فالكلي هو الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه سواء امتنع وجوده كالمستحيل أو أمكن ولم يوجد كبحر من زئبق أو وجد ولم يتعدد كالشمس أو تعدد
كالإنسان. وقد تركت قسمين أحدهما محال والثاني أدب. والجزئي هو الذي يمنع تصوره من الشركة فيه.
ينبغي أن يشاهد الفرق بين قولنا إن تصور الكلي لا يمنع من الشركة وبين قولنا إنه قابل للشركة؛ فإن تصوره إذا لم يمنع يكون المانع من الشركة منفيًا، ولا يلزم من نفي المانع وجود الموجب؛ لأن مع نفي المانع الخاص قد يتحقق المنع من جهة أخرى إما بمانع آخر أو بالذات بأن يكون المنع غير معلل بمر خارج. كما نقول إن السواد لا يمنعه كونه جاعًا للبصر أن يكون علمًا؛ لأن امتناع كونه علمًا لذاته غير معلل. وكذلك الواحد ربع عشر الأربعين فيستحيل عليه أن يكون نصف عشر الأربعين لذاته، مع أن تصوره بما هو تصوره لا يمنع من ذلك عليه حتى نستحضر في ذهننا مقدمات حسابية وهو أن ربع الأربعة واحد والأربعة عشر الأربعين فالواحد ربع عشر الأربعين. أما مجرد التصور فلا.
فظهر حينئذ أن قولنا لا يمنع تصوره من الشركة، لا يوجب أن يكون قابلًا للشركة، بل قد تمتنع عليه الشركة كما تقدم، وقد يقبلها كما في مفهوم الإنسان؛ فإن تصوره لا يمنع من وقوع الشركة وهو قابل لها واقعة فيه، وكذلك جميع الأجناس والأنواع، فهذا الحرف هو الموجب لقول أن أرباب علم المنطق؛ إن من أقسام الكلي واجب الوجود؛ فإن مجرد تصور أن للعالم إلهًا. هذا بمفرده لا يكفينا في حصول العلم بالوحدانية، حتى نستحضر مقدمات برهان التمانع أو غيره، وحينئذ يحصل العلم بالواحدانية، أما مجرد التصور فلا. فصال التصور غير مانع بما هو تصور، وهو مع
[ ٢٧ ]
ذلك يستحيل عليه الشركة في نفس الأمر، كما قلنا في الواحد مع نصف عشر الأربعين. لكن إطلاق لفظ الكلي على واجب الوجود ﷾ فيه إيهام تمنع من إطلاقه الشريعة؛ فلذلك قلت تركته أدبًا. وأما القسم المستحيل فهو أنهم يقولون المتعدد قد يكون متناهيًا كالأفلاك فإنها عدد محصور وغير متناه كالإنسان بناء منهم على قدم العالم، وأنه قد دخل في الوجود منه أفراد غير متناهية، وكذلك في جميع الأنواع. ولما قامت البراهين على حدوث العالم كان هذا القسم مستحيلًا.
فأقسام الكلي عندهم ستة وهي في هذا الكتاب أربعة. إذا ظهر الفرق بين الكلي والجزئي فينبغي أيضًا أن يعلم مع ذلك الكلية والكلي والجزئية والجزء، فالكلية هي الحكم على كل فرد فرد بحيث لا يبقى فرد، كقولنا كل رجل يشبعه رغيفان غالبًا؛ فالحكم صادق باعتبار الكلية، دون الكل. والكل هو القضاء على المجموع من حيث هو مجموع، كقولنا كل رجل يشيل الصخرة العظيمة، فهذا الحكم صادق باعتبار
الكل دون الكلية. والجزئية هي الحكم على بعض أفراد الحقيقة من غير تعيين كقولنا بعض الحيوان إنسان. والجزئي هو الشخص من كل حقيقة كلية. الجزء هو ما تركب منه ومن غيره كلٌّ كالخمسة مع العشرة. وجميع هذه الحقائق لها موضوعات في اللغة؛ فصيغة العموم للكلية، وأسماء العدد للكل، والنكرات للكلي، والأعلام للجزئي، وقولنا بعض الحيوان إنسان وبعض العدد زوج للجزئية، وقولنا جزء موضوع للجزء، وهذه الحقائق يحتاج إليها كثيرًا (١) (٢) في أصول الفقه فينبغي أن تعلم.
_________________
(١) في نسخة: يحتاج إليها كثير - بلا ألف.
(٢) تنظر هذه المصطلحات في علم المنطق.
[ ٢٨ ]