجبًا، لأن القضاء ليس من خصائص الوجوب، وإنما يأتي ذلك على مذهب مالك ومن قال بقوله، وأما كون الأذان لا يكون غلا في واجب فظاهر، فإذا بلغنا أنه ﵊ أمر بالأذان للصلاة، قلنا: تلك الصلاة واجبة لوجود خصيصية الوجوب، وإذا بلغنا أن رسول الله - ﷺ - نذر صلاة أو غيرها من المندوبات وفعلها قضينا على ذلك الفعل بالوجوب، لأن فعل المنذور واجب، فهذه وجوه من الاستدلال على حكم أفعاله ﵊ إذا وقعت.
تفريع: إذا وجب الاتباع وعارض قوله ﵊ فعله فإن تقدم القول وتأخر الفعل نسخ الفعل القول كان القول خاصًا به أو بأمته أو عمهما، وإن تأخر القول وهو عام له ولأمته أسقط حكم الفعل عن الكل، وإن اختص بأحدهما خصصه على عموم حكم الفعل، وإن تعقب الفعل القول من غير تراخ وعم القول له ولأمته ﵊ وخصصه عن عموم القول، وإن اختص بالأمة ترجح القول لاستغنائه بدلالته عن غيره من غير عكس، فإن عارض الفعل الفعل بأن يقر شخصًا على فعل فعل هو ﵊ ضده فيعلم خروجه عنه.
[ ٢٩٢ ]
[أو يفعل ضده فيعلم خروجه عنه] (١) أو يفعل ضده في وقت آخر يعلم لزوم مثله له فيه فيكون نسخًا للأول.
القاعدة: أن الدليلين الشرعيين إذا تعارضا، وتأخر أحدهما عن الآخر كان المتأخر ينسخ المتقدم، ولذلك قلنا ينسخ الفعل القول إذا تأخر، فإن كان خاصًا به والفعل أيضًا منه
حصل النسخ، والخاص بأمته يتقرر حكمه سابقًا ثم يأتي الفعل بعد ذلك، ويجب تأسيهم به ﵊ فيتعلق بهم حكم الفعل أيضًا، وهو مناقض لما تقدم في حقهم ن القول، فنسخ اللاحق الاسبق في حقهم أيضًا، لأنه القاعدة، وكذلك إذا عمهما، وحكم الفعل أيضًا يعمهما. أما هو ﵊ فلأنه المباشر له، ولا يباشر شيئًا إلاّ وهو يجوز له ﵊ الإقدام عليه، وأما هم فلوجوب تأسيهم به واندراجهم في كلّ ما شرع له ﵊ إلاّ ما دل الدليل عليه، فيتناقض ما تقدم في حقهم من دلالة القول، فينسخ الفعل المتأخر القول المتقدم عنه وعنهم.
وبهذا يظهر أن القول إذا تأخر عن الفعل نسخه بطريق الأولى إذا عمهما، لأنه أقوى من الفعل والأقوى أولى بالنسخ للأضعف من غير عكس، فإن اختص القول بأحدهما أخرجه عن عموم حكم الفعل، وبقي الآخر على حكم الفعل لعدم معارضة القول له في ذلك القسم، والنسخ لا بد فيه من التعارض، فإن تعقب الفعل القول من غير تراخ تعذر في هذه الصورة النسخ، لأن من شرط النسخ التراخي على ما سيأتي، وإذا تعذر النسخ لم يبق إلاّ التخصيص، فإذا كان النص عامًا له ولأمته ﵊ خصصه هو ﵊ عن عموم ذلك القول، فيعلم أنه ﵊ غير مراد بالعموم، وإن اختص القول بالأمة، والفعل أيضًا شأنه أن يترتب في حقهم حكمه وهما متناقضان متعارضان فيقدم القول على الفعل لقوته، لأن دلالته بالوضع فلا يفتقر إلى دليل يدل على أنه حجة بخلاف الفعل، لولا قوله تعالى: «وما آتاكم الرسول فخذوه» (٢) ونحوه تعذر علينا نصيب الفعل دليلًا، وإذا فعل ﵊ فعلًا وعلم بالدليل أن غيره مكلف بذلك الفعل، ثم يرى
_________________
(١) ما بين المعكوفين زائد في المطبوعة، ولا حاجة إليه.
(٢) ٢٣ الإسراء.
[ ٢٩٣ ]
غيره يفعل ضد ذلك الفعل، فيعلم أن هذا الفاعل لهذا الضد خارج عن حكم ذلك الفعل المتقدم، ويبقى غير هذا الذي أقره ﵊ يلزمه فعل في وقت فيراه قد فعل ضد ذلك الفعل في ذلك الوقت، فيعلم نسخه عنه ﵊ في ذلك الوقت وما بعده، فهذا هو معنى المسالتين الأخيرتين في هذا الفصل.
فائدة: قال الإمام فخر الدين: التخصيص والنسخ في الحقيقة ما لحق إلاّ الدليل الدال على وجوب التأسي، فإنه يتناول هذه الصورة وقد خرجت منه.
سؤال: قال العلماء من شرط الناسخ أن يكون مساويًا للمنسوخ أو أقوىن والفعل أضعف، فكيف جعلوه في هذا المقام ناسخًا مع ضعفه عن المنسوخ؟
جوابه: أن المراد بالمساواة المساواة في السند لا غير، وذلك لا يناقض كونه فعلًا،
وكذلك يجب أن يفصل في هذه المسألة فيقال القول والفعل إن كانا في زمانه ﵊ وبحضرته فقد استويا، وإن نقلا إلينا تعين أن لا يقضى بالنسخ غلا بعد الاستواء في نقل كلّ واحد منهما، فإن كان أحدهما متواترًا والآخر آحادًا منعنا نسخ الآحاد للمتواتر، هذا تلخيص هذا الموضع ولا بد منه.
فائدة: قال الشيخ سيف الدين في الأحكام: إذا كان الفعل لا يتكرر بل يختص بذلك الزمان بأن يقول عقبيه أو تراخيًا عنه: هذا الفعل لا يفعل بعد هذا الوقت، ثم يرد القول بعد ذلك لا يحصل تعارض البتة.
فائدة: قال الشيخ سيف الدين أيضًا: أفعاله ﵊ لا يمكن وقوع التعارض بينها حتى ينسخ بعضها بعضًا أو يخصصه، فإن الفعلين إن تماثلا وكانا في وقتين كالظهر اليوم والظهر غدًا فلا تعارض، وإن اختلفا وأمكن اجتماعهما كالصلاة والصوم فلا تعارض، وإن تعذر اجتماعهما لتناقض أحكامهما كما لو صام في وقت وأكل في مثل ذلك الوقت لم يتعارضا أيضًا، لأن الفعل لا عموم له حتى يدل على لزوم ذلك الفعل في جميع الأوقات فيناقضه ضده إذا وقع في تلك الأوقات الآخر، فإن دل دليل من خارج غير الفعل على أن مثل ذلك الفعل يتكرر
[ ٢٩٤ ]
فالتخصيص والتعارض إنّما عرض لذلك الدليل الدال على التكرار، وكذلك إقراره ﵊ لبعض الأمة على الترك مع القدرة على الفعل، والعلم به لا يكون مخصصًا وناسخًا إلا للدليل الدال على تكرار ذلك الفعل.
قال الغزالي في المستصفى لا يتصور التعارض بين الأفعال بما هي أفعال البتة، لأن الفعلين لا يجتمعان في زمان واحد البتة، وإذا تعدد الزمان فلا تعارض، بخلاف الأقوال لها صيغ تتناول بها الأزمان، فيتصور فيها التعارض.
فائدة: مهما أمكن التخصيص لا يعدل عنه إلى النسخ، لأنه أقرب إلى الأصل من جهة أنه بيان المراد فليس فيه إبطال مراد، بخلاف النسخ فيه إبطال المراد.