إضافة التحليل والتحريم إلى الأعيان ليس مجملًا فيحمل على ما يدل العرف عليه في كلّ عين خلافًا للكرخي، فيحمل في الميتة على الأكل وفي الأمهات على وجوه الاستمتاع.
يقول الكرخي الحقائق غير مكتسبة إيجادًا ولا إعدامًا، وما ليس مكتسبًا لا يتعلق به تكليف، لأنا إنّما نكلف بما نقدر على كسبه من أفعالنا، وأما الأعيان فلا تُكتسب لنا، فيكون المنطوق به وهو الأعيان غير مراده، والمراد غير منطوق به، فليس تقدير بعض ما يصلح أولى من البعض فيتعين الإجمال.
والجماعة يجيبونه ويقولون: العرف عين المقصود بالتكليف في كلّ عين، حتى صار ذلك المركب في العرف موضوعًا لذلك الفعل المخاطب به في تلك العين،
[ ٢٧٥ ]
والمركب حينئذ حقيقة عرفية، ولا يحتاج في هذه الحقيقة العرفية إلى تقدير شيء غير المتبادر من هذه الحقيقة، وقد تقدم أن النقل كما يحصل في المفردات يحصل في المركبات، ويكون ذلك المركب حقيقة عرفية مجازًا لغويًا، وهو مجاز في التركيب اشتهر حتى صار حقيقة عرفية، فإذا قال ﵊: «ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم» فُهم من الأوّل السفك، ومن الثاني الأكل، ومن الثالث التكلم والسب، وكذلك يفهم من الخمر الشرب، ومن الثوب اللبس، ومن الخنزير الأكل، وهلم جرا، فلا إجمال.
وإذا دخل النفي على الفعل كان مجملًا عند أبي عبد الله البصري، نحو قوله ﵊: «لا صلاة إلاّ بطهور»، «ولا نكاح إلاّ بولي» لدوران النفي بين الكمال والصحة، وقيل إن كان المسمى شرعيًا انتفى ولا إجمال، وقولنا هذه صلاة فاسدة محمول على اللغوي وإن كان حقيقيًا نحو الخطأ والنسيان، وله حكم واحد وانتفى، ولا إجمال، وإلا تحقق الإجمال، وهو قول الأكثرين.
كما ورد «لا صلاة إلاّ بطهور» ولزم نفي الإجزاء ورد «لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد» ولزم نفي الكمال فقط، فصار النفي مترددًا بين هذين الأمرين، فلزم الإجمال. وقال غيره: لا يكون مجملًا بل يحمل على نفي الصحة، لأن ظاهر النفي يقتضي نفي الذات
الواقعة في الماضي، لأن معنى - لا صلاة - معناه إذا وقعت صلاة تكون باطلة، فالنفي في المعنى إنّما توجه لواقعن لكن نفي الواقع محال، فيتعين النفي لما هو أقرب لنفي الحقيقة وهو نفي الإجزاء، لأن المشابهة بين نفي الإجزاء ونفي الذات أشد من المشابهة بين نفي الكمال ونفي الذات، فإن منفي الصحة معدوم شرعًا بخلاف منفي الكمال، والمشابهة إحدى علاقات المجاز، وإذا كان الشبه أقوى كان المصير إليه أولى؛ ولأن النفي عام في الذات والصفات؛ أما في الذات فلظاهر اللفظ، وأما في الصفات فلأن الدال على نفي الذات مطابقة دال على نفي الصفات التزامًا، وإذا ثبت العموم في الجميع - وقد
[ ٢٧٦ ]
أجمعنا على تخصيصه بالذات - يبقى على نفي العموم في الصفات كلها، فينتفي الإجزاء وهو المطلوب.
وأما الفرق بين أن يكون المسمى شرعيًا فينتفي، لأن الحقيقة الشرعية ليست واقعة في صورة النهي أو النفي فأمكن أن يضاف النفي إليها، ويقول صاحب الشرع هذه الحقيقة منفية لفقدان هذا الشرط، وأما الحقيقي كالخطأ والنسيان لأنهما ليسا باصطلاح الشرائع وأوضاعها بل الفعل بوصف كونه خطأ أو نسيانًا أمر معقول فرض وجود الشرائع أم لا، فلذلك قلنا هو أمر حقيقي، فهذا إذا فرض وقوعه تعذر نفيه؛ فقوله ﵊: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» معناه إذا وقعت منهم هذه الأمور لا إثم عليهم فيه، فما دخل النفي إلاّ على واقع، والواقع يستحيل نفيه، فيتعين العدول إلى حكمه، فإذا كان واحدًا انتفى، ومثلوه بالشهادة على الزنا ليس لها صحة وكمال بل الجواز فقط. وإذا قال ﵊: «لا شهادة لمقذوف»، معناه لا تجوز، وليس للشهادة حكم آخر سوى الجواز، وأما ماله حكمان كالفعل الخطأ، فإن فيه الإثم وإلزام الضمان؛ فيتعين الإجمال حتى يدل دليل على أن المراد الإثم دون الضمان، وإذا فرعنا على هذه الطريقة وقلتم إن المسمى الشرعي ينتفي، فكيف يقول صاحب الشرع هذه صلاة فاسدة، فنجمع بين قولنا صلاة وفاسدة، مع أن الصلاة الفرض انتفت.
وأجابوا عن هذا بأن المراد الصلاة اللغوية، بمعنى أن الصلاة اللغوية التي هي الدعاء فسدت عن أن تكون شرعية، فهذا معنى فسادها، وإلا فالدعاء في نفسه لم يفسد حيث يقضى بالفساد لعدم الطهارة مثلًا، فهذا جواب عن سؤال مقدر.
[ ٢٧٧ ]