عمل أهل المدينة ليس المقصود به عملهم في جميع الأعصار، بل في عصر الصحابة والتابعين.
الإمام مالك ﵀ يرى أن إجماع أهل المدينة حجة بشرطين:
الأول: أن يكون فيما لا مجال للرأي فيه.
الثاني: أن يكون الاتفاق من الصحابة أو التابعين؛ لما عرف عن الإمام مالك أنه كان يروي الخبر ثم يترك العمل به ويقول: «وليس على هذا العمل عندنا» يعني في المدينة كما فعل في خيار المجلس.
ويشكل على هذا النقل أن الإمام مالكًا ﵀ ذكر في الموطأ في باب
[ ١٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العيب في الرقيق إجماع أهل المدينة على أن البيع بشرط البراءة لا يجوز ولا يبرأ من العيب لو اشترطه ثم خالفهم، ولعل هذا هو ما جعل بعض علماء المالكية ينكرون احتجاج مالك بإجماع أهل المدينة إلا فيما سبيله النقل.
وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حرر القول فيما يتعلق بإجماع أهل المدينة وذكر أنه ينقسم إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: ما يجري مجرى النقل عن النبي ﷺ، وذلك مثل نقلهم مقدار الصاع والمد فهذا حجة، وقال أبو العباس القرطبي: إنه لا ينبغي الخلاف فيه.
القسم الثاني: العمل القديم في المدينة قبل مقتل عثمان ﵁، فهذا حجة عند جمهور العلماء ﵏.
القسم الثالث: إذا تعارض في المسألة دليلان كحديثين تعارضا أو قياسين تعارضا ولم يترجح أحدهما فهل يرجح بإجماع أهل المدينة؟
هذا موضع خلاف:
القول الأول: الترجيح بإجماع أهل المدينة وهذا عند أكثر العلماء كمالك والشافعي وأحمد ﵏.
القول الثاني: عدم الترجيح بإجماع أهل المدينة وهذا عند أبي حنيفة ﵀.
القسم الرابع: العمل المتأخر بالمدينة، والجمهور على أنه ليس
[ ١٥٩ ]
ولابد أن يكون الإجماع مستندًا إلى دلالة الكتاب والسنة.
بحجة؛ لأن أدلة الإجماع ما خصت أهل المدينة بل عمت الأمة.
وقيل حجة: لأن المدينة قد ضمت صحابة رسول الله ﷺ وأبناءهم وأبناء أبنائهم.
قوله: (ولا بد أن يكون …).
معنى ذلك أن الإجماع ليس دليلًا مستقلًا تثبت به الأحكام الشرعية، وإنما تابع للكتاب والسنة، إذ لا يوجد مسألة مجمعٌ عليها إلا وفيها نص، إذ لا يمكن أن يكون إجماع هذه الأمة عن هوى أو قولًا على الله بغير علم أو دون دليل؛ وذلك لأن الأمة معصومة عن الخطأ، والقول على الله بدون دليل خطأ، لكن يخفى مستند الإجماع على بعض العلماء فيستدل بالاجتهاد والقياس، وبعضهم يعلم النص فيستدل به.
[ ١٦٠ ]