(الأصل في أوامر الكتاب والسنة أنها للوجوب،
شرع المؤلف ﵀ في مباحث الأمر والنهي وهي من المباحث التي أولاها الأصوليون بحثًا وأطالوا في ذلك؛ لأن الأوامر والنواهي مناط التكليف، ولشرف المأمور به قدم الأمر على النهي.
قوله: (والأصل في أوامر الكتاب والسنة أنها للوجوب):
الأمر تحته عدد من المسائل:
* المسألة الأولى: تعريف الأمر:
الأمر في اللغة: الحال أو الشأن قولًا كان أو فعلًا، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾.
وأما في الاصطلاح: هو استدعاء العمل بالقول ممن هو دونه على وجه الاستعلاء.
قولنا: (العمل): يشمل القول والفعل، فأما القول فكما في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وأما الفعل كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
وقولنا: (بالقول) يخرج الفعل كالإشارة والكتابة، والجمهور: لا يسمى
[ ٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفعل أمرًا إلا مع القرينة.
ولهذا فإن أفعال الرسول ﷺ المجردة لا تكون بمثابة الأمر، إلا إذا دل الدليل على وجوب متابعته فيها.
وقولنا: (ممن هو دونه): يخرج استدعاء العمل ممن هو مساوٍ له، فهذا لا يسمى أمرًا وإنما يسمى التماسًا، ويخرج استدعاء العمل من الأدنى إلى الأعلى، فهذا لا يسمى أمرًا وإنما يسمى دعاءً.
* المسألة الثانية: اقتضاء الأمر الوجوب.
الأصل في أوامر الكتاب والسنة المطلقة المجردة عن القرائن أنها تقتضي الوجوب، كما هو قول جمهور أهل العلم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «أمر الله ورسوله إذا أطلق كان مقتضاه الوجوب» (^١).
والأدلة على ذلك كثيرة منها:
١ قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
فالله جلَّ وعلا توعد المخالفين لأمر الرسول ﷺ بالفتنة وهي الزيغ أو بالعذاب الأليم، ولا يتوعد بذلك إلا على ترك واجب، فدل ذلك على أن أمر الرسول ﷺ المطلق يقتضي الوجوب.
٢ ولقوله تعالى على لسان موسى مخاطبا أخاه هارون: ﴿أَفَعَصَيْتَ
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» ٢٢/ ٥٢٩.
[ ٧٩ ]
إلا إذا دل الدليل على الاستحباب، أو الإباحة
أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣]، مع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤].
فالآية الأولى جعلت مخالفة الأمر معصية، والآية الثانية جعلت المعصية سببًا لدخول جهنم.
٣ ومنها: حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (^١).
وجه الدلالة من الحديث: لما كان الأمر تتعلق به المشقة دل على الوجوب، ولو كان الأمر للاستحباب لم يكن هناك مشقة.
٤ ومن ذلك: إجماع الصحابة على الاستدلال بالأمر على الوجوب في وقائع متعددة.
قوله: (إلا إذا دل الدليل على الاستحباب):
فإذا دل الدليل على الاستحباب فإنه يحمل عليه، ومثاله سيأتي قريبًا من حديث أبي هريرة ﵁.
قوله: (أو الإباحة):
ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].
هذا أمر من الله ﷿ بالصيد بعد الحل من النسك، ولكن الصارف له من الوجوب إلى الإباحة هو الإجماع؛ فإن المسلمين مجمعون على أن الصيد مباح.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٨٧)، ومسلم (٢٥٢).
[ ٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فرع: ذكر المؤلف ﵀ النص الصارف من الوجوب إلى الاستحباب، والصوارف ثلاثة:
* الأول: أن يدل الدليل على أن المراد بهذا الأمر الاستحباب ولا يراد به الوجوب وهذا له أمثلة منها:
حديث أبي هريرة ﵁ وفيه قال ﷺ: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال» (^١).
فأمر النبي ﷺ بالاستعاذة بالله من هذه الأربع، ووجد الصارف الذي يدل على أن الاستعاذة بالله من هذه الأربع أنه للاستحباب وليس للوجوب وهو حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ لما ذكر التشهد الأول قال: «ثم لْيَتَخيّر من الدعاء أعجبه» (^٢) أي أعجب الدعاء إليه فدل على أن الاستعاذة بالله من هذه الأربع لا تتعين.
* الصارف الثاني: الإجماع قد يُجمع العلماء ﵏ على أن هذا الأمر لا يراد به الوجوب.
ومن الأمثلة على ذلك:
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] هذا أمر ومع ذلك العلماء ﵏ مجمعون على أن الإنسان إذا حلّ من إحرامه لا يجب عليه أن يصطاد.
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (٥٨٨).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٨٣٥)، ومسلم (٤٠٢).
[ ٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* الصارف الثالث: إذا علمنا أن هذا الأمر، أو أن هذا النهي يُقصد به الإرشاد والأدب فإن هذا الأمر لا يقتضي الوجوب، والنهي لا يقتضي التحريم اللهم إلا إذا قامت قرينة تدل على أنه يقصد به الوجوب، أو يقصد به التحريم فإنه يبقى على الأصل، وأن الأمر للوجوب والنهي للتحريم، ومن الأمثلة على ذلك:
المثال الأول: قول النبي ﷺ: «إذا توضأتم أو لبستم فابدؤوا بميامنكم» (^١) فإذا توضأ الإنسان، أو لبس فقد أمره أن يبدأ بيمينه لكن هذا على سبيل الإرشاد والأدب ولذلك حمله العلماء على الاستحباب.
المثال الثاني: أن النبي ﷺ لما تخلف عن الصلاة وأناب أبا بكر ﵁، وجد النبي ﷺ خفة من مرضه فخرج النبي ﷺ فلما رآه أبو بكر أراد أن يتأخر لكي يقوم النبي ﷺ من مقامه فأشار إليه النبي ﷺ أن يمكث فلم يمكث أبو بكر (^٢)؛ لأن أبا بكر علم من إشارة النبي ﷺ أنه ليس للإلزام وإنما أراد بذلك الإكرام، فدل ذلك على أن الشيء إذا قُصد به الأدب والإكرام والإرشاد أنه لا يقتضي الوجوب، لكن إذا دلت القرائن على أن الشارع أراد بهذا الأمر الوجوب، أو النهي التحريم حتى ولو كان على سبيل الإرشاد والإكرام فإنه يبقى على الأصل.
_________________
(١) أخرجه أبو داود رقم (٤١٤١) وابن ماجه رقم (٤٠٢)، وابن خزيمة (١/ ٩١)، وقال ابن الصلاح والنووي حديث حسن وإسناده جيد، وقال ابن دقيق العيد هو حقيق بأن يصحح، وصححه ابن الملقن البدر المنير (٣/ ٤١٨).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٦٨٣)، ومسلم (٤١٨).
[ ٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومن الأمثلة على ذلك:
أن الشارع أمر بالأكل باليمين، ونهى عن الأكل بالشمال وهذا من باب الإرشاد والأدب قال ﷺ: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله» (^١) فأمر النبي ﷺ بالأكل والشرب باليمين ونهى عن الأكل والشرب بالشمال وأخبر أن الشيطان يأكل ويشرب بشماله، هذا الأمر حسب ما ذكرنا أنه إذا قصد به الإرشاد والأدب يُحمل على الاستحباب لكن دلت قرينة على أن المراد به الوجوب؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، ونحن منهيون عن اتباع خطوات الشيطان وموافقته؛ لأنه عدوٌ لنا فلا يكون إمامًا لنا.
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (٢٠٢٠).
[ ٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* المسألة الثالثة: للأمر صيغة خاصة.
عامة السلف على أن الأمر له صيغة خاصة وهي افعل للحاضر، وليفعل للغائب، وقد عد الأصوليون من صيغه:
١ فعل الأمر، مثل: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (^١).
٢ المضارع المقرون بلام الأمر، مثل: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧].
٣ المصدر النائب عن فعل الأمر، مثل: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] أي: فاضربوا الرقاب.
٤ اسم فعل الأمر، مثل: صه، بمعنى: اسكت.
والخبر قد يأتي بمعنى الأمر، ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
فهذان الخبران يقصد بهما الأمر، فكأنه قال: المطلقات مأمورات بالانتظار ثلاثة قروء قبل زواجهن، وأولات الأحمال مأمورات بالانتظار حتى يضعن حملهن.
وعند بعض أهل البدع كالأشعرية: أن الأمر ليس له صيغة خاصة، وهذا يبنونه على أن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، ويتوصلون بذلك إلى إنكار صفة كلام الله ﷿.
* المسألة الرابعة:
اقتضاء الأمر المطلق للفورية، وتأتي في كلام المؤلف ﵀.
* المسألة الخامسة:
دلالة الأمر على التكرار، وتأتي في كلام المؤلف ﵀.
* المسألة السادسة:
الأمر بالشيء نهي عن ضده، وتأتي في كلام المؤلف ﵀.
* المسألة السابعة:
الأمر بعد الحظر، وتأتي في كلام المؤلف ﵀.
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٨٤ ]
والأصل في النواهي أنها للتحريم، إلا إذا دلّ الدليل على الكراهة).
قال: (والأصل في النواهي أنها للتحريم إلا إذا دل الدليل على الكراهة).
والنهي تحته مسائل:
* المسألة الأولى: تعريفه:
النهي في اللغة: المنع، وطلب الترك.
وأما في الاصطلاح: استدعاء ترك العمل بالقول ممن هو دونه.
قولنا: (استدعاء ترك العمل):
أي: طلب ترك الفعل أو القول، فيدخل في ذلك المكروه والمحروم.
وقولنا: (بالقول):
يخرج الفعل كالإشارة والكتابة، والجمهور: لا يسمى الفعل نهيا إلا مع القرينة.
وقولنا: (ممن هو دونه):
يخرج طلب الترك ممن هو أعلى منه وهذا يسمى دعاء، ويخرج طلب الترك ممن هو مساوٍ وهذا يسمَّى التماسًا.
* المسألة الثانية: صيغة النهي.
للنهي صيغة واحدة متفق على كونها تفيد النهي، وهي صيغة: (لا تفعل)، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١].
[ ٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وزاد بعضهم صيغتي: (انته) و(اكفف)، ونحوهما من الأوامر الدالة على الترك.
قوله: (والأصل في النواهي أنها للتحريم إلا إذا دل الدليل على الكراهة).
* المسألة الثالثة:
أن الأصل في النواهي أنها للتحريم إلا إذا وُجد دليل يدل على الكراهة، والدليل على ذلك:
١ قوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
ووجه الدلالة: أن الله أمر بالانتهاء عما نهى عنه رسوله ﷺ، والأمر يقتضي الإيجاب كما سبق.
٢ قوله ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» (^١)، فهذا الحديث فيه الأمر بالانتهاء عما نهى عنه الرسول ﷺ من غير استثناء، والأمر للوجوب.
٣ أن صيغة (لا تفعل) تقتضي ترك الفعل والامتناع عنه، والامتناع أبدًا لا يحصل إلا بالتحريم.
٤ أن أهل اللغة لا يفهمون من الصيغة عند الإطلاق إلا المنع الجازم، ولهذا إذا قال السيد لعبده: لا تفعل كذا ثم فعله، استحق العقوبة، والقرآن
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٧٢٨٨)، ومسلم برقم (١٣٣٧).
[ ٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والسنة جاءا بلغة العرب.
٥ أن الصحابة فهموا من النهي المطلق التحريم، فإذا روي لهم أن النبي ﷺ نهى عن شيء عدوه محرمًا سواء أصحبته قرينة تدل على التحريم أم لا.
٦ أن كثيرًا من النواهي رُتب عليها عقوبات شرعية متنوعة مما يدل على أن الأصل في النهي التحريم، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩].
ومنه كذلك قول النبي ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن» (^١).
قوله: (إلا إذا دلّ الدليل على الكراهة).
بمعنى أنه لا يخرج عن أصل التحريم إلا إذا كان هناك دليل يصرف النهي من التحريم إلى الكراهة، ومن أمثلة ذلك أن الشارع نهى عن أكل الثوم والبصل ودل الدليل على أن هذا النهي ليس للتحريم إنما للكراهة، وذلك لما ثبت عن النبي ﷺ أنه أقر أكل هذه البقول وأكلت بحضرته ولم ينكر ذلك، فدل ذلك على أن النهي فيها ليس على سبيل التحريم إنما على سبيل الكراهة.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٧٧٢)، ومسلم (١٠٠).
[ ٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والصوارف ثلاثة كما تقدم في الأمر من الوجوب إلى الاستحباب: النص، والإجماع، والإرشاد والأدب، وتقدم بيان ذلك قريبا.
ومن أمثلة ذلك: أن النبي ﷺ «نهى أن يشرب الرجل قائمًا» (^١) وشرِبَ النبي ﷺ قائمًا (^٢) فدل ذلك على أن النهي هنا لا يدل على التحريم وإنما يدل على الكراهة.
* المسألة الثالثة: النهي عن الشيء يقتضي تحريم كل جزء منه:
النهي عن الشيء نهيٌ عنه وعن جميع أجزائه، كما أن الأمر بالشيء أمرٌ به وبكل جزء منه مع الاستطاعة.
مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ …﴾ [البقرة: ١٩٦].
فنهى الشارع المحرم أن يحلق رأسه حتى يبلغ الهدي محله أي وقت حلوله وهو يوم عيد النحر، وهذا النهي شاملٌ لكل الرأس، كما أنه شامل لكل فردٍ من أفراد الرأس، فلا يجوز للمحرم أن يأخذ ولا شعرة من شعرات رأسه حتى يتحلل التحلل الأول.
ومن ذلك أيضًا: أن الشارع نهى عن شرب الخمر، فيحرم على الإنسان أن يشرب الخمر سواء كان مسكرًا أو غير مسكر، حتى ولو شرب
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (٢٠٢٤).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٥٦١٥).
[ ٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نقطة واحدة فإنه محرم ويترتب عليه الحد.
ومن ذلك أيضًا: النظر المحرم فإنه يشمل النظر سواء كان عن طريق مباشر أو غير مباشر، كما لو نظر إلى صورة وغير ذلك.
* المسألة الرابعة:
اقتضاء النهي الفساد، وتأتي في كلام المؤلف ﵀.
* المسألة الخامسة:
اقتضاء النهي الفورية، وتأتي في كلام المؤلف ﵀.
* المسألة السادسة:
النهي عن الشيء أمر بضده، وتأتي في كلام المؤلف ﵀.
* * *
[ ٨٩ ]
(والأصل في الكلام الحقيقة فلا يعدل به إلى المجاز إن قلنا به، إلا إذا تعذرت الحقيقة،
قوله: (والأصل …).
والحقيقة: هي اللفظ المستعمل فيما وضع له.
والمجاز: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له.
والأصل في الكلام الحقيقة كما ذكره المؤلف.
وقوله: (إن قلنا به): فيه إشارة إلى الخلاف في إثبات المجاز.
وهنا مسألة: وهي هل في اللغة العربية مجاز أو ليس فيها مجاز (^١)؟
اختلف العلماء في إثبات المجاز على ثلاثة أقوال:
* القول الأول: وهو قول الجمهور، قالوا بوجوده في اللغة والقرآن والسنة، ويدل على ذلك قول الله ﷿: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ وهذا مجاز؛ لأنه استعمال للفظ في غير موضعه.
ومثال ذلك: لفظ الدابة هي في الحقيقة اسم لكل ما يدب على الأرض، وفي المجاز هي اسم لما يركب من ذوات الأربع.
ومثاله أيضًا: لفظ الغائط في حقيقته هو اسمٌ للمنخفض من الأرض، وفي المجاز هو اسمٌ للخارج المستقذر من الإنسان.
_________________
(١) وهذه المسألة كبيرة جدًا وتكلم عليها العلماء وألفوا فيها رسائل ومؤلفات مستقلة.
[ ٩٠ ]
والحقائق ثلاث: شرعية ولغوية وعرفية).
* والقول الثاني: نفي وقوع المجاز في اللغة والشرع، وبه قال أبو علي الفارسي، وأبو إسحاق الإسفراييني
وابن تيمية وابن القيم، وإنما يعرف المراد من اللفظ من خلال القرائن ودلالات الأحوال، بدليل:
١ أن المجاز لم يعرفه السلف فهو مصطلح حادث.
٢ ولأنه يجوز نفيه فيلزم على القول به جواز نفي الكتاب والسنة، وجواز نفي صفات الله بدعوى مجازيتها.
* والقول الثالث: يوجد المجاز في اللغة ولا يوجد في الكتاب والسنة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وبه قال ابن خويز منداد، وابن فورك، وابن القاص، لما تقدم من الأدلة.
قوله: (والحقائق ثلاث: شرعية ولغوية وعرفية).
قسم العلماء ﵏ الحقيقة إلى ثلاثة أقسام:
١ الحقيقة الشرعية: وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له شرعًا.
٢ الحقيقة اللغوية: وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له لغة.
٣ الحقيقة العرفية: وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له عرفًا.
واختلف العلماء ﵏ في أي الحقائق الثلاث أحق بالتقديم؟
فقدم بعضهم الحقيقة الشرعية، وقدّم بعضهم الحقيقة اللغوية، وقدّم بعضهم الحقيقة العرفية.
والأقرب في ذلك أن يقال: إن هذه المسألة تنقسم إلى أقسام:
[ ٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* القسم الأول: إذا كان الأمر متعلقًا بالعبادات؛ فإننا نقدم الحقيقة الشرعية؛ لأن هذا هو المتبادر من مراد الشارع، فمثلًا: لو أن شخصًا حلف وقال: والله لأصلينّ هذا اليوم، فمتى يبر بيمينه؟
نقول: إن الصلاة لها حقيقة شرعية وحقيقة لغوية، وحقيقة الصلاة الشرعية هي التعبد لله ﷾ بأقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، وأما حقيقتها اللغوية فهي الدعاء، وعلى ذلك فأيهما نقدم؟
فنقدم الحقيقة الشرعية، فلا يبر بيمينه حتى يصلي صلاة شرعية مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم مستكملة لشروطها وأركانها، وأقل الصلاة ركعتان، إلا إذا كان هناك سبب أو نية أو عرف، فإذا كانت نيته بالصلاة الدعاء فالنية مقدمة.
ومن أمثلة ذلك: لو قال: والله لأصومن هذا الشهر، فالصيام له حقيقة شرعية وحقيقة لغوية، والحقيقة الشرعية هي الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، وحقيقته اللغوية هي مجرد الإمساك، فأيهما يقدم؟
نقدم الحقيقة الشرعية، فلا يبر بيمينه حتى يصوم صومًا صحيحًا عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، إلا إذا كان هناك سبب أو نية أو عرف.
ومن أمثلته كذلك: لو قال قائل: والله لأعتمرن، العمرة لها حقيقة شرعية وأخرى لغوية، والحقيقة الشرعية هي زيارة مكة وأداء مناسك العمرة، والحقيقة اللغوية هي مجرد الزيارة، فمتى يبر بيمينه؟
[ ٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والجواب: إذا أدى مناسك العمرة فإنه يكون قد برَّ بيمينه؛ لأن الحقيقة الشرعية مقدمة على الحقيقة اللغوية.
* القسم الثاني: إذا كان الأمر متعلقًا بالعقود فإننا نقدم الحقيقة الشرعية.
مثال ذلك: لو قال: والله لأبيعن هذا اليوم، البيع له حقيقتان حقيقة شرعية وحقيقة لغوية، الحقيقة الشرعية: هي مبادلة مال بمال باستكمال شروطه الشرعية، والحقيقة اللغوية هي مطلق المبادلة، فمتى يعتبر بارًا بيمينه؟
الجواب عن ذلك: لا يبر بيمينه حتى يعقد عقد بيع صحيح، فلو عقد عقد بيع فاسد لا يكون بارًا بيمينه.
* القسم الثالث: إذا كان الأمر متعلقًا بالأعيان أو الأقوال أو الأفعال؛ فإننا نقدم الحقيقة اللغوية، وعلى هذا فإنه لو حلف شخص على عينٍ من الأعيان أو على قول من الأقوال أو على فعل من الأفعال؛ فإننا نرجع إلى حقيقة ذلك في اللغة.
مثال ذلك: لو حلف على فاكهة حلف على عين من الأعيان أو حلف أن يأكل لحمًا، أو أن يقول قولًا من الأقوال، أو حلف على فعل شيء كأن يركب أو يسافر، فما هو المقدم في هذه المسائل؟
الجواب: نرجع إلى حقيقة ذلك اللغوية ما لم يكن هناك سبب أو نية أو عرف، فإذا كان هناك عرف فإنا نرجع إلى الحقيقة العرفية ونقدمها على الحقيقة اللغوية؛ لأن الحقيقة العرفية أصبحت كالمهجورة، لكن إذا لم يكن هناك عرف فإننا نقدم الحقيقة اللغوية.
[ ٩٣ ]
فما حكم به الشارع وحده، وجب الرجوع فيه إلى الحد الشرعي.
وماحكم به ولم يحده اكتفاءً بظهور معناه اللغوي، وجب الرجوع فيه إلى اللغة.
ومالم يكن له حد في الشرع ولا في اللغة، رجع فيه إلى عادة الناس وعرفهم.
وقد يصرح الشارع بإرجاع هذه الأمور إلى العرف، كالأمر بالمعروف والمعاشرة بالمعروف ونحوهما، فاحفظ هذه الأصول التي يضطر إليها الفقيه في كل تصرفاته الفقهية.
قوله: (فما حكم به الشارع …).
هذا فيما لم يرد له حد في الشرع؛ لأن ما حكم به الشارع ينقسم إلى قسمين:
* القسم الأول: أن يضع الشارع له حدًا.
* القسم الثاني: أن يتركه الشارع مطلقا.
فإن ما كان من قبيل القسم الأول؛ فإننا نرجع فيه إلى حد الشارع.
مثال ذلك: الصلاة، فإن الشارع قد حد لها حدًا، وذلك بالقيام المعروف والقراءة والركوع والسجود ونحو ذلك، فهذا يجب الرجوع فيه إلى حد الشارع.
ومن ذلك الصيام، فإن الشارع قد حده بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، فما حده الشارع وبينه وفسره فإننا نرجع فيه إلى حد الشارع.
وأما ما كان من قبيل القسم الثاني فإننا نرجع فيه إلى العرف؛ وذلك
[ ٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأن من القواعد الخمس الكلية التي يدور عليها الفقه قاعدة العرف أو «العادة محكمة».
ومن ذلك: صلة الرحم، فصلة الرحم أوجبها الله ﷿ بقوله: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٨].
وقال: «لا يدخل الجنة قاطع رحم» (^١)، لكن لم يحد الشارع صلة الرحم، فنرجع في تحديدها إلى العرف، فيمن تجب صلته ومن لا تجب صلته، وبما تكون الصلة وقدرها إلى آخره.
ومن ذلك أيضًا: عشرة الزوجة، فإن الشارع لم يحدها، وإنما أرجعها إلى العرف وذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وعلى ذلك فإنه يجب على الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف، وأن يقوم بالحقوق الواجبة عليه لهذه الزوجة وفق العرف.
ومن ذلك أيضًا: الحرز مكان حفظ المال في السرقة، وهذا أيضًا لم يحده الشارع، فيختلف باختلاف الأموال والبلدان وقوة السلطان وضعفه.
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم: (٥٩٨٤)، ومسلم رقم: (٢٥٥٦).
[ ٩٥ ]