الأمر بالفعل في وقت معين يكون لمصلحة تختص بذلك الوقت
فيما ليس من مقتضاه لا يوجب القضاء عند اختلال المأمور به عملًا بالأصل. بال القضاء بأمر جديد خلافًا لأبي بكر الرازي.
هذه المسألة مبنية على قاعدتين: القاعدة الأولى أن الأمر بالمركب أمر بأجزائه، القاعدة الثانية أن الأمر بالفعل في وقت معين لا يكون إلا لمصلحة تختص بذلك الوقت، وإلا لكان تخصيص ذلك الفعل بذلك الوقت من بين سائر الأوقات ترجيحًا من غير مرجح.
فمن لاحظ القاعدة الأولى قال الأمر في الوقت المعين بالصلاة المعينة يقتضي الأمر بشيئين: بالصلاة وبكونها في ذلك القوت، فهو أمر بمركب، فإذا تعذر أحد جزأي المركب وهو خصوص الوقت بقي الجزء الآخر وهو الفعل؛ فيوقعه في أي وقت شاء. فيكون القضاء بالأمر الأول.
ومن لاحظ القاعدة الثانية قال: إن القامة مثلًا اختصت بصلاة الظهر لمصلحة ما في القامة، وما دلنا دليل على مساواة غيرها من الأوقات لها، بل الظاهر عدم
[ ١٤٤ ]
المساواة، وإلا لما اختصت بوجوب الفعل، فلا تثبت الصلاة في غير القامة لعدم المصلحة في غير القامة، فإذا دل الدليل على وجوب القضاء علمنا أن الوقت الثاني يقارب الأول في مصلحة الفعل، وإذا لم يدل دليل فلا. فهذه هو مدرك هذه المسألة، وهذا إذا كان الوقت معينًا، فإن كان وظيفة العمر فقد تقدم أنه لا قضاء فيه، وأن الخلاف فيما هو على الفور في باب أن الأمر للفور.
وإذا تعلق بحقيقة كلية لا يكون معلقًا بشيء من جزئياتها، لأن الدال على الأعم غير دال على الأخص.
إذا قلنا في الدار جسم، لا يدل على أنه حيوان، لأن الجسم أعم، أو في الدار حيوان، لا يدل على أنه إنسان أو في الدار إنسان لا يدل على أنه زيد، ولهذه القاعدة قلنا إن الوكيل بالبيع لا يملك البيع بثمن المثل دون البخس (١) إلا بالعادة لا باللفظ؛ فإذا قال له بع سلعتي حمل على ثمن المثل بدلالة العادة لأن البيع حقيقة كلية مشترك فيها بين ثمن المثل والمساوي والغبن.
ولا يشترك مقارنته للمأمور به بل يجوز تعلقه في الأزل بالشخص الحادث خلافًا لسائر الفرق.
لم يقل بالكلام النفسي إلا نحن، فلذلك تصور على مذهبنا تعلقه في الأزل، فالكلام النفسي أزلي ومنه الأمر والنهي وجميع الأحكام، فحرم الله في الأزل المرأة على زيد على تقدير وجوده، ووجوب أسباب التحريم وشرائطه، وانتفاء موانعه فإذا وجدت هذه كلها فقد وجد التقدير الذي تعلق الحكم بالشخص فيه، وكذلك أحلها الله تعالى بتقادير، فالحكم كلام الله تعالى وتعلقه القديم قديم أيضًا، فإن الذي يحيل وجود علم بغير معلوم، يحيل وجود أرم بلا مأمور، ونهي بغير منهي، وإباحة بغير مباح متقرر في العلم لا في الوجود الخارجي، لأن التعلق نسبة، والنسبة يشترط فيها تقرر طرفيها لا وجود طرفيها، كالعلم تعلقه نسبة بينه وبين معلومه، ومعلومه قد يكون
_________________
(١) في المطبوعة: النجس.
[ ١٤٥ ]
معدومًا، بل مستحيلًا، بلا لتقرر لا بد منه، فالحكم هو الكلام وتعلقه الخاص وهما قديمان، وإنما الحادث المتعلق فقط.
ولكنه لا يصير مأمورًا إلا حالة الملابسة، خلافًا للمعتزلة. والحاصل قبل ذلك إعلام بأنه سيصير مأمورًا لأن كلام الله تعالى قديم، والأمر متعلق بذاته فلا يوجد غير متعلق، والأمر بالشيء حالة عدمه محال للجمع بين النقيضين، وحالة إيقاعه محال لتحصيل الحاصل، فيتعين زمن الحدوث.
هذه المسألة لعلها أغمض مسألة في أصول الفقه، والعبارات فيها عسرة التفهم وسر البحث فيها أن الألفاظ اللغوية إنما وضعت لطلب ما هو ممكن من المأمور، فيتعين أن الآمر إنما طلب من المأمور الفعل في زمن ليس فيه عدمه، لأنه لو طلب منه الفعل في زمن فيه عدمه لطلب منه الجمع بين الوجود والعدم وذلك محال. فإذن لم يطلب منه الفعل إلا في
زمان ليس فيه عدمه، وكل زمان ليس فيه عدم الفعل فيه وجوده قطعًا؛ لأن الوجود والعدم لا يمكن ارتفاعهما معًا، وزمن وجود الفعل هو زمن الملابسة، وذلك هو المطلوب.
ومقصودنا بهذا بيان صفة التعلق، لا أن الملابسة شرط في التعلق، وإلا لتعذرت حقيقة العصيان، ولا يوجد عاص أبدًا؛ لأنه يقول الملابسة شرط لكوني مأمورًا وأنا لم ألابس، فشرط الأمر مفقود، فلست مأمورًا؛ فلا أكون عاصيًا بالترك. فحينئذ يتعين أن لا تكون الملابسة شرطًا في تعلق الأمر بالمكلف. بل صفة تعلقه بذلك فقط، أي ما تعلق لما تعلق إلا بإيقاع الفعل في زمان ليس فيه عدمه، وهو عاص إذا ترك؛ لأنه أرم أن يعمر زمانًا مستقبلًا بالفعل بدلًا عن عدمه، فلم يفعل. فمعنى قولنا إنه إنما يصير مأمورًا في حالة الملابسة، أي تلك الحالة هي التي تعلق بها الأمر، وتعلقه متقدم عليها بالفعل فيها.
والمعتزلة يقولون لا ينبغي أن يكون هذا صفة التعلق، لأنه لو تعلق بإيقاع الفعل في زمن الحدوث لتعلق بتحصيل الحاصل، فإن زمن الحدوث زمن وجود، لأنه أول أزمنة الوجود، وأول أزمة الوجود وجود، وطلب الوجود حالة الوجود طلب
[ ١٤٦ ]
تحصيل الحاصل، فيتعين أن يكون متعلقًا بما قبله زمان الوجود، وهو زمان العدم.
ونحن نقول لهم تعلقه بإيقاع الفعل حالة العدم يلزم منه اجتماع النقيضين، وأما قولكم يلزم من تعلقه بحالة الملابسة تحصيل الحاصل، فليس كذلك، لأن تحصيل الحاصل يشترط فيه تعدد الزمان بأن يكون الوجود حاصل في زمان، وقيل له بعد ذلك، افعل ذلك الذي وقع في الزمان الأول بعينه، فهذا تحصيل الحاصل، أما مع اتحاد الزمان فلا؛ لأن كل مؤثر، إنما يؤثر في فعله حالة حدوثه، ولا يمكن أن يكتب أحد (١) كتابًا إلا في الزمن الذي يكتبه فيه، ولا يبنى دارًا إلا في الزمن الذي يقع البناء فيه، فمن الحدوث هو زمن التأثيرات، فلو منع التأثير لم يبق تأثير؛ فمثار الغلط حينئذ هو الغفلة عن شرط تحصيل الحاصل وهو تعدد الزمان أما مع اتحاده فلا، فهذا مأخذ البحث في هذه المسالة بين الفريقين.
ويتفرع عليه أن عند المعتزلة ينقطع تعلق الأمر بالدخول في الملابسة لانتفاء العدم الذي هو زمن التعلق، وعندنا يبقى التعلق حتى تفرغ الملابسة، فبالفراغ من الملابسة ينقطع التعلق إجماعًا، وفي زمن الملابسة قولان؛ عندنا المتعلق موجود، وعند المعتزلة لا، وقبل الملابسة قولان: التعلق حاصل عند المعتزلة وعندنا لا.
وأما كون المتقدم قبل ذلك إعلامًا أو أمرًا فلم يقل الإمام فخر الدين إلا أنه إعلام معناه بأنه مأمور حالة الملابسة، وهو أمر بما في زمن الملابسة. وقال القاضي عبد الوهاب في الملخص: اختلف الناس هل هو أمر على الحقيقة أم إعلام، فقال كثير: إن الأمر في الحقيقة إنما هو المقارن، أما المتقدم بإعلام، وقال الباقون: هو أمر، واختلف المعتزلة في مقدار ما يتقدم عليه من الأوقات بعد اتفاقهم مع أصحابنا على تقدمه بوقت يحصل به للمأمور السماع والفهم، فمنهم من قال لا يجوز تقدم الأمر على المأمور بأزمنة كثيرة. بل بوقت واحد إلا لمصلحة، والذي اختاره القاضي أبو بكر - رحمه اله - أنه يجب تقدمه بوقتين: وقت السماع، ووقت الفهم. والعلم
_________________
(١) في المطبوعة: أحدًا.
[ ١٤٧ ]
والتكليف يقع في الزمن الثالث، لأن إيقاع الفعل قبل العلم بمراد المتكلم محال. قال فهنا أربعة مطالب: أحدها وجوب تقدم الأمر على وقت المأمور، والثاني: أن تقدمه لا يخرجه عن كونه أمرًا وإن كان إعلامًا وإنذارًا، والثالث: في وجوب تعلق الأمر بالفعل حالة إيجاده، والرابع: في مقدار ما يتقدم الأمر به على الفعل من الأوقات.
وقد أجمع المسلمون على أن أوامر رسول الله ﷺ تتناولنا، وهي متقدمة علينا، وأنها أوامر؛ فالقول بالإعلام باطل، ولأنه لا يحتاج لأرم آخر بعده، ولو كان إعلامًا بأنه سيصير مأمورًا لاحتجنا لأمر آخر حالة الملابسة، وليس كذلك.
والأمر بالأمر بالشيء لا يكون أمرًا بذلك الشيء إلا أن ينص الآمر على ذلك كقوله ﵊ «مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر» .
من أمر غيره أن يأمر شخصًا آخر، فهو كمن أمر زيدًا أن يصيح على الدابة فإنه لا يصدق عليه أنه أمر الدابة، وكذلك قوله ﵊ «مروهم بالصلاة لسبع» ليس أمرًا للصبيان، بل إنما فهمنا أمر الصبيان بالمندوبات، لقوله ﵊ في حديث الخثعمية «لما قالت يا رسول الله ألهذا حج قال نعم ولك أجر» ومن الناس من طرد القاعدة وقال أمر الصبي بالصلاة لا يحصل له فيها أجر، بل أمره بذلك على سبيل الاستصلاح، كاستصلاح البهائم على التفار والشماس لا لأن لها أجورًا، ومتى علم أن الآمر قصد بذلك الأمر التبليغ كان ذلك أمرًا للثالث، كما قال ﵊ لعمر بن الخطاب ﵁ في حق ابنه عبد الله لما طلق امرأته في الحيض «مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء» . ومقتضى هذه القاعدة أن ابن عمر ﵄ لا يجب عليه المراجعة، لأن الأمر بالأمر لا يكون أمرًا، لكن
[ ١٤٨ ]
علم من الشريعة أن كل من أمره رسول الله b أن يأمر فإنما غيره هو على سبيل التبليغ ومتى كان على سبيل التبليغ صار الثالث مأمورًا إجماعًا.
وليس من شرطه تحقق العقاب على تركه عند القاضي أبي بكر والإمام خلافًا للغزالي لقوله تعالى «ويعفو عن كثير (١)» .
هذه المسألة نقلتها هنا واختصرتها كما وقعت في المحصول، وليست المسألة على هذه الصورة في أصول الفقه، ولا قال القاضي هذه العبارة. ولا الغزالي أيضًا، بل المنقول في كتاب القاضي أنه قال إذا أوجب الله تعالى علينا شيئًا وجب، ولا يشترط في تحقق الوجوب استحقاق العقاب على الترك، بل يكتفى في الوجوب الطلب الجازم وقال غيره الوجوب والندب اشتركا في رجحان الفعل ولم يميز الوجوب إلا باستحقاق الذم أو العقاب، فإذا أسقطناه عن الاعتبار لم يبق فرق البتة، والحق ما قاله القاضي، فإنا إذا دعونا وقلنا الله توفنا مسلمين، فإنا نجد أنفسنا جازمة بهذا الطلب من غير رخصة في تركه، وإذا قلنا الله أعطني عشرة آلاف دينار فإني أجد رخصة في أنها لو كانت خمسة لم أتألم لذلك، فالطلب هنا غير جازم بخلاف الأول فقد تصورنا الطلب منا، في حق الله تعالى جازمًا وغير جازم، مع استحالة الذم ونحوه، فإذا تصورنا الطلب الجازم بدون استحقاق الذم صح ما قاله القاضي، والغزالي لم يخالف في لزوم العقاب، بل الغزالي وكل منتمٍ إلى شريعة الإسلام يقول بجواز العفو ولو بعد التوبة، أما عدم الغفران مطلقًا فلم يقل به أحد.
_________________
(١) ٣٠ الشورى.
[ ١٤٩ ]