الطرف الأول: أنكروا القياس أصلًا وهم الظاهرية.
الطرف الثاني: أسرفوا في استعماله حتى ردوا به النصوص الصريحة.
الطرف الثالث: أثبتوا القياس بضوابطه الشرعية وهو ما عليه السلف.
واستدل الجمهور على أن القياس دليل شرعي بعدد من الأدلة منها:
الأول: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] فقالوا: إن الله ﷿ أمر بالاعتبار والنظر والتفكر، وفي هذا إثبات للقياس، فالاعتبار: هو تمثيل الشيء بغيره.
الثاني: قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] فالله ﷾ أقام مثل الشيء مقام الشيء، ولهذا الصحابة ﵃ حكموا بأن النعامة إذا قتلها المحرم فيها بدنة.
الثالث: ما ورد في حديث أبي ذر ﵁ وفيه قول النبي ﷺ: «وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» (^١).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٠٠٦).
[ ١٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرابع: إجماع الصحابة على إثبات القياس، كما في قولهم في خلافة أبي بكر ﵁: (رضيه الله لديننا أفلا نرضاه لدنيانا) وقول علي ﵁: (اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد ألا يُبعن كالحرائر، أما الآن فقد رأيت بيعهن كالإماء) (^١).
وأما الظاهرية الذين قالوا: بعدم إثبات القياس فإنهم استدلوا على ذلك بأدلة منها:
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقالوا: إن الشريعة جاءت بالتفريق بين المتماثلات، وذلك أن الثوب يغسل من بول الجارية، ولا يغسل من بول الصبي، وقالوا أيضًا إن السارق تقطع يده، والغاصب لا يقطع، واستدلالهم بهذا فيه نظر.
والصواب في ذلك: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم ﵏.
وأما الجواب عن أدلة الظاهرية فمن وجوه:
الأول: لا شك أن القرآن تبيان لكل شيء، والله ﷿ ما فرط في الكتاب من شيء، ومن ذلك أنه جاء بالقياس.
الثاني: قول الظاهرية بأن الشريعة تفرق بين المتماثلات، فهذا غير
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ١٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صحيح؛ لأن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات، واستدلالهم بالتفريق بين بول الصبي وبول الجارية غير صحيح؛ لأن الفرق موجود بينهما، وكذلك الفرق موجود بين الغاصب والسارق، فالسارق أخذ المال على وجه الاختفاء، بخلاف الغاصب.