ومنها: «الأمور بمقاصدها» فيدخل في ذلك: العبادات والمعاملات
قوله: «الأمور» جمع أمر، وهو لفظ عام للأفعال والأقوال كلها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣]، ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]، وهو هنا بمعنى: الشيء، والشأن.
قوله: (بمقاصدها): المقاصد جمع مقْصَد، أو مقصِد وهو: مصدر ميمي للفعل قَصَد، والقصد يطلق في اللغة بمعنى الأمّ وإتيان الشيء، ويطلق بمعنى: التوسط بين الإفراط والتفريط، وبمعنى: استقامة الطريق، ومعان أخرى والمراد هنا المعنى الأول، فالقصد هنا بمعنى النية فكأن الناوي يؤّم بقلبه الشيء ويتوجه إليه للإتيان به.
وهذه هي قاعدة النية، والنية في اللغة: العزم والقصد، ونوى الشيء: (قصده واعتقده) (^١).
وفي الاصطلاح: عزم القلب على الفعل تقربًا لله ﷿.
وقد ذكر الشافعي أنها تدخل في سبعين بابًا من أبواب الفقه، وهذا من قبيل التمثيل وإلا فإنها تدخل في جُل مسائل الفقه، ما من باب من أبواب الفقه إلا وتدخله هذه القاعدة، فهي ليست خاصة بالفقه، بل في العقائد والعمليات، كما سيأتي إن شاء الله.
_________________
(١) انظر: «لسان العرب» ١٥/ ٣٤٧.
[ ٢٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النية لها معنيان:
المعنى الأول: انبعاث القلب نحو قول أو عمل يراه، موافقًا لغرض صالح له من جلب مصلحة أو دفع مضرة، وهذا المعنى عام للأمور الدينية والدنيوية.
المعنى الثاني: قصد الطاعات والتقرب إلى الله تعالى، بفعل المأمور به وترك المنهي عنه، وهذا المعنى أخص من الأول؛ لأنه لا يكون إلا في الأمور الشرعية.
وهذه القاعدة من أجمع قواعد الدين وأشملها وأعظمها منزلة، قال ابن القيم ﵀: (وأما النية فهي رأس الأمر وعموده وأساسه، وأصله الذي يبنى عليه) (^١).
ومعنى القاعدة إجمالًا: أن جميع أقوال المكلف وأفعاله تختلف نتائجها وثمارها وأحكامها الشرعية باختلاف قصد الإنسان وغايته من هذه الأقوال والأفعال.
والأدلة على هذه القاعدة كثيرة من القرآن والسُنّة:
١ قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤].
_________________
(١) انظر: «إعلام الموقعين عن رب العالمين» ٤/ ١٥٢.
[ ٢٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠].
٣ قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥].
٤ قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢].
٥ قوله ﷺ في حديث عمر: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (^١).
قال أبو عبيد: «ليس في أخبار النبي ﷺ شيء أجمع، وأغنى، وأكثر فائدة منه»، وقد جعله بعض الأئمة ثلث العلم، كالشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبي داود، وغيرهم.
٦ حديث أبي مسعود البدري قال ﷺ: «إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة» (^٢).
قال القرطبي: «أفاد منطوقه أن الأجر في الإنفاق إنما يحصل بقصد القربة، سواء أكانت واجبة، أم مباحة، وأفاد مفهومه أن من لم يقصد القربة لم يؤجر، لكن تبرأ ذمته من النفقة الواجبة».
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) رواه البخاري ٥٥، ومسلم ١٠٠٢.
[ ٢٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٧ - حديث عائشة ﵂، وفيه قوله ﷺ: «ثم يُبعثون على نياتهم» (^١).
٨ حديث عقبة بن عامر قال ﷺ: «إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة»، وذكر منهم: «وصانعه يحتسب في صنعته الأجر» (^٢).
٩ قول النبي ﷺ في حديث سعد: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها …» الحديث (^٣).
١٠ وفي حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ولكن جهاد ونية» (^٤).
١١ والإجماع قائم على اعتبار هذه القاعدة.
شروط النية:
اشترط العلماء للنية شروطًا:
* الشرط الأول: الإسلام، فالكافر لا تصح نيته، فلا تصح عباداته كالوضوء والصلاة، ونحو ذلك.
وهذا في الجملة؛ لأن الكافر تصح نيته في بعض الأمور، مثل: الكفارة
_________________
(١) رواه البخاري ٢١١٨ ومسلم ٢٨٨٤، وفيه: عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يُخسف بأولهم وآخرهم. قالت: قلت: يا رسول الله، كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم».
(٢) رواه أحمد ٤/ ١٤٦ وأبو داود ٢٥١٣، والترمذي ١٦٣٧، والنسائي ٣١٤٨، وابن ماجه ٣٨١١.
(٣) رواه البخاري ١٢٩٥، ومسلم ١٦٢٨.
(٤) رواه البخاري ٣١٨٩، ومسلم ١٣٥٣.
[ ٢٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المالية، كما لو ظاهر من زوجته، وكطلاقه، وبيعه، ونذره، ويمينه، فدل ذلك على أن النية معتبرة من الكافر، وأن النية تصح وإن كانت من غير المسلم.
* الشرط الثاني: العقل، فالمجنون لا تصح نيته، فلو نوى المجنون أنه يصلي لم تصح نيته؛ لأنه لا قصد له معتبر.
* الشرط الثالث: التمييز؛ والمميز: هو الذي يفهم الخطاب، ويرد الجواب.
فغير المميز لا تصح نيته، فلو نوى طفل له سنتان، أو ثلاث سنوات أن يتوضأ، أو نوى أن يصلي فلا تصح نيته.
واعلم أن الحج والعمرة يختلفان في بعض المسائل فيما يتعلق بالنية عن كثير من أبواب الفقه، فالحج والعمرة لا يشترط لهما التمييز، فيصح الحج والعمرة من الصبي الذي لم يميز.
ويدل لذلك: حديث ابن عباس ﵄ أن امرأة رفعت صبيًا للنبي ﷺ فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجر» (^١)، قال العلماء ﵏: ولو كان ابن ساعة، يعني لو ولد الآن فيصح حجه وعمرته وينوي عنه وليه.
* الشرط الرابع: العلم بالمنوي، بأن يعلم المكلف حكم الذي يُعمل من وجوب، أو ندب، عبادة أو غير عبادة، والعلم بصفته؛ إذْ لا يتصور قصد الشيء إلا بعد العلم به.
* الشرط الخامس: أن لا يأتي بمناف بين النية والمنوي، والمنافي
_________________
(١) رواه مسلم ١٣٣٦.
[ ٢٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قطعها، أو الردة، والعياذ بالله.
فوائد النية:
* الفائدة الأولى: تمييز العبادات بعضها عن بعض، فالإنسان يُصلي ركعتين، قد يقصد بهما الفرض، وقد يقصد بهما السنة الراتبة، أو تحية المسجد، كذلك قد يصلي ركعتين وينوي بهما نفلًا مطلقًا، أو سنة مقيدة، فيميز الإنسان الفروض عن النوافل، والنوافل المعيَّنة عن المطلقة.
* الفائدة الثانية: تمييز العبادات عن العادات، فالإنسان ينغمس في الماء، قد ينوي بذلك أن ينظف بدنه وقد ينوي رفع الحدث الأكبر عنه.
* الفائدة الثالثة: الإخلاص لله ﷿، وسيأتي إن شاء الله الإشارة فيما يتعلق بالتشريك في النية، فقد يتصدق الإنسان وينوي بذلك وجه الله ﷿، وقد ينوي بذلك الرياء والسمعة وعرض الدنيا.
* الفائدة الرابعة: فيما يتعلق بتداخل العبادات، فالضابط في ذلك: أنه إذا كانت العبادة ليست مقصودة لذاتها فإنها تدخل مع غيرها.
مثال ذلك: تحية المسجد ليست مقصودة لذاتها فإنها تدخل مع غيرها كالسنة الراتبة، فإذا دخلت المسجد لصلاة الظهر فإنك تصلي ركعتين، تنوي بهما السنة الراتبة وتحية المسجد.
فإذا نويت تحية المسجد والسنة الراتبة حصل لك صلاتان بركعتين، وإذا توضأت وأتيت المسجد تنوي السنة الراتبة، وتحية المسجد، وركعتي
[ ٢٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوضوء، فيحصل لك ثلاث صلوات بركعتين، فهذه من فوائد النية، وكذلك إذا توضأ الإنسان للضحى وصلى ركعتين ينوي بهما ركعتي الوضوء وركعتي الضحى يحصل له صلاتان بركعتين.
ولو أن الإنسان عطس وهو يرفع من الركوع فقال بعد قوله سمع الله لمن حمده: ربنا ولك الحمد، ينوي بذلك التحميد، وأيضًا قول الحمد لله بعد العطاس فإنه يجزئ.
كذلك لو أن الإنسان لم يطف طواف الإفاضة، ثم أخره حتى خرج من مكة فإنه يطوف، وينوي بذلك طواف الإفاضة وطواف الوداع، ويجزئه ذلك.
* الفائدة الخامسة: حصول الثواب، فالنية شرط الإثابة، ويتوقف حصول الثواب على قصد التقرب إلى الله تعالى بهذا الفعل أو القول، فالمباح كالأكل والشرب ونحو ذلك إذا صحبه نية صالحة كالاستجابة لأمر الله وأمر رسوله ﷺ، والاستعانة على طاعة الله تعالى بهذا المباح يكون عملًا صالحًا يثاب عليه المسلم.
* الفائدة السادسة: في ألفاظ المكلف، وتمييز المراد منها كما في الكنايات التي تحتمل معنيين.
محل النية:
محل النية القلب، قال النووي: «بلا خلاف»، وقال ابن تيمية وغيره: ولا يتلفظ بها أي بالنية.
[ ٢٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والتلفظ بالنية في رواية في مذهب الإمام أحمد وغيره: أنها مستحبة، واحتجوا بالأثر: «لبيك عمرة وحجًا» (^١) وكذلك بالنظر قالوا: اجتماع جارحتين في عمل آكد وأولى، وعلى هذا فليست النية من أعمال الجوارح، وإنما هي من أعمال القلوب، فيكفي في ذلك قصد القلب وعزيمته، وأما التلفظ بها فهذا لم يكن عليه النبي ﷺ ولا صحابته؛ إذْ لم يرد عن النبي ﷺ أنه إذا أراد الصلاة أو الوضوء قال: نويت أن أصلي، أو أتوضأ أو أغتسل.
وأما بالنسبة للحج والعمرة فهو تصريح بالمنوي وليس بالنية، ولهذا لا يشرع للإنسان إذا أراد أن يحرم بالحج أو العمرة أن يقول: نويت العمرة، أو نويت الحج، وإنما يلبي بالمنوي إظهارًا لشعيرة الله ﷿، فإذا أراد الحج قال: «لبيك حجًا»، وإذا أراد العمرة قال: «لبيك عمرة»، ولا يشرع أن يقول: نويت العمرة متمتعًا بها إلى الحج، أو قصدت الحج.
فالإيراد الذي يأتي في الحج نقول: بأنه إظهار للمنوي وليس إظهارًا للنية، فالتلبية شعيرة النسك وهي تحدث بعد نية العمل، وقد صح عن ابن عمر ﵄ أنه أنكر على رجل قال: «اللهم إني أريد حجًا أو عمرة» (^٢)، قال ابن رجب: في شرح الأربعين: «هذا خبر صحيح عنه».
مسألة: هل النية شرط أو ركن في العبادات؟
هذا مما وقع الخلاف فيه، والفرق بين الشرط والركن: أن الشرط
_________________
(١) رواه البخاري ٤٣٥٣، ومسلم ١٢٣٢.
(٢) رواه البيهقي ٥/ ٤٠.
[ ٢٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكون سابقًا للمشروط، بينما الركن جزء من أجزائه.
وإذا تقرر لنا أن النية تسبق الفعل فإنها حينئذ تكون شرطًا، وأما النية المقارنة للفعل، فإنها ركن في العبادة، وهذا يجرنا إلى مبحث وهو:
ما هو وقت النية؟
الأصل في النية أن تكون مقارنة للفعل المنوي، أو قبله بيسير، هذا هو الأصل، إلا أن الشارع في بعض الأعمال صحح سبق النية للفعل، مثل: الصيام، فمن نوى الصيام من الليل صح صومه، ولو لم تكن نيته مقارنة لأول الصوم.
مسألة: ما لا تشترط له النية:
هناك أشياء لا تشترط لها النية منها:
* أولًا: التروك، كإزالة الخبث، فلا تشترط له نية، فلو أن الإنسان أصاب ثوبه بول، ثم وقع ثوبه في ماء، أو نزل عليه المطر ولم ينوِ إزالة الخبث من هذا الثوب فإنه يطهر؛ لأن المقصود إزالة الأذى وقد حصل، وسواء كان هذا الخبث على الثوب، أو البدن، أو البقعة التي يُصلى عليها.
* ثانيًا: العبادة التي لا تكون عادة، قال العلماء ﵏:
لا تشترط لها النية مثل الخوف من الله ﷿، والتوكل عليه، وكذلك قراءة القرآن، وغيرها من العبادات التي لا تكون عادات؛ لكونها لا تلتبس بغيرها.
[ ٢٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* ثالثًا: ما كان نفعه متعديًا، مثال ذلك: قوله ﷺ: «ما من أحد يزرع زرعًا، أو يغرس غرسًا، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو حيوان إلا كُتب له بذلك أجر» (^١) فهذا الرجل زرع زرعًا ولم يقصد بذلك إطعام الطير، بل أحيانًا يضع في زرعه ما يدفع الطير ويمنعه من أكل الزرع، ومع ذلك إذا أكل الطير من هذا الزرع فإنه يكتب له الأجر عند الله ﷿.
* رابعًا: ما يغلب فيه حق المخلوق، كرد الودائع والمغصوب والنفقات الواجبة.
مسألة: مبطلات النية:
١ الردة: ودليل ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].
٢ قطع حكم النية أو العزم على القطع: فإذا قطع حكم النية فإنها تبطل عبادته.
مثال ذلك: إذا كان يصلي ثم قطع نيته أو عزم على قطعها، أو يتوضأ ثم قطع نيته أو عزم على قطعها، فإن عبادته ونيته تبطل.
٣ التردد في القطع: يعني إذا تردد هل يبطل غسله أو صلاته أو لا؟ هل تبطل بذلك النية؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم.
والصواب: أنها لا تبطل عبادته؛ لأن أصل النية لا يزال باقيًا، ويدل لذلك: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «صليت مع النبي ﷺ ليلة، فلم
_________________
(١) رواه البخاري ٢٣٢٠، ومسلم ١٣٥٣.
[ ٢٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يزل قائما حتى هممت بأمر سوء، قلنا: وما هممت؟ قال: هممت أن أقعد وأذر النبي ﷺ» (^١).
فابن مسعود ﵁ لما أطال النبي ﷺ القيام قال: «هممت أن أجلس وأترك النبي ﷺ يصلي» فهو عزم على ذلك، ومع ذلك لم تبطل عبادته.
٤ العزم على فعل المحظور: فهذا لا يُبطل النية، فلو قام الإنسان يصلي ثم عزم على الأكل، أو الشرب، أو الكلام، أو غير ذلك من المبطلات فإن نيته لا تبطل.
مسألة: الانتقال بالنية من عبادة إلى عبادة له أربع صور:
* الصورة الأولى: أن ينتقل من عبادة معينة إلى عبادة معينة، فتبطل الأولى ولا تنعقد الثانية.
والمعين: هو المقيد بزمان أو مكان أو حال، أو كان واجبًا، وما عداه المطلق.
ولذلك أمثلة، منها:
المثال الأول: إنسان شرع يصلي الظهر، ثم تذكر أنه صلى الفجر وهو محدث، فنوى أن هذه الصلاة هي صلاة الفجر، فنقول: بطلت الأولى وهي صلاة الظهر؛ لأنه قطع نيتها، ولم تنعقد الثانية وهي صلاة الفجر؛ لأن النية كما سبق لنا أن محلها مع الشروع في العبادة أو قبل الشروع بزمن يسير عند بعض العلماء، وقيل: ولو قبل الشروع بزمن كثير.
_________________
(١) رواه البخاري ١١٣٥، ومسلم ٧٧٣.
[ ٢٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المثال الثاني: إنسان يصلي الظهر ثم تذكر أنه لم يصلِّ راتبة الظهر القبلية، فنوى أنها راتبة الظهر القبلية، فالحكم هنا: بطلت صلاة الظهر؛ لأنه قطع نيتها، ولم تنعقد السُنة القبلية؛ لأنه لم ينوها قبل الدخول في الصلاة.
* الصورة الثانية: أن ينتقل بنيته من معين إلى مطلق فهذا لا بأس به.
مثال ذلك: إنسان يصلي الظهر، ثم نوى أنها نفل مطلق ليس معينا، فإذا انتقل من المعين إلى المطلق فلا بأس به؛ لأن الصلاة اشتملت على نيتين نية الإطلاق ونية التعيين، فالآن هو أبطل نية التعيين فبقيت نية الإطلاق.
* الصورة الثالثة: أن ينتقل بنيته من مطلق إلى معين فلا يصح.
مثال ذلك: إنسان صلى نافلة مطلقة ثم انتقل من هذه النافلة المطلقة إلى نافلة معينة؛ كأن ينوي بهذه النافلة المطلقة سنة راتبة، أو فريضة، فلا يصح هذا الانتقال.
* الصورة الرابعة: الانتقال من مطلق إلى مطلق، فهذا لا أثر له؛ لأنه لا يترتب عليه شيء.
مثال ذلك: إنسان نوى أن يصلي أربع ركعات نفلا مطلقًا ركعتين ركعتين، فشرع في الركعتين الأوليين، ثم نوى أن هاتين الركعتين الأوليين هما الركعتان الأخيرتان، فهذا لا يترتب عليه شيء.
مسألة: التشريك في النية، وإرادة العابد بعبادته حظًا من حظوظ الدنيا، على أقسام:
[ ٢٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القسم الأول: أن لا يريد بإسلامه إلا الدنيا، فهذا شرك ونفاق.
القسم الثاني: أن لا يريد بالعبادة إلا الدنيا وحدها، كمن يحج ليأخذ المال، وكمن يغزو من أجل الغنيمة وحدها، وكمن يطلب العلم الشرعي من أجل الوظيفة، ولا يريد بذلك كله وجه الله البتة، فلم يخطر بباله احتساب الأجر عند الله تعالى، فهذا القسم محرم وكبيرة من كبائر الذنوب، وهو من الشرك الأصغر، ويبطل العمل الذي يصاحبه، ويدل لذلك: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥].
وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع» (^١).
القسم الثالث: أن يريد بالعبادة وجه الله والدنيا معًا، كمن يخرج لوجه الله والتجارة، وكمن يقاتل ابتغاء وجه الله والدنيا، وكمن يصوم لوجه الله والعلاج.
فمن العلماء من قال: ببطلان العمل لمنافاته الإخلاص.
ومنهم من قال: بصحته؛ لما يأتي في القسم الخامس.
_________________
(١) رواه البخاري ٢٨٨٧.
[ ٢٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومنهم من قال: إن غلّب قصد العبادة صحت، وإن غلّب قصد الدنيا بطلت.
وعلى كل فأجره ناقص، ويدل لذلك: حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله قال: «ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة، إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم» (^١).
القسم الرابع: أن يبتدئ العبادة مريدًا للدنيا، ثم تطرأ إرادة الثواب، فإن كانت العبادة مرتبطًا آخرها بأولها كالصلاة لم يصح، وإن لم يكن؛ صح ما قصد به وجه الله ﷿.
القسم الخامس: أن يكون الدافع إرادة الثواب، وتكون إرادة الدنيا تابعة، فهذا مباح؛ بدليل أن الشارع رتب على العبادات، أو على بعضها ثوابًا معجلا، قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠: ١٢].
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد، والذهب، والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة» (^٢).
القسم السادس: أن يعمل العبادة بإخلاص تام، ثم يريد بها
_________________
(١) رواه مسلم ١٩٠٦.
(٢) رواه الترمذي ٨١٠.
[ ٢٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو بشيء منها، كحال الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار، فسألوا الله ﷿ بخالص أعمالهم أن يفرج ما هم فيه، فالحديث يدل على جوازه.
مسألة: القواعد المندرجة تحت عموم هذه القاعدة:
١ قاعدة: «العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني».
فالقصد والنية إذا عارضت اللفظ كانت هي المعتبرة لا اللفظ، فعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت عمر يقول: قاتل الله فلانا، ألم يعلم أن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها، فباعوها» (^١)، ولو كان التحريم معلقًا بمجرد اللفظ الظاهر دون مراعاة المقصود للشيء المحرم ومعناه وكيفيته لم يستحقوا اللعن.
٢ قاعدة: «الثواب لا يكون إلا بالنية».
لقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤].
٣ قاعدة: «المقاصد معتبرة في التصرفات والعادات».
التصرفات: كل ما صدر عن الشخص بإرادته من قول أو فعل يرتب عليه الشرع أثرًا من الآثار، سواء كان في صالح ذلك الشخص أو لا.
فمن أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد
_________________
(١) رواه البخاري ٢٢٢٣، ومسلم ١٦٨٢.
[ ٢٤٠ ]
وتحريم الحيل المحرمة مأخوذ من هذا الأصل.
إتلافها أتلفه الله، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله» (^١).
٤ قاعدة: «من كان عازمًا على الفعل عزمًا جازمًا، وفعل ما يقدر عليه منه، كان بمنزلة الفاعل».
٥ قاعدة: «من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه».
٦ قاعدة: «اللفظ الصريح لا يحتاج إلى نية».
٧ قاعدة: «الكناية مفتقرة إلى نية».
قوله: (وتحريم الحيل المحرمة مأخوذ من هذا الأصل).
أي: أن تحريم الحيل المحرمة داخل تحت هذه القاعدة؛ لأن الحيلة ظاهرها الجواز، ولكنها حرمت نظرًا لقصد فاعلها.
والحيل: جمع حيلة، والحيلة في اللغة: الحذق في تدبير الأمور، وهو تقليب الفكر حتى يهتدي إلى المقصود، والحيلة والاحتيال: الحذق، وجودة النظر، والقدرة على دقة التصرف.
وأما في الاصطلاح: فهو عمل يتحول به فاعله من حال إلى حال.
والأدلة على الحيل كثيرة جدًا من ذلك: قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٨].
_________________
(١) رواه البخاري ٢٣٨٧.
[ ٢٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومن الأدلة ما ثبت في الصحيحين من حديث جابر ﵁ قال ﷺ: «قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه» (^١).
فاليهود احتالوا على تحريم الشحوم، لم يأكلوها مباشرة وإنما أكلوا أثمانها.
وأيضًا «لعن رسول الله ﷺ المُحِلَّ والمحلَّل له» (^٢).
واعلم أن الحيل تنقسم إلى قسمين:
* القسم الأول: حيل شرعية.
* القسم الثاني: حيل غير شرعية محرمة.
الحيل الشرعية: هي التي يأتي بها الإنسان للتخلص من المأثم، أو التوصل إلى الحق، أو دفع باطل بطريق مشروع، وذلك مثل الأسباب التي نصَبَها الشارع مُفْضِية إلى مسبباتها، كالبيع سبب لتملك الرقبة، والإجارة سبب لتملك المنفعة، وكذلك المعاريض في الكلام عند المصلحة، أو عند دفع الظلم عنه؛ كأن يكون عنده وديعة لشخص فيأتي ظالم يريد أن يأخذ هذه الوديعة فيعرض له يقول: ما له عندي شيء ويقصد في جيبه مع أن الوديعة في البيت، أو ماله عندي شيء في بيتي مع أنها في مكان آخر، ومن ذلك أن
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٢٢٣٦) ومسلم رقم (١٥٨١).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٤٤٨) والنسائي (٦/ ١٤٩) والترمذي رقم (١١٢٠)، والدارمي (٢/ ١٥٨) وابن أبي شيبة (٣/ ٥٥٣) والبيهقي (٧/ ٢٠٨) وصححه الترمذي وابن حزم وابن دقيق العيد وابن القطان وابن الملقن وغيرهم.
[ ٢٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النبي ﷺ أتي بتمر جنيب (جديد) فقال النبي ﷺ: «أكلُّ تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا يعني (التمر الجنيب) بالصاعين يعني من التمر الرديء (الجَمْع) فقال النبي ﷺ: «فلا تفعل بع الجَمْعَ (التمر الرديء) بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا» (^١) أي: تمرًا جديدًا؛ فهذا من باب الحيلة لا للوقوع في الحرام، وإنما لتوقي الحرام فبيّن النبي ﷺ الطريق الذي يستطيع به أن يتخلص من الوقوع في الحرام فبدلًا من أن يقع في ربا الفضل، مثل أن يأخذ الصاع بصاعين أرشده إلى أن يبيع الجمع (التمر الرديء) بالدراهم ويشتري بالدراهم جنيبًا.
والحيل المحرمة: وهي الحيل التي يتوصل بها إلى إبطال حق؛ أو إحقاق باطل، والأمثلة على ذلك كثيرة منها:
في باب العبادات:
صلاة الجماعة واجبة فلو أكل شخص بصلًا، أو ثومًا لكي يتحيل على ذلك بترك الجماعة لم يجز.
ومنها: الفطر في رمضان محرم، فيتحيل على ذلك بالسفر لكي يفطر، فإن هذه الحيلة محرمة.
ومن الأمثلة في المعاملات:
بيع العينة محرم؛ لأنه حيلة على ربا الفضل وربا النسيئة، بدلًا من أن يقرضه خمسين بستين إلى أجل، يسلك مسلك العينة فيشتري منه سلعة
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٢٢٠١) ومسلم رقم (١٥٩٣).
[ ٢٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وانصراف ألفاظ الكنايات والمحتملات إلى الصرائح من هذا الأصل، وصورها كثيرة جدًا.
بثمن مؤجل بستين ألفًا ثم يبيعها عليه بخمسين ألفًا، فأصبحت خمسين بستين.
ومن ذلك في باب الأنكحة:
نكاح التحليل فالنبي ﷺ: «لعن المحلِّل والمحلَّل له» (^١) فيتزوج المرأة لا لقصد الزواج وإنما لقصد أن يحلها لمن طلقها ثلاثًا، فإذا كان ذلك عن مؤامرة واتفاق، أو لم يكن هناك اتفاق وإنما نوى التحليل للزوج ولم يقصد الاستمرار فهذا كله محرم ولا يجوز.
قوله: (وانصراف ألفاظ الكنايات والمحتملات إلى الصرائح مأخوذ من هذا الأصل).
الكنايات: جمع كناية وهي: اللفظ الذي استتر المعنى المراد به، فلا يفهم إلا بقرينة، مثل: كنايات الطلاق، وهي: الألفاظ التي لا تدل بلفظها على الطلاق، مثل: اذهبي لأهلك، اخرجي من المنزل، اعتزلي، ونحو ذلك.
والصرائح: جمع صريحة، واللفظ الصريح هو: اللفظ الذي ظهر معناه ظهورًا تامًا لكثرة استعماله.
فاللفظ الصريح لا يحتاج إلى نية، فلو قال لزوجته: أنت طالق حصل الطلاق بمجرد التلفظ به.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤٢٨٤)، وأبو داود (٢٠٧٦)، وابن ماجه (١٩٣٤).
[ ٢٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما الكناية كأن يقول لزوجته: اذهبي لأهلك، فإنه يختلف الحكم باختلاف قصد المتكلم ونيته، فإن نوى إيقاع الطلاق وقع، وإن قال: قصدت مجرد الزيارة ولم أقصد الطلاق فإنه يصدق بدعواه؛ لأن غير الصريح لا يعطى حكمه إلا بالقصد، فلا ينفصل الفعل عن النية.
وكذا لو قال لزوجته: أنت مثل أمي، فهذا اللفظ محتمل للظهار وغيره، فيرجع إلى النية في تحديد المراد، فإن نوى أنها مثل أمه في الكرامة فلا شيء عليه، وإن نوى أنها مثل أمه في حرمة وطئها والاستمتاع بها فهو مظاهر.
وكذا لو قال: تصدقت، وحرّمت، وأبدت، فإنها لا تفيد انعقاد الوقف إلا بالنية التي تحدد المراد؛ لأن هذه الألفاظ محتملة للوقف وغيره، والله تعالى أعلم.
[ ٢٤٥ ]