إن التخصيص لا يكون إلاّ فيما يتناوله اللفظ بخلاف النسخ، ولا يكون إلاّ قبل العمل بخلاف النسخ، فإنه يجوز قبل العمل وبعده، ويجوز نسخ شريعة بأخرى ولا يجوز تخصيصها بها.
والاستثناء مع المستثنى منه كاللفظ الواحدة الدالة على شيء واحد ولا يثبت بالقرينة الحالية ولا يجوز تأخيره، بخلاف التخصيص. وقال الإمام والتخصيص كالجنس للثلاثة لاشتراكها في الإخراج، فالتخصيص والاستثناء إخراج الأشخاص، والنسخ إخراج الأزمان.
كون التخصيص لا يكون إلاّ فيما يتناوله اللفظ، اصطلاح وعبارة، لا معنى من المعاني، فإن القرائن أو غيرها إذا دلت على ثبوت حكم لعدة صور، فإذا خرجت منها صورة من الصور كان ذلك كإخراج صور من صورة تناولها صيغ العموم، غير أنه لا يسمى تخصيصًا اصطلاحًا، ويدخل النسخ فيما يتناوله اللفظ أو ثبت بالقرائن أو الفعل أو الإقرار، ولا يكون التخصيص إلاّ قبل العمل، لأن التخصيص بيان المراد، فإذا عمل به صار الجميع مرادًا، فلا يبقى الإخراج بعد ذلك إلاّ نسخًا وإبطالًا لما هو مراد، والتخصيص هو إخراج غير المراد عن المراد، وبعد العمل بالجميع يتعذر ذلك، ويجوز النسخ أيضًا قبل العمل إذا علم أن مدلول اللفظ مراد.
وأما نسخ شريعة بشريعة فذلك لم يقع بين الشرائع في القواعد الكليّة، ولا في العقائد
[ ٢٣٠ ]
الدينية، بل في بعض الفروع، مع جوازه في الجميع عقلًا، غير أنه لم يقع، وإذا قيل إن شريعتنا ناسخة لجميع الشرائع؛ فمعناه في بعض الفروع خاصة، فالشريعة الناسخة هي المتأخرة.
وأما تخصيص شريعة بشريعة فيمتنع. أما السابقة باللاحقة فلأن التخصيص بيان وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلو خصصت المتأخرة المتقدمة لتأخر البيان عن وقت الحاجة، وأما تخصيص المتأخرة بالمتقدمة فلأن عادة الله أن لا يُنزل على قوم ولا يخاطبهم إلاّ بما يتعلق بهم خاصة، فلو نزل في المتقدمة ما يكون بيانًا وتخصيصًا للمتأخرة لخوطبوا بما لا يتعلق بهم، وهذا كله عادة ربانية لا وجوب عقلي.
وأما الاستثناء فهو مع اللفظ المستثنى منه كاللفظة الواحدة الدالة على معنى واحد وهو ما بقي. قال القاضي أبو بكر: فالخمسة لها عبارتان: خمسة، وعشرة إلاّ خمسة. واعلم أن تعليلهم ذلك بأن الاستثناء غير مستقل بنفسه يلزم أن يكون التخصيص بالصفة والشرط والغاية كذلك، ولم يذكروه إلاّ في الاستثناء، وهنا فرق آخر يخص الاستثناء وهو أنه يخرج من العدد فتقول له عشرة إلاّ اثنين، وغير الاستثناء لا يمكن ذلك فيه، ولذلك لا يثبت بالقرينة الحالية، فإنه لو قال له عشرة إلاّ اثنين ودلت القرينة على أنه أراد خمسة، لزم أن يكون لفظ العشرة المجاز لا يجوز في لفظ العدد، والتخصيص يجوز بالقرينة، لأن التخصيص مجاز، والمجاز يدخل في العمومات إجماعًا، ولا يجوز أن يتأخر الاستثناء، فلا يقول له عشرة وبعد يوم يقول إلاّ اثنين، لأنه فضْلة في الكلام لا يستقل بنفسه وما لا يستقل بنفسه لا ينفرد بالنطق، وكذلك الشرط والغاية والصفة.
وأما التخصيص بالمخصص المنفصل فلا يمكن جعله مع العام المخصوص لفظًا واحدًا؛ لاستقلال كلّ واحد منهما بنفسه. والصواب أن تقول الإخراج جنس للثلاثة: التخصيص والنسخ والاستثناء، فإن الشيء لا يكون جنسًا لنفسه، فإذا قلنا التخصيص جنسي للثلاثة لزم أن يكون التخصيص جنسًا لنفسه وهو محال. وقولنا التخصيص والاستثناء
[ ٢٣١ ]
إخراج للأشخاص، النسخ إخراج للأزمان ليس على إطلاقه، بل قد يكون التخصيص في الأزمان والاستثناء، فتقول ما رأيته طول الدهر أو جميع الأيام ومرادك عمرك خاصة، وتستثني أيامنا فتقول إلاّ يوم الجمعة مثلًا، وهذا بحسب ما يقع فيه العموم، فإن وقع في الأزمان وقع جواز التخصيص والاستثناء فيها، أو في الأشخاص وقع جواز التخصيص والاستثناء فيها، وقد يقع النسخ ولا إخراج زمان كنسخ الفعلة الواحدة التي لا يتعدد زمانها فلا يقبل الإخراج لأن الإخراج من الشيء فرع تعدده بين المخرج والمخرج عنه كأمر إبراهيم بذبح إسحق (١) ﵊ ولم يخرج منه بعض الأزمنة وبقي بعضها، بل بطل المأمور به بعض الأزمنة، وخرج المستقبل بعدها بالنسخ.
_________________
(١) ويقال إنه إسماعيل.
[ ٢٣٢ ]