يجوز ورود المجمل في كتاب الله تعالى وسنة نبيه - ﷺ - خلافًا لقوم، لنا أن آية الجمعة وآية الزكاة مجملتان وهما في كتاب الله تعالى.
حجة المنع أن الوارد في الكتاب والسنة إما أن يكون المراد به الإفهام أو لا، والثاني عبث، والأول إما أن يكون مع ذلك المجمل بيانه أو لا، والأول تطويل بغير فائدة، وإن لم يكن معه بيانه جاز أن لا يصل إلى السامع فيلزم التضليل وكل ذلك مفسدة ينزه الكتاب والسنة عنها.
وجوابه: أن عندنا يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا يستحيل عليه تعالى إيقاع المكلف في الجهالة والضلالة، وأما على أصول المعتزلة ونحن أيضًا - إذا سلمنا ذلك - فلنا أن نقول في ذلك فوائد ومصالح: إحداها امتحان العبد حتى يظهر تثبته وفحصه عن البيان فيعظم أجره، أو إعراضه فيظهر تخلفه وعصيانه. وثانيتها: إذا ورد المجمل وورد بعده البيان ازداد شرف العبد بكثرة مخاطبة سيده له. وثالثتها: أن الحروف إذا كثرت الأجور لقوله ﵊: «من قرأ القرآن وأعربه كان له بكل حرف عشر حسنات»،
ويعظم أيضًا أجر الحفظ والضبط والكتابة وغير ذلك. فهذه مصالح تترتب على الإجمال.
[ ٢٨٠ ]
ويجوز البيان بالفعل خلافًا لقوم. وإذا تطابق القول والفعل فالبين القول والفعل مؤكد له، وإن تنافيا نحو قوله ﵊: «من قرن الحج إلى العمرة فليطف لهما طوافًا واحدًا» وطاف ﵊ لهما طوافين، فالقول مقدم لكونه يدل بنفسه، ويجوز بيان المعلوم بالمظنون خلافًا للكرخي.
حجة المنع من البيان بالفعل أن الفعل تطويل، وتأخير البيان مع إمكانه وتيسره عبث من المبين وهو على الله تعالى محال.
جوابه: أن البيان بالقول قد يكون أطول من البيان بالفعل كالأشياء الغامضة الدقيقة فإنَّها لا تظهر بألفاظ كثيرة وتكرار كثير جدًا، ومجرد الفعل مرة واحدة يصير ضرورية عند من شاهد ذلك الفعل، سلمنا أنه أطول لكنه قد وقع كما تقدم بيانه في الحج وغيره، ثم ما فيه من التطويل معارض بأن البيان بالفعل أقوى عند النفس وأثبتن ولذلك أن الصنائع تنضبط بمشاهدة الأفعال دون الأقوال المجردة، كالتجارة والصياغة وغيرهما، وإنما قدم القول على الفعل في البيان، لأن القول يدل بمجرد الوضع، والفعل لا يدل إلاّ بالقول الدال على كونه دليلًا، كما دل قوله تعالى: «وما آتاكم الرسول فخذوه» (١) ولولا ذلك لم يكن الفعل حجة، وما هو حجة بنفسه أولى مِمّا لا يكون حجة بنفسه.
وتمثيلي بكونه عليه الصالة والسالم طاف لهما طوافين، مبني على أنه ﵊ كان في حجة الوداع متمتعًا، وهي مسألة ثلاثة أقوال: قيل متمتعًا، وقيل مفردًا، وقيل قارنًا. والإمام فخر الدين مثَّل بذلك فاتبعته.
وأما بيان المعلوم بالمظنون فيريد به بيان المتواتر بالآحاد، وذلك كما بين ﵊: «فيما سقت السماء العشر» ومعنى ذلك أن الحديث إذا بلغ إلينا جاز أن نعتمد عليه في البيان، وإن
_________________
(١) ٧ الحشر.
[ ٢٨١ ]
كان بالنسبة إلينا مظنونًا لأنه في زماننا خبر واحد، وأما من سمع هذا الحديث من الصحابة - رضوان الله عليهم - فهو عندهم مقطوع لا مظنون، لأن التواتر لا يزيد على المباشرة.
حجة الكرخي أن المظنون يقصر على المقطوع فلا يعتمد عليه، وكذلك تخصيص القرآن بالقياس.
وجوابه: أن المقطوع في سنده قد يكون مظنونًا في دلالته، كما تقول في عمومات القرآن مقطوعة السند مظنونة الدلالة، فقد اشتركا في الظن، والبيان أخص، والأخص أقوى من الأعم، فما قدمنا إلاّ ما هو أقوى لا ما هو أضعف.