١ قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
٢ وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تجاوز لي عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» (^١).
٣ وقوله ﷺ: «لا طلاق ولا إعتاق في إغلاق» (^٢)، أي: إكراه.
والحديثان فيهما ضعف.
مسألة: اشترط العلماء ﵏ في الإكراه الذي يكون سببا للتخفيف شروطًا:
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) رواه أبو داود ٢١٩٣، وابن ماجه ٢٠٤٦، وحكم على ضعفه: الإمام أبو حاتم كما في العلل لابنه ١٣٠٠، كما حكم بضعفه: ابن عبد الحق في الأحكام الوسطى ٣/ ٢٠٠، وابن القطان في بيان الوهم والإيهام ٤/ ٢٥١.
[ ٢٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* الشرط الأول: أن يكون المُكرِه قادرًا على إيقاع ما هدد به، والمُكرَه ليس قادرًا على دفعه.
* الشرط الثاني: أن يكون الإكراه عاجلًا ليس آجلًا.
مثال ذلك: لو قال له رجل: طلق زوجتك وإلا قتلتك بعد سنة، فإنه لا يكون إكراهًا معتبرًا.
* الشرط الثالث: أن يكون ما يُكَره عليه يشق تحمله.
* الشرط الرابع: أن يظن المكرَه أن المكرِه سيوقع ما هدد به؛ لأن ذلك لا يخلو من ثلاث حالات:
١ أن يعلم أنه سيوقع ما هدد به: فيكون سببًا للتخفيف.
٢ أن يظن أنه سيوقع ما هدد به: فهنا أيضًا يكون سببًا للتخفيف.
٣ أن يشك أو يظن أنه لن يوقع ما هدد به: فهذا لا يكون سببًا للتخفيف.
* الشرط الخامس: أن يكون الإكراه بغير حق، فإن كان بحق فلا يكون سببًا للتخفيف.
مسألة: الأصل أن الإكراه سبب للتخفيف في الإثم والضمان، لكن قد لا يكون سببًا في التخفيف كما في مسألة القتل، ونحوها.
مثال: ما كان الإكراه سببًا للتخفيف:
في العبادات: إذا أكره على الإفطار في رمضان فلا يبطل صومه،
[ ٢٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو أكره أن يأكل في الصلاة، فإن صلاته لا تبطل.
وكذلك في المعاملات: فلو أُكره على البيع أو الشراء، أو أُكره في النكاح على الطلاق، فكل ذلك لا يقع.
وقد لا يكون الإكراه سببًا للتخفيف: كما لو أُكره على قتل إنسان، فليس له أن يقتله.
مسألة: ينقسم الإكراه إلى قسمين:
* القسم الأول: أن يكون في حقوق الله:
أ من حيث الحكم التكليفي: فإنه لا يأثم؛ لما تقدم من الأدلة.
ب من حيث الحكم الوضعي الضمان: فإن كان من باب الأوامر: فإنه يعيد؛ لأنه يمكنه أن يستدرك، فلو أكره على أن يصلي بلا وضوء، فلا إثم عليه لكن يعيد الصلاة.
وأما إن كان من باب النواهي: فإنه يعذر، فلو أُكره على أن يتكلم في الصلاة، أو يأكل وهو صائم، فإنه معذور في هذه الحال، فلا يعيد.
* القسم الثاني: أن يكون في حقوق المخلوقين:
أ من حيث الحكم التكليفي: فلا يأثم، كما تقدم.
ب من حيث الحكم الوضعي الضمان: فإنه يوجب الضمان، لكن يكون تارة على المُكرِه فقط، وتارة يكون على المُكرِه والمُكرَه معًا.
فالأصل: أن الضمان يكون على المكرِه، كما لو أَكرَه زيدٌ عمرًا على
[ ٢٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إتلاف مال صالح، فالضمان على زيد.
وقد يكون الضمان عليهما جميعًا، كما لو أَكرَه زيدٌ عمرًا على القتل، فالقصاص عليهما جميعا، فالمكرِه متسبب، والمُكرَه مباشر، وليست نفسه أولى بالبقاء من نفس المقتول.
* مسألة: الإكراه يكون في الأقوال كما يكون في الأفعال غير أنها لا تنفذ بالإكراه، فمن أكره على الكفر لا يكفر بنطقه، ومن أكره على البيع لا ينعقد بيعه، ومن أكره على الطلاق لا ينفذ طلاقه وهكذا، ولذلك قالوا: «قول المكره بغير حق ملغى».
قال ابن رجب: وأما الإكراه على الأقوال فاتفق العلماء على صحته، وأن من أكره على قول محرم إكراهًا معتبرًا أن له أن يفتدي نفسه به ولا إثم عليه، وقد دل عليه قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
ولما عدد المجدد محمد بن عبد الوهاب: نواقض الإسلام التي يخرج بفعلها أو قولها من الإسلام استثنى المكره.
* السبب السابع من أسباب التخفيف: النقص.
والنقص ذكر العلماء ﵏ له أنواعًا:
* النوع الأول: الجنون:
والجنون: فقدٌ للعقل يصحبه اضطراب وهيجان أحيانًا.
[ ٢٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والقاعدة في المجنون من حيث التخفيف:
١ العبادات البدنية المحضة: فلا تجب عليه، ولا تصح منه كالصلاة والصيام ونحو ذلك.
٢ العبادات المركبة من المال والبدن: لا تجب عليه ولا تصح منه، كالجهاد، والحج، والعمرة، والكفارات.
٣ العبادات المالية المحضة: كالزكاة تجب في ماله.
٤ الحقوق المالية: كالنفقات، وضمان المتلفات، وأروش الجنايات، تجب في ماله، فلا يكون الجنون هنا سببًا للتخفيف، إلا إذا بلغ أرش الجناية ثلث الدية فعلى العاقلة، وأقل من الثلث في ماله.
٥ ما يتعلق بعقوده وفسوخه: فلا تصح منه.
٦ ما يتعلق بجناياته وحدوده: فالجنون سبب للتخفيف، فلا يقتص منه، ولا يقام عليه حد، لكن ما يتعلق بأرش جنايته تقدم الكلام عليها.
* النوع الثاني من أنواع النقص: العَتَه.
والفرق بين العته والجنون؛ أن الجنون: فقد للعقل يصحبه اضطراب وهيجان أحيانًا.
وأما العته: فهو نقص في العقل يصحبه خمول وكسل وسكون.
والقاعدة: أن العته بالنسبة للتخفيف ينقسم قسمين:
القسم الأول: عته ليس معه إدراك، فهذا حكمه حكم المجنون، وقد تقدم
[ ٢١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حكمه.
القسم الثاني: عته معه إدراك، فهذا حكمه حكم الصبي المميز، ويأتي حكمه.
* النوع الثالث من أنواع النقص: الأنوثة.
الأنوثة قد تكون سببًا للتخفيف، فيسقط عنها من التكاليف ما لا يسقط عن الذكر.
والقاعدة: [الأصل تساوي الذكور والإناث في التكاليف إلا ما دل الدليل عليه].
فالأنثى لا تجب عليها صلاة الجماعة، ولا الجمعة، ولا الجهاد، ولا الأذان، ولا الإقامة؛ لدلالة الدليل على ذلك، فهو سبب للتخفيف، وإلا فالأصل التساوي في الأحكام، فيجب على الأنثى ما يجب على الذكر من عبادات، وتكاليف، كالصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك، ويحرم عليها ما يحرم على الذكر من محرمات كالزنى، وشرب الخمر، والسرقة وغير ذلك، ويصح منها ما يصح من الذكر من عقود كالبيع، والإجارة، والوقف، وغير ذلك.
ودليل ذلك:
١ عموم الأدلة من القرآن والسنة، فهي شاملة للذكور والإناث.
٢ الإجماع على ذلك.
[ ٢١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* النوع الرابع من أنواع النقص: الرِّق.
والرق في اللغة: العبودية.
وفي الاصطلاح: عجز حكمي يقوم بالإنسان، سببه الكفر بالله ﷿.
والقاعدة: أن التكاليف الشرعية بالنسبة للرقيق تنقسم إلى أقسام:
١ العبادات البدنية المحضة: فحكمه التساوي مع الحُر، فالصلاة، والصيام ونحو ذلك يجبان على الحر والرقيق، وكذا الكفارات البدنية كالصيام.
والصواب: حتى صلاة الجماعة، والجمعة تجبان على الرقيق.
٢ العبادات المالية المحضة: فلا تجب على الرقيق، كالزكاة، والكفارات المالية كالعتق والإطعام والكسوة، ونحوها.
٣ العبادات المركبة من المال والبدن: فلا تجب على الرقيق، كالحج والعمرة والجهاد.
٤ الحقوق المالية: كأروش الجنايات وقيم المتلفات وغيرها، قال السعدي ﵀: (وقسّموا ما يتعلق بالرقيق من ضمانات الأموال إلى أربعة أقسام:
١ قسم يتعلق بذمة سيده قليله وكثيره، وهو ما أذن له فيه.
٢ وقسم يتعلق برقبة العبد وهو جناياته وإتلافاته فيخيّر سيده بين فدائه بالأقل من قيمته أو أرش الجناية والإتلاف، أو يسلمه للمجني عليه.
[ ٢١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٣ - وقسم يتعلق أيضًا برقبته على المشهور من المذهب، وهو تصرفاته التي يلزم فيها مال مثل: زواجه بلا إذن سيده، فإنه يلزم منه المهر، وعلى القول الصحيح: هذا القسم يتعلق بذمته.
٤ ديون العبد التي بلا إذن السيد، فتتعلق بذمته قولًا واحدًا يتبع بها بعد عتقه، والله أعلم).
٥ عقوده وفسوخه: من البيع والإجارة والنكاح ونحو ذلك، فتصرفات الرقيق كلها غير صحيحة وباطلة إلا مع الإذن، لكن يقع طلاقه.
وهل يملك بالتمليك سواء كان التمليك من السيد أو غيره؟ فيه خلاف.
٦ ما يتعلق بجناياته وحدوده: فالرق ليس سببًا للتخفيف، فتقام عليه الحدود والقصاص في العمد، إلا ما ورد من تنصيف الحد في حقه.
وفي غير العمد: تقدم ما يتعلق بأروش الجنايات.
* النوع الخامس من أنواع النقص: النوم والإغماء.
فالنوم والإغماء من أسباب التخفيف، ودليل ذلك: قوله ﷺ: «رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم: النائم حتى يستيقظ» (^١)، والمغمى عليه أشد من النائم.
والتخفيف عن النائم والمغمى عليه ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: ما يتعلق بالإثم: فلا يأثم عند ترك المأمور وفعل
_________________
(١) رواه أبو داود ٤٤٠١، والنسائي ٧٣٤٣.
[ ٢١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المحظور، لكن يجب عليه تدارك المأمور الذي يجب عليه تداركه.
فالمغمى عليه إذا كان الإغماء بغير اختياره، فإنه لا يجب عليه قضاء الصلاة إلا إذا أفاق فيها أو أغمي عليه في وقتها ولم يصلها، أو أغمي عليه باختياره، وإذا نام الإنسان عن الصلاة لا يأثم لكن يجب عليه القضاء.
القسم الثاني: ما يتعلق بأقوالهما: لا يترتب عليها أثر، فلا تنعقد عقودهما مثلا كعقود المعاملات، والتبرعات، والأنكحة، والفسوخ ونحوها فلا تنعقد من النائم، والمغمى عليه.
من أمثلة ذلك: إذا باع أو اشترى وهو نائم فلا يصح، أو طلق وهو نائم فلا يقع.
وكذلك إذا باع أو اشترى وهو مغمى عليه فلا يصح منه، أو طلق زوجته فلا يقع عليها.
القسم الثالث: ما يتعلق بأفعالهما:
أما يتعلق بحقوق المخلوقين: فيضمنان، فلو أتلفا مالًا لمخلوق ضمنا، أو جنيا عليهما أرش الجناية ولا قصاص، لما تقدم من الأدلة على ضمان أموال المخلوقين.
وأما ما يتعلق بحقوق الله: فلا ضمان عليهما، فلو شربا خمرًا، أو أتلفا صيدًا في الحرم فلا ضمان عليهما، ولا حد.
* النوع السادس من أنواع النقص: الصغر.
فالصغير يخفف عنه، والأوامر بالنسبة إلى الصغير تنقسم إلى أقسام:
[ ٢١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
١ - العبادات البدنية المحضة: كالصلاة، والصيام، والوضوء، والغسل لا تجب عليه؛ لحديث عائشة ﵂: «رفع القلم عن ثلاثة …»، وتصح منه إذا ميّز، وأجرها له، ولوليه أجر، لقوله تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه).
٢ العبادات المركبة من المال والبدن: كالحج، والعمرة، والجهاد، لا تجب عليه ويصح منه الحج والعمرة مطلقًا ولو كان غير مميز، وله أجره، ولوليه أجر؛ لحديث ابن عباس ﵄ في قول النبي ﷺ للمرأة التي رفعت إليه صبيا فقالت: ألهذا حج؟، قال: نعم ولك أجر) (^١).
٣ العبادات المالية المحضة: كالزكاة، فتجب عليه، ولو كان غير مميز.
٤ الحقوق المالية: كقيم المتلفات، وأروش الجنايات، والنفقات، فتجب عليه مطلقا في ماله، إلا ما يتعلق بأروش الجنايات إذا بلغت ثلث الدية فتجب على عاقلته.
٥ عقوده وفسوخه: لا تصح منه، إلا أنه يستثنى من عقوده ما يلي:
أ الأمور اليسيرة عرفا، فتصح.
ب ما كان مصلحة محضة، كقبول الهبة والوقف ونحو ذلك، فتصح.
ج إذا كان القصد اختباره عند تسليم ماله إليه، فلا بأس أن يؤذن له في بعض التصرفات لينظر رشده.
_________________
(١) رواه مسلم (١٣٣٦).
[ ٢١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٦ - الحدود والجنايات: لا تجب عليه، لكن ما يتعلق بأروش الجنايات تقدم الكلام عليها.
* السبب الثامن من أسباب التخفيف: العسر وعموم البلوى.
وهو شيوع البلاء بحيث يصعب على المرء التخلص أو الابتعاد، كطهارة فم الهرة وسؤرها لكثرة تطوافها.
[ ٢١٦ ]