(والخبائث أي المحرمات التي حرمها الله إذا اضطر إليها العبد: فلا إثم عليه، فالضرورات تبيح المحظورات الراتبة أي المستمرة والمحظورات العارضة الطارئة) أي: «لا محرم مع الضرورة».
قوله: (تبيح المحظورات الراتبة) أي: المستمرة: كالميتة والخمر والماء النجس ونحو ذلك.
قوله: (والمحظورات العارضة) أي: الطارئة: أي التي يكون تحريمها عارضًا بسبب.
مثل: محظورات الإحرام، كأن يحتاج لحلق الرأس لجرح مثلًا فله أن يحلق رأسه ويفدي.
والدليل على هذه القاعدة: قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩].
[ ٢١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال رسول الله ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (^١).
وهذه القاعدة تابعة للقاعدة السابقة: (المشقة تجلب التيسير).
فدل ذلك على أن المحرم تبيحه الضرورة، لكن يشترط لذلك شروط:
* الشرط الأول: أن تكون الضرورة واقعة، فإن كانت منتظرة فإن المحرم لا يباح.
مثال ذلك: إنسان وقع في مخمصة وأصابه الجوع جاز له الأكل من الميتة، أما إذا لم يصبه الجوع، وإنما يخشى الجوع فليس له أن يأكل من الميتة.
* الشرط الثاني: أن لا يكون هناك وسيلة أخرى غير المحرم، فإن كان هناك وسيلة مباحة فإنه لا يجوز؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣].
والباغي: هو الذي يبغي الحرام مع قدرته على الحلال.
والعادي: هو الذي يأخذ من الضرورة أكثر من حاجته.
* الشرط الثالث: أن يكون الأخذ من المحرم بقدره، وعبّر عنه بعض العلماء بقوله: «الضرورة تُقَدَّر بقَدْرِها»، فيأخذ من المحرّم بقدر ضرورته.
ودليل ذلك:
قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، والباغي:
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٢٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هو الذي يبغي الحرام مع قدرته على الحلال، والعادي: هو الذي يأخذ من الضرورة أكثر من حاجته.
مثال ذلك: نظر الطبيب للمريضة، أو عورة المريض للضرورة؛ لا يبيح النظر مطلقًا، بل بالقدر الذي تندفع به الضرورة.
ومثال ذلك أيضًا: في أكل الميتة، فإنه يأكل منها بقدر ما يمسك حياته، وليس له أن يشبع، لكن كما قال الإمام مالك: له أن يتزيد إن خاف مسغبة.
ومما يقارب هذه القاعدة قاعدة أخرى، وهي قولهم: «ما جاز لعذر بطل بزواله».
ومعناها: أن المحرم إذا أبيح للضرورة، فإنه لا يأخذ صفة الاستمرار بالإباحة، بل متى زالت الضرورة رجع الحكم إلى أصله وهو الحرمة.
ودليل هذه القاعدة:
١ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣].
٢ وعن عمرو بن العاص ﵁: عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه» (^١).
* الشرط الرابع: أن تندفع الضرورة بهذا المحرم، فإذا لم تندفع به فإنه لا يجوز، وإذا شككنا هل تندفع الضرورة بهذا المحرم أو لا؟
_________________
(١) رواه أبو داود ٤٣٩٠.
[ ٢٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فالأصل عدم الحل؛ لأن ارتكاب المحظور مفسدة متيقنة، واندفاع الضرورة مشكوك فيه، واليقين مُقدم على الشك.
* الشرط الخامس: أن يكون المحظور أنقص من الضرورة.
مثال ذلك: إذا أُجبر إنسان وهُدِّد على أن يقتل إنسانًا، فقيل له: اقتل هذا الرجل وإلا قتلناك، ففي هذه الحال لا يجوز أن يقتله؛ لأن هذا المحظور ليس أنقص بل مساوٍ.
مسألة: إذا حصل للإنسان عجز، فله حالتان:
* الحالة الأولى: أن يسقط عنه إلى بدل.
مثاله: عجز عن استعمال الماء، فيسقط عنه إلى التيمم.
ومثال ذلك أيضا: من كان عليه كفارة ظهار، فلم يستطع العتق، فيسقط عنه إلى صيام شهرين، فإن عجز أطعم ستين مسكينًا.
* الحالة الثانية: أن يسقط عنه إلى غير بدل.
مثاله: إذا لم يجد عنده الماء والصعيد، فإنه تسقط عنه الطهارة فيصلي الصلاة في وقتها.
مسألة: الفرق بين الضرورة والحاجة من وجوه:
الوجه الأول: أن الضرورة: ما يضطره الإنسان للمحافظة على نفسه، ومنافعه، وأطرافه.
وقيل: الضرورة حالة تطرأ يخاف معها فوت شيء من مصالح الدين
[ ٢٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو الدنيا، بحيث لا تندفع إلا بارتكاب محرم أو ترك واجب، وتقدم.
والحاجة: ما يلحق الحرج والمشقة بعدمها.
وقيل: الضرورة ما لحق المكلَّف ضرر بعدم فعله ولا يقوم غيره مقامه، بخلاف الحاجة فإن الحاجة هي ما يلحق المكلَّف ضرر بتركه، لكنه قد يقوم غيره مقامه.
مثال ذلك: أكل البصل والثوم مكروه، ويجوز له أن يأكل منه إذا احتاج إليه وإن لم يكن مضطرًا، حتى وإن كان هناك شيء آخر يستطيع أن يدفع به حاجته غير هذا الثوم أو البصل.
مثال آخر: سفر الإنسان وحده مكروه، لكن قد يحتاج إلى السفر وحده ولا يضطر فيباح.
وكذلك الالتفات في الصلاة مكروه، لكن الحاجة تبيحه، فإذا احتاج الإنسان أن يبصق فإنه يلتفت ويتفل عن يساره.
الوجه الثاني: أن الضرورة في الغالب تكون إباحة لمحظور ممنوع بنص شرعي، وتكون هذه الإباحة مؤقتة حيث تنتهي بزوال الاضطرار، وتتقيد بالشخص المضطر.
أما الإباحة الاستثنائية الثابتة بالحاجة فهي غالبًا لا تخالف نصًا صريحًا، لكن تخالف القواعد العامة في الشرع، والحكم في الغالب يكون بصورة ثابتة.
الوجه الثالث: أن الضرورة تبيح المحظورات، سواء أكان الاضطرار
[ ٢٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حاصلًا للفرد أم للجماعة، أما الحاجة فتبيح المكروه.
فرع:
يظهر والله أعلم: أن تقسيم المحرم إلى تحريم وسائل وتحريم مقاصد فيه نظر، وأنّ ما ورد الدليل على تحريمه فإنه لا يباح إلا لضرورة، إلا لدليل يدل على خلاف ذلك.