وعندنا وعند جمهور العلماء ما لا يتم الواجب المطلق إلا به وهو مقدور للمكلف فهو واجب، لتوقف الواجب عليه، فالقيد الأول احتراز من أسباب الوجوب وشروطه وانتفاء موانعه، فإنها لا تجب إجماعًا مع التوقف عليها، وإنما الخلاف فيما تتوقف عليه الصحة بعد الوجوب، والقيد الثاني احترازًا من توقف فعل العبد بعد وجوبه على تعلق علم الله تعالى وإرادته وقدرته بإيجاده، ولا يجب على المكلف تحصيل ذلك إجماعًا.
[ ١٦٠ ]
وقالت الواقفية إن كانت الوسيلة سبب المأمور به وجبت وإلا فلا، لم الوسيلة إما أن يتوقف عليها المقصد في ذاته أو لا يتوقف. والأول إما شرعي كالصلاة على الطهارة، أو عرفي كنصب السلم لصعود السطح، أو عقلي كترك الاستدبار لفعل الاستقبال. والثاني نجعله وسيلة إما بسبب الاشتباه نحو إيجاب خمس صلوات لتحصيل صلاة منسية، أو كاختلاط النجس بالطاهر والمذكاة بالميتة والمنكوحة بالأخت، أو لتيقن الاستيفاء كغسل جزء من الرأس مع الوجه، أو إمساك جزء من آخر الليل مع نهار الصوم.
أجمع المسلمون على أن ما يتوقف الوجوب عليه من سبب أو شرط أو انتفاء مانع لا يجب تحصيله إجماعًا، فالسبب كالنصاب يتوقف عليه وجوب الزكاة ولا يجب تحصيله إجماعًا وإلا فإنه يتوقف عليها وجوب الصوم، ولا يجب الإقامة لأجله إجماعًا وكالدين يمنع وجوب الزكاة ولا يجب دفعه حتى تجب الزكاة إجماعًا، فكل ما يتوقف عليه الوجوب لا يجب تحصيله إجماعًا.
وإنما النزاع فيما يتوقف عليه إيقاع الواجب بعد تحقق الوجوب فقيل يجب لتوقف الواجب عليه، وقيل لا يجب لأن الأمر ما اقتضى إلا تحصيل المقصد، أما الوسيلة فلا، ولأنه إذا ترك المقصد كصلاة الجمعة أو الحج فإنه يعاقب عليه، أما المشي إلى الجمعة أو الحج فلم يدل على دليل على أنه يعاقب عليه مع عقابه على المقصد، وإذا لم يستحق عقابًا عليه لم يكن واجبًا، لأن استحقاق العقاب من خصائص الوجوب، فمعنى قولنا مطلقًا، أي أطلق الوجوب فيه فيصير معنى الكلام الواجب المطلق إيجابه، ففرق بين قول السيد لعبده اصعد السطح، وبين قوله إذا نصب السلم اصعد السطح، فالأول: مطلق في إيجابه فهو موضع الخلاف، والثاني: مقيد في إيجابه فلا يجب تحصيل الشرط فيه إجماعًا.
وأما قولنا إذا كان مقدورًا فاحتراز عن المعجوز عنه، فإنه لا يجب بناءً على نفي التكليف بما لا يطاق وإن كنا نجوزه، ومن الشرط المعجوز عنها تعلق صفات الله تعالى بفعل العبد من المحال أن يصلي حتى يقدر الله تعالى له أن يصلي،
[ ١٦١ ]
ويعلم أنه يصلي، ويخلق له حركات الصلاة وسكناتها، فتعلق هذه الصفات شرط في إيقاع الواجب، ولا يمكن إيجابها على العبد لعجزه عن التصرف في صفات الله تعالى، وأما وجه الفرق بين الأسباب فتجب وغيرها من الشروط وانتفاء الموانع فلا تجب عند الواقفية، فلأن السبب يلزم من وجوده الوجود، بخلاف الشرط، وعدم المانع لا يلزم منهما وجود الواجب كما تقدم بيانه فيما يتوقف عليه الأحكام فإذا أوجبوا تحصيل السبب فقد أوجبوا وجود ما يلزم منه وجود الواجب، بخلاف ذينك.
وقولي المتوقف عليه شرعًا، كالصلاة مع الطهارة أريد كما قال إمام الحرمين أنه إذا تقرر أن الطهارة شرط، ثم ورد الأمر بعد ذلك بصلاة ركعتين، فإنه تجب الطهارة، أما من غير هذا الوجه فلا، فلو قال اله تعالى: صلوا ابتداءً، صلينا بغير وضوء، حتى يدل دليل على اشتراط الطهارة، وإيجاب خمس صلوات لأجل صلاة أنسيها مجهولة العين فيها فما ذاك لتوقف الصلاة في ذاتها على أربعة تضاف إليها؛ بل لعله الاشتباه، بخلاف السلم في صعود السطح، هو متوقف عليه في ذاته عادة، وكذلك بقية النظائر إنما حصل التوقف فيها لأمر غير الذات من أمور خارجة.