منافاته لما علم بالضرورة أو النظر أو الدليل القاطع أو فيما شأنه أن يكون متواترًا ولم يتواتر كسقوط المؤذن يوم الجمعة ولم يخبر به إلاّ واحد، وكقواعد الشرع، أو لهما جميعًا كالمعجزات أو طلب في صدور الرواة أو كتبهم بعد استقراء الأحاديث فلم يوجد.
قول القائل: الواحد ليس نصف الاثنين مخالف لما علم بالضرورة مثال الثاني الواحد ليس سدس عشر الستين، ومثال الدليل القاطع أن الشمس ليست طالعة وقواعد الشرائع هو وجوب الصلاة والزكاة أو تحريم الخمر ونحو ذلك مِمّا هو من قواعد الدين،
فإن شأن هذا أن يتواتر لتوفر الدواعي على نقله، كسقوط المؤذن شأنه أن يتواتر لغرابتهن وقواعد الدين شأنها أن تتواتر لشرفها، والمعجزات جمعت بين الغرابة لكونها من خوارق العادات والشرف لأنها أصل النبوات
[ ٣٥٥ ]
فإذا لم يتواتر شيء من ذلك ولم ينقله إلاّ واحد دل على كذب الخبر إن كان قد حضره جمع عظيم، ولم يقم غيره مقامه في حصول المقصود منه، فالقيد الأوّل احتراز من انشقاق القمر، فإنه كان ليلًا ولم يحضره عدد التواتر. والقيد الثاني احتراز عن بقية معجزات الرسول ﵊ كنبع الماء من بين أصابعه وإشباع العدد العظيم من الطعام القليل، فإنه حضره الجمع العظيم، غير أن الأمة اكتفت بنقل القرآن وإعجازه عن غيره من المعجزات، فنقلت آحادًا من أن شأنها أن تكون متواترة. وأما الأحاديث فلها حالتان: أول الإسلام قبل أن تدون وتضبط فهذه الحالة إذا طلب حديث ولم يوجد ثم وجد لا يدل على كذبه، فإن السنة كانت مفرقة في الأرض في صدور الحفظة. الحالة الثانية: بعد الضبط التام وتحصيلها إذا طلب حديث فلم يوجد في شيء من دواوين الحديث ولا عند رواته دل ذلك على عدم صحته، غير أنه يشترط استيعاب الاستقراء بحيث لا يبقى ديوان ولا راوٍ إلى وكشف أمره في جميع أقطار الأرض وهو عسر متعذر. وأما الكشف في البعض فلا يحصل القطع بكذبه لاحتمال أن يكون في البعض الآخر.
وقد ذكروا أبو حازم حديثًا في مجلس هارون الرشيد وحضره ابن شهاب الزهري فقال ابن شهاب: لا أعرف هذا الحديث فقال له أبو حازم أكل سُنَّة رسول الله - ﷺ - عرفتها؟! فقال لا، فقال أثلثيها؟ فقال لا، قال أنصفها؟ فسكت فقال له اجعل هذا من النصف الذي لم تعرفه، هذا هو ابن شهاب الزهري شيخ مالك، فما ظنك بغيره؟!.