فمنها: (اليقين لا يزول بالشك).
أدخلوا فيه من العبادات والمعاملات والحقوق شيئًا كثيرًا.
فمن حصل له الشك في شيء منها رجع إلى الأصل المتيقن.
هذه هي القاعدة الأولى التي ذكرها المؤلف ﵀ وهي قوله: «اليقين لا يزول بالشك» وهي إحدى القواعد الفقهية الخمس الكبرى التي يدور عليها الفقه.
والقواعد الفقهية الخمس هي: الأمور بمقاصدها، والمشقة تجلب التيسير، واليقين لا يزول بالشك، والعادة محكمة، وقاعدة لا ضرر ولا ضرار، وقد نضمها ابن سويدان الشافعي بقوله:
ضرر يزال وعادة قد حكمت … وكذا المشقة تجلب التيسيرا
والشك لا ترفع به متيقنًا … والنية أخلص إن أردت أجورا
وقوله: (اليقين لا يزول بالشك):
هذه القاعدة من أوسع القواعد الفقهية تطبيقًا، وأكثرها امتدادًا في أبواب الفقه، وقد ذكر السيوطي أنها تدخل في جميع أبواب الفقه.
واليقين في اللغة في المشهور: هو العلم وزوال الشك.
والمراد هنا: الأمر الثابت المعلوم من الشريعة.
وقد يأتي بمعنى الظن الراجح والغالب، وقد استعمل الظن بمعنى
[ ١٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اليقين في القرآن في عدد من الآيات، قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠].
قال النووي: «اعلم أنهم يطلقون العلم واليقين، ويريدون بهما الظن الظاهر لا حقيقة العلم واليقين، فإن اليقين هو الاعتقاد الجازم» (^١).
وقال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨].
وجه الدلالة: أنه فسر الظن هنا بالتوهم، وقد علمنا أن الوهم قد يطلق عليه الظن الفاسد.
فرع:
قال مجاهد: «كل ظن في القرآن فهو يقين».
إلا أن الزركشي: قال: هناك ضابطان للفرق بين اليقين والظن في القرآن:
أحدهما: حيث وجد الظن محمودًا مثابًا عليه فهو اليقين، وحيث وجد مذمومًا متوعدًا عليه بالعذاب فهو الشك.
الثاني: أن كل ظن يتصل به (أنْ) المخففة فهو شك، وكل ظن يتصل به (أنّ) المشددة فهو يقين؛ لأن المشددة للتأكيد خلافًا للمخففة.
والشك في اللغة يراد به: التداخل؛ وذلك لأن الشاك يتداخل عنده أمران، لا يستطيع الترجيح بينهما.
_________________
(١) المجموع ١/ ٢٤٠.
[ ١٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما في الاصطلاح: فهو تجويز أمرين فما زاد، ولا مزية لأحدها على سائرها، فيَرِد عنده احتمالان أو أكثر، ولا يتمكن من الترجيح بين تلك الاحتمالات.
وقول المؤلف: (اليقين لا يزول بالشك):
يعني بذلك أن الشريعة عولت في أحكامها على اليقين، وليس مراد المؤلف هنا عدم إعمال الظن الغالب؛ لأن الشريعة جاءت بإعمال الظن الغالب في عدد من المسائل، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فعول بالحكم على الظن، والمراد به الاحتمال الراجح.
* أدلة القاعدة:
١ قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨].
٢ حديث عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ شُكي إليه الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال ﷺ: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» (^١).
٣ وحديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: «إذا شك أحدكم في صلاته
_________________
(١) رواه البخاري ١٣٧، ومسلم ٣٦١.
[ ١٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلم يدرِ كم صلى أثلاثًا أم أربعًا؟ فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن» (^١).
٤ وأما الإجماع على القاعدة فحكاه غير واحد، كالقرافي في (الذخيرة) وفي (الفروق)، وابن دقيق العيد في (إحكام الأحكام).
فإذا شك الإنسان هل أحدث أو لم يحدث؟
فالأصل في ذلك بقاء الطهارة.
وإذا شك هل تطهر أو لم يتطهر؟
فالأصل بقاء الحدث.
وإذا شك هل طلع الفجر أو لم يطلع؟
فالأصل بقاء الليل، فلك أن تأكل ولا تصلي الفجر.
وإذا شك في غروب الشمس هل غربت أو لم تغرب؟
فالأصل بقاء النهار، فليس لك أن تأكل ولا أن تصلي المغرب.
وإذا شك هل وقع الطلاق أو لم يقع؟
فالأصل بقاء النكاح.