ومنها: «يختار أعلى المصلحتين، ويرتكب أخف المفسدتين عند التزاحم» وعلى هذا الأصل الكبير ينبني مسائل كثيرة، وعند التكافؤ فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح.
قوله: (ومنها: يختار أعلى …).
ذكر الشيخ هنا ما يتعلق بتزاحم المصالح، وتزاحم المفاسد.
فالمصالح: هي أوامر الشرع.
والمفاسد: هي نواهي الشرع.
وعبر عن الأوامر بالمصالح لأن الأوامر تنتج المصالح، وعبر عن النواهي بالمفاسد؛ لأن النواهي تنتج المفاسد.
* أدلة القاعدة:
١ الأمر بالأخذ بالأحسن كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥].
٢ وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥].
٣ قوله ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول لا إله إلا الله،
[ ٢٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (^١).
* المسألة الأولى: تزاحم المصالح لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يمكن الجمع بين هذه المصالح، والإتيان بها كلها، فيأتي بها كلها.
الأمر الثاني: أن لا يمكن الجمع بين هذه المصالح، فلا يمكن أن تفعل إلا إحدى المصلحتين، وهذا هو المراد هنا فأيهما يقدم؟
هذا تحته أقسام:
١ أن تتزاحم الواجبات: فإذا تزاحمت فإننا نقدم آكد الواجبين، ولذلك أمثلة:
المثال الأول: إنسان عنده ماء وحضر وقت الصلاة، وهذا الماء يحتاجه للشرب ويحتاجه للوضوء، فالوضوء واجب، وإبقاء النفس والمحافظة عليها واجب، فأيهما آكد؟ نقول: إبقاء النفس آكد، فيقدم الشرب على الوضوء.
المثال الثاني: إنسان عليه فائتة: صلاة الفجر، وعليه حاضرة وهي صلاة الظهر، فنسي أن يصليها حتى تضايق وقتها ولم يبقَ إلا عشر دقائق لفعل صلاة الظهر، فنقول: ابدأ بالحاضرة؛ لأن الحاضرة هنا آكد؛ إذْ لو فعلها كانت أداء في وقتها.
المثال الثالث: طاعة الله واجبة، وطاعة الأب واجبة، فلو تزاحمتا
_________________
(١) رواه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥).
[ ٢٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عندك، فتقدم طاعة الله ﷿ على طاعة الوالد؛ لأن طاعة الله آكد من طاعة الوالد.
المثال الرابع: إذا كان عند الإنسان دراهم، فإما أن يحج بهذه الدراهم في هذه السنة، وإما أن ينفقها على أهله، فتعارض واجبان، فنقول: يقدم النفقة؛ لأن النفقة آكد.
المثال الخامس: إذا كان عنده دراهم إما أن ينفقها على زوجته وأولاده، وإما أن ينفقها على أقاربه، فينفقها على زوجته؛ لأنها آكد.
المثال السادس: إذا كان عنده دراهم إما أن يحج بهذه الدراهم، وإما أن يقضي بها الدين، فصرف هذه الدراهم في قضاء الدين آكد.
٢ إذا تعارض واجب ومستحب: فالأمر في ذلك ظاهر، فإنه يُقدم الواجب على المستحب، ولذلك أمثلة:
المثال الأول: إنسان عنده دراهم إما أن يخرجها صدقة، وإما أن يخرجها زكاة، فيبدأ بالزكاة.
المثال الثاني: إنسان عنده دراهم، إما أن يتصدق بها، أو ينفقها على أهله ونفسه، فيبدأ بالنفس والأهل؛ لأن الواجب مقدم على المستحب.
المثال الثالث: لو تعارضت نوافل الصلاة مع الواجب، فيقدم الواجب.
٣ إذا تعارض عنده مستحبان، أو سنتان فيقدم أفضل السنتين، أو المستحبين، والتفضيل ذكر العلماء له أسبابًا، منها:
[ ٢٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* السبب الأول: التفضيل للآكدية.
مثاله: ما لو بقي ثلاث دقائق على طلوع الفجر، فإما أن يصلي ركعة الوتر، أو يصلي نافلة مطلقة، فيقدم الآكد وهو الوتر.
* السبب الثاني: كون إحدى السنتين أنفع للقلب وأصلح له.
مثاله: إنسان تعارض عنده إما أن يقرأ القرآن بلا صلاة أو يصلي، فإنه يفعل ما هو أصلح للقلب سواء كان ذلك قراءة القرآن أو الصلاة.
* السبب الثالث: كون إحدى السنتين نفعها متعد.
مثال ذلك: لو تعارض عنده في هذه الساعة إما أن يحضر الدرس، أو يقوم يصلي، فنقول: يحضر الدرس؛ لأن كونه يتعلم هذا نفع متعد.
وأيضًا: لو تعارض عنده إما أن يقوم يصلي ركعتين، أو يجلس يستمع إلى العلم، فالأفضل له أن يجلس ويستمع إلى العلم؛ لأن هذا نفعه متعد.
وأيضًا: لو تعارض عنده إما أن يدعو إلى الله ﷿، أويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في هذه اللحظة، أو يقوم يصلي ركعتين، فالأفضل أن يدعو ويأمر؛ لأن هذا نفعه متعد.
* السبب الرابع: كون السنّة مشروعة في هذا الحال، أو في هذا الزمان، أو هذا المكان، فإنها تقدم على غيرها.
مثال ذلك: بعد انتهاء الصلاة المكتوبة يشرع للإنسان الذكر من تهليل، وتسبيح، هذه هي السنّة، والقرآن أشرف الذكر، فإذا انتهت الصلاة إما أن
[ ٢٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يذكر الله ﷿، أو يقرأ القرآن، فالسنة أن يقدم الذكر هنا على قراءة القرآن.
* السبب الخامس: كون هذا التقديم يؤدي إلى العمل بالسنة كلها.
مثال ذلك: بعد الانتهاء من الصلاة إما أن يسبح المصلي ثلاثًا وثلاثين مرة، ويحمد الله ثلاثًا وثلاثين مرة، ويكبر الله ثلاثًا وثلاثين مرة، ويقول في تمام المائة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)، أو أن يسبح عشرًا ويحمد عشرًا ويكبر عشرًا، فتزاحم ذلك عنده، فنقول: يقدم العمل بالسنّة كلها، بأن يأتي بهذا تارة، ويأتي بهذا تارة ليعمل بالسنة كلها.
* السبب السادس: أن يكون أحد المستحبين يحصل به التأليف.
مثال ذلك: عيادة المريض، واتباع الجنازة، والصلاة على الميت، فهذه الأصل فيها أنها فرض كفاية: إذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وصارت في حق الباقين سنة.
فإذا تعارض عند الإنسان: إما أن يقوم يصلي، وإما أن يتبع جنازة أو يعود مريضا، فالأفضل أن يفعل ما يحصل فيه التأليف وزيادة المحبة والأخوة بين المسلمين.
* السبب السابع: دفع المفسدة.
مثال ذلك: الإسرار بالصدقة أفضل من الجهر بها، لكن إذا كان في جهره دفع مفسدة؛ حيث إن هذا الشخص مُتهم بأنه لا يتصدق وأراد أن يدفع المفسدة عن نفسه، فأظهر الصدقة فهذا أفضل.
[ ٢٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال ابن القيم: «إن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح بحسب الإمكان، وأن لا يفوت منها شيء فإن أمكن تحصيلها كلها حصلت، وإن تزاحمت ولم يكن تحصيل بعضها إلا بتفويت البعض قدم أكملها وأهمها وأشدها طلبًا للشارع».
القسم الثاني: تزاحم المفاسد: إذا تزاحمت المفاسد فإنه يرتكب الأدنى منها.
ومن أدلة هذه القاعدة في الشريعة:
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]
فتعارضت هنا مفسدتان:
المفسدة الأولى: مفسدة النفس.
والمفسدة الثانية: الأكل من الميتة، فتُجُنِّبَت المفسدة الأشد، ولو كان في ذلك ارتكاب المفسدة الأقل بأكل الميتة.
وهنا أقسام:
* القسم الأول: أن يتزاحم عنده محرمان فإنه يقدم أخف المحرمين، وله أمثلة:
المثال الأول: إنسان في مخمصة أي: في جوع إما أن يأكل من الميتة التي ماتت حتف أنفها، أو يأكل من شاة اشتبه عليه هل ذكر اسم الله
[ ٢٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليها أو لم يذكر؟
فيقدم المشتبه فيها على الميتة؛ لأن الميتة أشد تحريمًا.
المثال الثاني: لو تعارض عنده: إما أن يزني، وإما أن يحصل منه استمناء، فيقدم الاستمناء؛ لأنه أخف.
المثال الثالث: لو تعارض عنده: إما أن يطأ زوجته الحائض؛ لأن الإنسان قد يكون عنده شبق شدة شهوة ولا يزول هذا الشبق بمجرد الاستمناء، وإما أن يطأ زوجته الصائمة، فيقدم وطأ زوجته الصائمة، مع أن كلًّا منهما محرم.
* القسم الثاني: إذا تزاحم مكروهان فإنه يقدم أخفهما.
مثال ذلك: تعارض عنده إما أن يأكل من البصل، أو يأكل من الثوم، فإنه يقدم أقلهما كراهة وهو البصل؛ لأن البصل أقل رائحة.
* القسم الثالث: أن يتعارض عنده محرم، ومكروه فيقدم المكروه على المحرم.
مثال ذلك: لو كان عنده بصل، وعنده ميتة، وهو في مخمصة فإنه يبدأ بالبصل ويأكل منه.
[ ٢٥٢ ]