وشروط التخصيص بالاستثناء:
الشرط الأول: أن يبقى شيء بعد الاستثناء، وهذه المسألة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أ أن يبقى بعد الاستثناء الأكثر أو النصف.
حكمه: استثناء صحيح.
مثل: لو قال قائل: رقيقي أحرار إلا زيد.
ومن ذلك أيضًا: لو قال قائل: زوجاتي الأربع طوالق إلا فاطمة وزينب.
ب أن يستثني الكل.
حكمه: أنه استثناء غير صحيح.
مثال ذلك: لو قال قائل: رقيقي الثلاثة أحرار إلا ثلاثة منهم، أو قال: زوجاتي طوالق إلا أربعًا.
وقد حكى الآمدي والزركشي وغيرهما الاتفاق على بطلان الاستثناء المستغرق؛ لأننا لو قلنا بصحته لكان قوله: أحرار، وطوالق ملغى ليس معملًا، والأصل في الكلام إعماله لا إهماله، وليس من كلام العرب ولا يعرفونه، وإنما هو نوع من العبث فلا يحمل عليه كلام العقلاء.
[ ١٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما إذا كان الاستثناء من الصفة فيجوز وإن استغرق، ومثاله: عبيدي أحرار إلا من لم يصل الفجر معنا، فتبين أن عبيده كلهم لم يصلوا الفجر معه، فلا يبطل الاستثناء ولا يعتقون، وهذا لا ينافي كلام العرب.
ج أن يبقى الأقل، وهذا موضع خلاف.
مثال ذلك: لو قال قائل: زوجتي طالق ثلاثًا إلا اثنتين.
وقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: إن هذا لا يصح، وبه قال أكثر الأصوليين؛ وعللوا قولهم بعدم صحته في اللغة العربية.
القول الثاني: إن هذا صحيح؛ واستدلوا على هذا بأن استثناء الأكثر بحيث لا يبقى إلا الأقل وارد في الصفة، فإذا ورد في الصفة فكذلك أيضًا يصح في العدد.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢].
فقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] فيه دليل على استثناء الأكثر؛ لأن الذين اتبعه من الغاوين أكثر من المهتدين، وبناء على ذلك فإن القول الثاني هو القول هو الصواب.
الشرط الثاني: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه.
وقد اختلف العلماء فيه على قولين:
القول الأول: إذا اختلف الجنس لا يصح الاستثناء، وهذا ما عليه
[ ١٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جمهور أهل العلم ﵏.
ومثال ذلك: لو قال: له عليّ مائة دينار إلا درهمًا؛ لأن الجنس مختلف وعلى هذا لا يصح التخصيص فيلزمه مائة دينار.
القول الثاني: لا يشترط اتحاد الجنس؛ واستدلوا بوروده في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦] وورد ذلك في اللغة العربية، ومن ذلك قول الشاعر:
وبلدةٌ ليس بها أنيس … إلا اليعافير وإلا العيسُ
فقوله: (إلا اليعافير وإلا العيسُ) هذا ليس من جنس المستثنى منه.
وهذا القول هو الأقرب للصواب.
الشرط الثالث: الاتصال بين المستثنى والمستثنى منه، فلابد من الاتصال حقيقةً أو حكمًا.
حقيقةً: أن يأتي بالمستثنى مباشرة، ومثال ذلك: لو قال قائل: زوجتي طالق ثلاثًا إلا واحدة، فيستثني مباشرة.
حكمًا: أي في حكم المتصل، بأن يعرض له عارض من عوارض النطق، كما لو حصل له سعال أو عطاس ونحو ذلك، ومثال ذلك: لو قال قائل: زوجتي طالق ثلاثًا ثم تثاءب أو حصل له سعال أو عطاس ونحو ذلك، ثم قال: إلا واحدة، فقالوا: هذا في حكم المتصل.
واختلفوا في اشتراطه على قولين:
[ ١٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القول الأول: أن اتصال المستثنى والمستثنى منه شرط، وبه قال جمهور العلماء؛ لقوله ﷺ: «من حلف على يمين ورأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير» (^١).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أرشد الحالف إذا رأى الخير في مخالفة ما حلف عليه أن يكفر عن يمينه ويأتي ما حلف عنه، ولو كان الاستثناء المتأخر صحيحا لأرشده إليه، ولم يرشده إلى التكفير؛ لأن الاستثناء أيسر على المكلفين.
القول الثاني: أن الاتصال ليس شرطًا، وهذا هو الوارد عن ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير ﵀ واختلف النقل عنه فقيل: يجيز تأخر الاستثناء شهرا أو شهرين، وقيل: أربعة أشهر، وقيل: إلى سنة، وقيل: مطلقا.
فعن ابن عباس ﵄ قال: «إذا حلف الرجل على يمين فله أن يستثني إلى سنة، وإنما نزلت هذه الآية: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، قال: إذا ذكر استثنى». وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين (^٢).
والصواب في ذلك: أنه يشترط الاتصال بين المستثنى والمستثنى منه، ولو أنه حصل فاصل يسير من كلام أو سكوت فإن هذا لا بأس به ويدل لذلك ما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ لما ذكر تحريم مكة ثم تكلم النبي ﷺ فقال العباس ﵁: يا رسول الله إلا الإذخر، فقال النبي ﷺ: «إلا الإذخر» (^٣).
_________________
(١) رواه مسلم (١٦٥٠).
(٢) المستدرك للحاكم (٤/ ٣٣٦).
(٣) أخرجه البخاري (١١٢)، ومسلم (٤٤٧).
[ ١٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومن ذلك أيضًا ما ثبت من حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيح لما قال سليمان: «لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تلد كل واحدةٍ منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله»، فقال الملك: (قل إن شاء الله)، فلم يقل إن شاء الله، قال النبي ﷺ: «لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان دركًا له في حاجته» (^١).
الشرط الرابع: النية، فلابد أن ينوي الاستثناء قبل تمام المستثنى منه.
ومثال ذلك: لو قال قائل: زوجتي طالق ثلاثًا، ثم نوى فقال: إلا واحدة فهذا لا يصح؛ لأنه لو لم ينوه قبل النطق بالمستثنى منه لكان الاستثناء إلغاء لبعض مراد المتكلم، والاستثناء عند أهل اللغة ليس إلغاء، وإنما هو بيان أن الجملة ليست مرادة بكاملها منذ إنشاء الكلام.
والقول الثاني: أن هذا ليس شرطًا؛ بدليل ما تقدم من قول العباس: إلا الإذخر، فقال ﵊: «إلا الإذخر». ويظهر من الحال أن النبي ﷺ لم ينو الاستثناء.
وأيضًا ما ثبت من حديث أبي هريرة السابق أن النبي ﷺ قال: «لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان دركًا له في حاجته» وهو الأقرب.
الشرط الخامس: أن يكون الاستثناء صادرًا من المتكلم نفسه.
فإذا كان الاستثناء صادرًا من غيره فإنه لا يصح، ومثال ذلك: لو قال قائل: زوجتي طالقٌ ثلاثًا، ثم قال أبوه: إلا واحدة فإنه لا يصح، ولهذا قال الملك لسليمان ﵊: (قل إن شاء الله) ولم يستثن الملك.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٧٢٠)، ومسلم (٢٣).
[ ١٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشرط السادس: أن يستثني باللفظ إذا صرّح بالعدد.
أما إذا لم يصرح بالعدد فتكفي النية؛ لأن العام يرد في اللغة ويراد به الخاص.
مثال ذلك: لو قال قائل: رقيقي أحرار، وينوي إلا زيدًا، فإنه يصح لأنه في اللغة العربية يصح أن يأتي العام ويراد به الخاص.
ومن ذلك أيضًا: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
ومن ذلك أيضًا: لو قال قائل: زوجاتي طوالق وينوي إلا هندًا، فإنه يصح.
أما إذا صرّح بالعدد فإنه لابد من اللفظ ولا تكفي النية؛ لأن العدد نص فلا يرفعه إلا النص، وعلى هذا لو قال قائل: زوجاتي الأربع طوالق وأراد إلا هندًا فإنه لا يصح؛ لأنه نص على العدد، ولا يرفع النص إلا النص؛ لأنه في قوته، والنية أضعف.