ومنها: «أن المشقة تجلب التيسير» وبنوا على هذا جميع رخص السفر، والتخفيف في العبادات والمعاملات وغيرها.
المشقة: الحرج، والضيق، والشدة.
* قوله: «التَّيْسِيرُ»: مأخوذ من اليسر، وهو السهولة والليونة.
وهذه إحدى القواعد الخمس الكلية وهي قاعدة المشقة تجلب التيسير.
والمراد بهذه القاعدة: أن من حكمة الله ﷿ ومن رحمته بعباده أنه إذا حصل لهم العسر فالشريعة تخفف وتيسر لهم، وهذه القاعدة يُعبّر عنها أيضًا بلفظ آخر: [إذا ضاق الأمر اتسع].
* أدلة القاعدة:
١ قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
٢ وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
٣ ومن السنة: ما رواه أحمد في مسنده مرفوعًا: «إنما بعثت بالحنيفية السمحة» (^١).
٤ وعن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» (^٢).
_________________
(١) رواه أحمد في مسنده ٦/ ١١٦، ولفظه: «إني أرسلت بحنيفية سمحة»، ورجاله ثقات حفاظ.
(٢) رواه البخاري ٦٩، ومسلم ١٧٣٤.
[ ١٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» (^١).
٦ وأما الإجماع: فحكاه غير واحد، كالشاطبي في «موافقاته».
والمشقة الواردة في الأوامر الشرعية لا تنافي نفي الحرج الوارد في الشريعة؛ لأمور منها:
* الأمر الأول: أن هذه المشقة التي في الفعل مقدورة للمكلَّف، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].
* الأمر الثاني: أن المصلحة في هذا الفعل أعظم من المشقة الواقعة فيه؛ ولذلك نجد الطبيب يصف للمريض الدواء مرًّا، لكن المصلحة المترتبة على الدواء أعظم، وهي الخاصية التي جعلها الله ﷿ في الدواء يُشفَى بها المريض، هذه المصلحة أعظم من المشقة الحاصلة في الدواء، وكذلك أحكام الشريعة، والشارع لا يقصد المشقة لذات المشقة، وإنما مقصوده المصلحة الواقعة في الفعل.
* أقسام المشقة:
قسّم العلماء ﵏ المشقة إلى قسمين:
* القسم الأول: مشقة معتادة: فهذه يُكلِّف بها الشارع، فالإنسان يمكنه
_________________
(١) رواه البخاري ٣٩.
[ ١٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أن يتحملها، فكون الإنسان يُصلي الصلوات الخمس هذه مشقة لكنها معتادة، وكونه يصوم شهر رمضان ويزكي هذا الجزء من ماله هذه مشقة لكنها معتادة.
* القسم الثاني: مشقة خارجة على العادة وهذه لا يُكلِّف بها الشارع.
مثال ذلك: إطالة السهر في القيام، وإطالة الصوم في النهار، وإخراج كل المال في الزكاة، أو نصف المال، أو ربعه، هذه لا يُكلِّف بها الشارع.
والمشقة يقسمها الفقهاء كما نص على ذلك ابن نُجيم الحنفي في (الأشباه والنظائر) إلى ثلاثة أقسام:
* القسم الأول: مشقة تخرج الفعل عن طاقة العبد وقدرته كإخراج المال كله في الزكاة.
* القسم الثاني: مشقة خفيفة لا تخرج الفعل عن طاقة العبد وقدرته كأدنى مرض.
* القسم الثالث: مشقة يتنازعها القسمان السابقان فقد تصل إلى رتبة القسم الأول، وقد تنزل إلى رتبة القسم الثاني.
وإنما جاءت الرخصة مع هذا النوع من المشاق لسببين اثنين كما قال الشاطبي في الموافقات:
السبب الأول: لحفظ جوارح العبد، ونفسه، وماله، وما إلى ذلك، حتى لا ينقطع عن العبادة، ويكره التعبد لله ﷿.
السبب الثاني: حتى لا يصيب العبد انقطاع عند تزاحم الأعمال التعبدية،
[ ١٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكسل وملل عن العبادة.
* مسألة: التيسير في الشريعة له أنواع:
النوع الأول: تيسير بالإسقاط: كإسقاط الصلاة عن الحائض والنفساء، وإسقاط الحج على من لا يجد مالًا.
النوع الثاني: تيسير بالنقص: كالقصر في السفر.
النوع الثالث: تيسير إبدال: كإبدال الوضوء عند مشقة وجود الماء بالتيمم.
النوع الرابع: تيسير تقديم: كجمع التقديم للمسافر.
النوع الخامس: تيسير تأخير: كجمع الصلاة تأخيرًا، وقضاء رمضان للمسافر ونحوه.
النوع السادس: تيسير باستعمال المحرم: وذلك في حال الضرورة.
* التخفيف في الشريعة ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: تخفيف أصلي، فكل أوامر الشريعة مبنية على التخفيف، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وعن أنس بن مالك قال: قال النبي: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا».
وعن أبي هريرة قال: قال النبي: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة
[ ١٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وشيء من الدلجة» (^١).
مثال ذلك: لا يجب على المسلم في اليوم والليلة إلا خمس صلوات؛ لا تأخذ شيئا كثيرا من وقته، ولا تجب الزكاة إلا على من ملك نصابا وقدر الزكاة في الأثمان مثلا، وعروض التجارة: اثنان ونصف في المائة، ولا يجب الصيام في العام إلا مرة واحدة، ويجب الحج والعمرة على المستطيع في العمر مرة واحدة.
القسم الثاني: تخفيف عارض، وذلك بأن يخفف عن المكلف مرة أخرى إذا ورد عليه سبب من أسباب التخفيف الآتية.
وهذا العارض يُعبِّر عنه العلماء ﵏ بقولهم: أسباب التخفيف.
والتخفيف في الشريعة له أسباب:
* السبب الأول والثاني: الخطأ والنسيان.
والخطأ يراد به معنيان:
الأول: ضد الصواب، واسم الفاعل من هذا المعنى: «خاطئ»، كما في قول إخوة يوسف: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩٧].
الثاني: عدم القصد للفعل، واسم الفاعل منه: «مخطِئ».
أما النسيان في اللغة: فهو الغفلة.
وأما في الاصطلاح: فهو الغفلة عن الشيء وعدم تذكره.
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ١٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: بأنه ذهول القلب عن معلوم.
والدليل على أن الخطأ والنسيان من أسباب التخفيف:
١ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال الله تعالى كما في صحيح مسلم: «قد فعلت» (^١).
٢ حديث ابن عباس ﵁: «إن الله تجاوز لي عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» (^٢)، وفيه ضعف.
أمثلة لذلك:
المثال الأول: لو أن الإنسان نسي، أو أخطأ فصلى وعليه نجاسة، فهذا النسيان من أسباب التخفيف، فصلاته صحيحة.
المثال الثاني: لو نسي أو أخطأ وأكل وهو صائم، فإن هذا من أسباب التخفيف، فصيامه صحيح.
المثال الثالث: لو نسي أو أخطأ وصلى وهو محدث، فإن هذا من أسباب التخفيف، فلا إثم عليه، لكن يجب عليه أن يعيد الصلاة.
* مسألة: النسيان أو الخطأ من أسباب التخفيف كما يلي:
* الأمر الأول: ما يتعلق بحقوق الله تعالى:
أ فمن حيث الحكم التكليفي: يسقط الإثم بالنسيان أو الخطأ؛ لقوله
_________________
(١) رواه مسلم ١٢٦.
(٢) رواه ابن ماجه ٢٠٤٣، وقال أبو حاتم: «لا يثبت»، وأنكره الإمام أحمد.
[ ١٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وأيضًا لحديث ابن عباس المتقدم.
ب لكن بالنسبة للحكم الوضعي في الخطأ والنسيان الضمان:
فإن كان من باب الأوامر: فإنه يضمن ولا يسقط، وإن كان من باب النواهي والتروك فإنه يسقط ولا يضمن.
مثال ذلك: لو صلى الإنسان محدثًا فإنه يضمن إعادة الصلاة؛ لأن الأوامر يمكن استدراكها.
وكذلك لو صلى وقد أخل بالطمأنينة فإنه يضمن، وفي قصة الأعرابي في حديث أبي هريرة ﵁: قال ﷺ: «ارجع فصل فإنك لم تصل» (^١) نلاحظ أن النبي ﷺ لم يعفه مع أنه جاهل، والجهل أخو النسيان.
ولقصة أبي بردة ﵁: «لما ذبح قبل الوقت أمره النبي ﷺ أن يعيد» (^٢).
ولأن عمر ﵁ «لما صلى بالناس وهو جنب أعاد» (^٣).
وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يصلون لكم فإن أصابوا فلكم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم» (^٤).
_________________
(١) رواه البخاري ٧٥٧، ومسلم ٣٩٧ من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه البخاري ٩٥٥، ومسلم ١٩٦١ من حديث البراء بن عازب ﵁.
(٣) رواه مالك في الموطأ ١/ ٤٩، وعبد الرزاق في مصنفه ٢/ ٣٤٨، والدارقطني في سننه ١/ ٣٦٤. وقال صاحب التعليق المغني: «رواته كلهم ثقات، واحتج به الإمام أحمد في مسائل ابنه صالح».
(٤) رواه البخاري ٦٩٤.
[ ١٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما إن كان من باب النواهي والتروك: فلا ضمان عليه ولا إثم.
مثال ذلك: رجل أكل وهو صائم، أو شرب ناسيًا، فلا شيء عليه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «إذا نسي أحدكم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» (^١).
كذلك لو جامع في الصيام وهو ناس فلا شيء عليه.
ولو تكلم في الصلاة وهو ناس فلا شيء عليه.
وكذلك في الحج لو صاد وهو ناس أنه محرم، أو ناسٍ أنه في الحرم فلا شيء عليه.
ولو جامع أهله ناسيًا أنه محرم لا شيء عليه.
وكذلك لو حلق رأسه ناسيًا فلا شيء عليه، ولا ضمان.
* الأمر الثاني: فيما يتعلق بحقوق المخلوقين:
أ فمن حيث الحكم تكليفي: لا إثم عليه، فلو أتلف مال شخص ناسيًا يظن أن هذا المال ماله فأكله، أو لبس ثوب غيره حتى أبلاه يظن أنه له، فلا إثم عليه؛ لما تقدم من الدليل على أنه يعذر بالنسيان.
ب لكن بالنسبة للحكم الوضعي في الخطأ والنسيان الضمان: فلا يسقط في حقوق المخلوقين.
_________________
(١) رواه البخاري ١٩٣٣، ومسلم ١١٥٥.
[ ١٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ودليل ذلك:
١ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]، فوجبت الدية ولم يُعذر بالخطأ، والنسيان أخو الخطأ في كتاب الله ﷿.
٢ ولأن حقوق المخلوقين مبنية على المشاحَّة، فَفرْق بين حق الله وحق المخلوق، ولما غضبت عائشة ﵂ وضربت يد الخادم فانكسرت القصعة، ضمنها النبي ﷺ، وقال ﷺ: «طعام بطعام، وإناء بإناء» (^١).
* السبب الثالث من أسباب التخفيف: الجهل.
الجهل لغة: نقيض العلم.
وأما في الاصطلاح: الجهل بالأحكام الشرعية، كلها أو بعضها.
والدليل على أن الجهل من أسباب التخفيف: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال تعالى: «قد فعلت» (^٢)، والخطأ إنما يكون عن جهل.
مسألة: أقسام الجهل:
اعلم أن الجهل الذي يكون سببا للتخفيف ينقسم إلى أقسام:
* القسم الأول: الجهل الذي يتعلق بأصول الدين كالعقائد والتوحيد،
_________________
(١) رواه الترمذي ١٣٥٩. وقال: «حديث حسن صحيح» وأصله في البخاري ٢٤٨١.
(٢) سبق تخريجه.
[ ١٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فهل يكون هذا سببا للتخفيف؟ للعلماء فيها أقوال، من أهمها:
القول الأول: الجهل لا يكون عذرًا في التوحيد والعقائد وأصول الدين، ولا سببًا للتخفيف.
القول الثاني: الجهل يكون عذرًا، إلا إذا كان مفرطا بأن قام عند الإنسان شبهة في كون هذا شرك أو مكفر أو مخرج من الملة، وأمكنه أن يتعلم.
* القسم الثاني: أن يكون حديث عهد بالإسلام، فإنه يكون سببًا للتخفيف، فإذا شرب خمرًا، أو أخرج الصلاة عن وقتها؛ فإن هذا يكون سببًا للتخفيف.
* القسم الثالث: أن يكون ناشئًا في بادية بعيدة عن بلاد الإسلام، فإن من نشأ بعيدًا عن أهل العلم، فإن بيئته تكون سببا للتخفيف.
* القسم الرابع: من كان ناشئًا في بلاد الكفار، فإن منشأه يكون سببًا للتخفيف.
* القسم الخامس: ما يدق ويغمض من مسائل الفقه، فإن العامي يعذر فيها، ذكره بعض العلماء ﵏.
* القسم السادس: إذا كان الإنسان مقيمًا في المدن، ولم تقم عنده شبهة بأن هذا محرم، فإنه يُعذر لعدم تفريطه، أما إن قامت عنده شبهة، وأَمْكَنه التعليم، بحيث يمكنه أن يسأل العلماء عن هذا الحكم ولم يفعل ولم يتعلم، فإنه لا يعذر لكونه مفرط.
[ ١٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما ما يتعلق بالإثم والضمان، فالجهل لا يخلو من أمرين:
* الأمر الأول: فيما يتعلق بحقوق الله ﷿:
أ فمن حيث الحكم التكليفي: لا يأثم؛ لأن حقوق الله مبنية على المسامحة.
فلو أن الإنسان صلى جاهلًا لغير القبلة، أو ترك المضمضة في الوضوء، فلا يأثم، ودليل ذلك:
١ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
٢ ولحديث ابن عباس ﵁: قال ﷺ: «إن الله تجاوز لي عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» وفيه ضعف (^١).
٣ حديث معاوية بن الحكم لما تكلم في الصلاة (^٢) لم يأمره النبي ﷺ بالإعادة؛ لأنه كان جاهلًا تحريم الكلام، يظن أنه على ما سبق في أول الإسلام وأنه مباح.
ب أما من حيث الحكم الوضعي:
فإن كان في باب الأوامر: فيضمن؛ لأنه يمكنه الاستدراك، قال النبي ﷺ للأعرابي كما في حديث أبي هريرة ﵁: «ارجع فصل فإنك لم تصل» (^٣) لما جهل وجوب الطمأنينة ولم يطمئن.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) رواه مسلم (٥٣٧).
(٣) سبق تخريجه.
[ ٢٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال ﷺ لأبي بردة ﵁: «شاتك شاة لحم» (^١) لما ذبح قبل الصلاة.
وكذلك لو صلى إلى غير القبلة جاهلًا فإنه يعيد الصلاة.
وعند شيخ الإسلام: لا يضمن ولا إعادة.
واستدل شيخ الإسلام: بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] ولأنه ﷺ لم يأمر الأعرابي بالإعادة لما أخل بالطمأنينة لما مضى.
أما إن كان من باب التروك والنواهي: فيعذر إثمًا وضمانًا.
فلو أن إنسانًا جهل النجاسة التي في ثوبه وصلى، أو جهل وجوب إزالة النجاسة؛ فصلاته صحيحة ولا إثم عليه، وكذا لو جهل تحريم الخمر فلا إثم عليه ولا عقوبة؛ لأنه من باب التروك.
* الأمر الثاني: ما يتعلق بحقوق المخلوق:
أ فمن حيث الحكم التكليفي: فإنه يعذر فيه فلا يأثم، فلو جهل وأتلف مال زيد من الناس فلا إثم عليه.
ب أما من حيث الحكم الوضعي: فإنه يضمن، وتقدم حديث عائشة لما ضربت يد الخادم فقال ﷺ: «طعام بطعام، وإناء بإناء» (^٢).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
[ ٢٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأيضًا فإن الله ﷿ أوجب الدية على من قتل خطأ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]، مما يدل على أنه لا يعذر في الخطأ والنسيان والجهل فيما يتعلق بحقوق المخلوق، فلابد من الضمان.
ولأن حقوق المخلوقين مبنية على المشاحَّة.
* السبب الرابع من أسباب التخفيف: المرض.
المرض في اللغة: هو السَّقَم، واعتلال الصحة.
وأما في الاصطلاح: فهو كل ما يكون معه حرج ومشقة حال فعل المأمور.
ولذلك أمثلة:
المثال الأول: إذا كان الإنسان يلحقه حرج ومشقة ظاهرة إذا لم يفطر وهو مريض، فهذا من أسباب التخفيف.
المثال الثاني: إذا كان المريض يلحقه مشقة ظاهرة إذا لم يجمع، أو لم يتيمم، فهذا من أسباب التخفيف، فله الجمع والتيمم، وكذا إذا لحقه حرج ومشقة إذا صلى قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا، فإنه يجلس ويؤمئ بالركوع والسجود.
والدليل على أن المرض من أسباب التخفيف:
١ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
[ ٢٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٢ - وحديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال له لما شكى له أن به بواسير: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» (^١).
* السبب الخامس من أسباب التخفيف السفر:
السفر في اللغة: قطع المسافة.
وأما في الاصطلاح: فهو الخروج من الوطن على قصد السفر عرفًا.
والدليل على أن السفر من أسباب التخفيف:
١ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
٢ فعل النبي ﷺ فإنه إذا سافر قصر وجمع، فدل على أنه من أسباب التخفيف.
مسألة: ذكر العلماء ﵏ شروطًا للسفر الذي يكون من أسباب التخفيف؛ إذْ ليس كل سفر يكون سببًا للتخفيف، وهذه الشروط على سبيل الإجمال:
الشرط الأول: المسافة، فهل يشترط للسفر مسافة معينة أو لا يُشترط؟
هذا موضع خلاف:
جمهور أهل العلم ﵏: أن مسافة القصر مسيرة يومين، تساوي ٤٨ ميلا، والميل يساوي كيلو وستين متر، تساوي ٧٧. ٧٢ كيلو مترا، وقيل:
_________________
(١) رواه البخاري (١١١٧).
[ ٢٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تساوي ٧٧. ٢٣٨ كيلو مترا وستة أسباع المتر.
وعند الحنفية: مسيرة ثلاثة أيام.
وعند داود الظاهري: يقصر في طويل السفر وقصيره.
والأقرب: ما ذهب إليه الجمهور ﵏؛ لما ثبت أن ابن عمر وابن عباس ﵄: «كانا يقصران ويفطران في أربعة برد» علقه البخاري بصيغة الجزم، وحكي الإجماع على هذه المسافة.
وقيل: مرجع السفر إلى العرف، فما عده الناس سفرا فهو سفر.
الشرط الثاني: أن لا يكون سفرًا محرمًا، فمتى كان سفرًا محرمًا فلا يجوز له أن يترخص فيه برخص السفر، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم.
واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣].
قالوا: الباغي: هو الذي يخرج على الإمام.
والعادي: هو قاطع الطريق، وهذا يكون في السفر.
الرأي الثاني: رأي أبي حنيفة، وشيخ الإسلام رحمهما الله: أن هذا ليس شرطًا؛ لعمومات الأدلة، وهذا هو الأقرب، فيترخص الإنسان في جنس السفر، حتى في السفر المحرم يجمع ويقصر ويمسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن.
[ ٢٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: في الآية: «إن الباغي: هو الذي يَبغي المحرم من الطعام مع قدرته على الحلال، والعادي: هو الذي يتجاوز قدر الحاجة».
الشرط الثالث: الخروج من البلد، فليس له أن يترخص داخل البلد، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ولم يقل الله ﷿: أو على نية السفر، ولم يرد أن النبي ﷺ ترخص حتى خرج من البلد.
الشرط الرابع: المدة، فهل للسفر الذي يُترخص فيه مدة محددة أو ليس له مدة محددة؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم ﵏:
القول الأول: رأي الحنابلة ﵏: أن مدة السفر الذي يترخص فيه أربعة أيام، فإذا أراد أن يقيم أكثر من أربعة أيام ووصل البلد فليس له أن يترخص.
القول الثاني: رأي المالكية والشافعية ﵏: إذا نوى إقامة ثلاثة أيام قصر، وأكثر يتم.
القول الثالث: رأي الحنفية ﵏: إذا نوى خمسة عشر يومًا فأكثر أتم، وأقل يقصر.
والصواب في ذلك: أنه ليس له حد، لكن إذا أطال الإنسان الإقامة وتشبه بالمقيمين بطول الإقامة فإنه لا يترخص، وقد ورد عن ابن عباس ﵄ في البخاري حده بتسعة عشر يومًا، وهي أعلى مدة قصر فيها النبي ﷺ فيصار إليها.
[ ٢٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* السبب السادس: الإكراه:
الإكراه: من الكَرْه بالفتح وهو المشقة، قاله الفرَّاء.
وقيل: من الكُرْه، قال ابن منظور في (اللسان): «أَجمع كثير من أَهل اللغة أَنْ الكَرْهَ والكُرْهَ لُغتانِ، فبأَيِّ لغة وقع فجائِزٌ، إلا الفراء فإنه زعم أَنْ الكُرْهَ ما أَكْرهْتَ نَفْسَك عليه، والكَرْه ما أَكْرَهَكَ غيرُكَ عليه».
والإكراه: هو حمل الغير على أمر لا يرضاه لو خُلِّي ونفسه.