أصول الفقه: هي العلم بأدلة الفقه الكلية.
قوله: (أصول الفقه: هي العلم بأدلة الفقه الكلية).
عرف المؤلف ﵀ أصول الفقه باعتباره علَمًا على هذا الفن، والعلماء ﵏ يعرفون أصول الفقه باعتبارين:
* الأول: باعتباره مركبًا:
الأصول في اللغة: جمع أصل، وهو الأساس والمعتمد، والأصل ما يبنى عليه غيره أو ما يتفرع منه غيره، وذلك مثل: أساسات الجدران فهي أصول يبنى عليها غيرها، وأصل الشجرة الثابت في الأرض يتفرع منه غيره، والأب وإن علا فهو أصل يتفرع منه غيره.
وأما في الاصطلاح فإن الأصل يطلق على عدَّة إطلاقات:
الأول: الدليل، فيقولون: الأصل في وجوب الصيام قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] أي الدليل على وجوب الصيام.
الثاني: القاعدة المستمرة، كقولهم: إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل، وكقولهم: الأصل في الأمر الوجوب.
[ ١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثالث: المقيس عليه، كقولهم: الخمر أصل النبيذ في التحريم.
الرابع: الراجح، كقولهم: الأصل في الحلي عدم الوجوب، أي الراجح فيها.
والفقه في اللغة: مطلق الفهم، وقيل: بأنه الفهم الدقيق.
وأما في الاصطلاح: فهو معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد.
وقيل: بأنه معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها التفصيلية.
قولهم: (معرفة): يشمل اليقين والظن.
مثال اليقين: معرفة أن الصلوات الخمس واجبة، وهذا معلوم من الدين بالضرورة، ومثال الظن: معرفة أن الوتر سنة مؤكدة.
قولهم: (معرفة الأحكام الشرعية): الأحكام: جمع حكم.
والحكم في اللغة: المنع.
وأما في الاصطلاح: فهو إثبات أمرٍ لأمر، أو نفيه عنه.
* والأحكام يقسمها العلماء ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أحكام شرعية.
القسم الثاني: أحكام عقلية.
القسم الثالث: أحكام عادية.
والحكم الشرعي: هو خطاب الشارع المتعلِّق بأفعال المكلَّفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع.
[ ٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والأحكام الشرعية يقسمها الأصوليون إلى قسمين:
القسم الأول: الأحكام التكليفية.
والحكم التكليفي: هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير.
القسم الثاني: الأحكام الوضعية.
والحكم الوضعي: هو خطاب الشارع المتعلّق بجعل الشيء سببًا لشيء، أو شرطًا له، أو مانعًا منه، أو كونه صحيحًا، أو فاسدًا، أو رخصة، أو عزيمة، أو أداء، أو إعادة، أو قضاء.
والفرق بين الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية:
أن الحكم التكليفي أمر وطلب، كالأمر بالصلاة، أما الوضعي فهو إخبار.
والحكم التكليفي يشترط فيه: علم المكلف، وقدرته على الفعل، كالصلاة والصيام مثلًا، بخلاف الحكم الوضعي، كالصبي مثلًا فإنه وإن لم يكن مكلفًا فهو يغرم المتلفات.
والحكم العقلي: هو معرفة نسبة أمر لأمر، أو نفيه عنه عقلًا؛ مثال ذلك: الكل أكبر من الجزء.
والحكم العادي: هو معرفة نسبة أمر لأمر، أو نفيه عنه عادة، مثال ذلك: الماء مرو، والخبز مشبع، والنار حارة.
وقولهم: (الشرعية): قيد يخرج الأحكام العادية والعقلية، فهذه ليست داخلة في الفقه.
[ ٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قولهم: (بأدلتها التفصيلية): قيد يخرج أصول الفقه، فإن أصول الفقه يبحث في أدلة الفقه الإجمالية.
الثاني: باعتباره علمًا على هذا الفن:
فإن المؤلف ﵀ قال: (هو العلم بأدلة الفقه الكلية).
وقيل: أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد.
وقولهم: (أدلة الفقه الكليَّة): احتراز من الأدلة التفصيلية، فإنها شأن الفقيه، وأما في أصول الفقه فتبحث الأدلة على سبيل الإجمال أي كيف يستدل بهذه الأدلة على القواعد العامة، وهذا يشمل الأدلة المتفق عليها والأدلة المختلف فيها:
والأدلة المتفق عليها مثل: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
والأدلة المختلف فيها مثل: قول الصحابي، الاستحسان، الاستصحاب، المصالح المرسلة.
وقولهم: (وكيفية الاستفادة منها): أي كيفية استفادة الأحكام الشرعية من الأدلة الإجمالية:
وذلك بمعرفة طرق الاستنباط ودلالات الألفاظ، كدراسة العام والخاص، ومتى يقدم الخاص على العام، والمطلق والمقيد، ومتى يحمل المطلق على المقيد، والمجمل والمبين، وقواعد الأمر والنهي
قولنا: (وحال المستفيد): والمستفيد هو المجتهد، ويدخل في ذلك، وغيرها من القواعد التي تدرس في أصول الفقه.
[ ٢٢ ]
وذلك: أن الفقه:
إما مسائل يطلب الحكم عليها بأحد الأحكام الخمسة،
وإما دلائل يستدل بها على هذه المسائل.
دراسة مباحث التعارض والترجيح، ودراسة أحكام الفتوى والتقليد.
وقد بين هذا التعريف شيئًا من موضوعات أصول الفقه.
١ الأدلة الإجمالية: وهذا يشمل الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها.
٢ دلالات الألفاظ: وهي المباحث اللفظية ذات الأثر ببناء الأحكام على الأدلة واستخراجها منها كالأمر والنهي والعام والخاص وغيرها.
٣ الأحكام التكليفية كالواجب والمندوب، والأحكام الوضعية كالسبب والمانع والشرط.
٤ الاجتهاد والتقليد.
٥ والتعارض والترجيح.
قوله: (وذلك أن الفقه إما مسائل يطلب الحكم عليها بأحد الأحكام الخمسة).
المسائل: جمع مسألة: وهي ما يبرهن له في العلم.
والأحكام الخمسة يعنى بها الأحكام التكليفية، حيث إن الأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين:
* القسم الأول: أحكام تكليفية: وهي الوجوب، والتحريم، والاستحباب، والكراهة، والإباحة.
[ ٢٣ ]
فالفقه: هو معرفة المسائل والدلائل.
وهذه الدلائل نوعان:
كلية، تشمل كل حكم من جنس واحد من أول الفقه إلى آخره، كقولنا: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، ونحوهما؛ وهذه هي أصول الفقه.
وأدلة جزئية تفصيلية،
* الثاني: أحكام وضعية: وهي ما يتعلق بالشرط والسبب والمانع ويأتي بيانها إن شاء الله.
قوله: (فالفقه: هو معرفة المسائل والدلائل).
عرف المؤلف ﵀ الفقه في الاصطلاح بتعريف مختصر ومفيد فقال: «معرفة المسائل والدلائل» ويعني بذلك معرفة كل مسألة بدليلها، مثال ذلك: حكم صلاة الوتر سنة مؤكدة، ودليل ذلك قول عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يصلي ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر إحدى عشرة ركعة. رواه مسلم (^١).
قوله: (وهذه الدلائل نوعان: كلية تشمل كل حكم من جنس واحد من أول الفقه إلى آخره، كقولنا: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم ونحوهما، وهذه هي أصول الفقه.
وأدلة جزئية تفصيلية).
أي أنّ الدلائل التي يقوم عليها الفقه نوعان:
_________________
(١) رواه مسلم (٦٣٦).
[ ٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* الأول: أدلة كلية:
وهي القواعد العامة التي تضمنها أصول الفقه كقولنا: إن الأصل في الأمر الوجوب حتى تصرفه قرينة إلى غيره، والنهي للتحريم حتى تصرفه قرينة إلى غيره، والعام شامل لجميع أفراده حتى يثبت تخصيصه، ويعمل بالمطلق حتى يثبت تقييده وغير ذلك من الأدلة الكلية العامة والتي تشمل كل الأبواب.
* الثاني: أدلة جزئية:
وهي كل دليل يختص بمسألة معينة كقوله تعالى: «وأقيموا الصلاة» فهو يختص بوجوب إقامة الصلاة، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ فهو يختص بحرمة الزنى، وقوله ﷺ: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» (^١) يختص باستحباب السواك، وهذه الأدلة التفصيلية تحتاج إلى أن تبنى على الأدلة الكلية كما سيأتي.
وقد دل كلام الشيخ ﵀ على أن الفقه يقوم على الأدلة الكلية التي هي القواعد الأصولية، وعلى الأدلة الجزئية، والتي هي: الكتاب والسنة وما يستند إليهما من الإجماع والقياس، وهو بهذا يؤكد على أن الفقه يحتاج إلى الأدلة الكلية، وأن الفقه لابد أن يؤسس على القواعد الأصولية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الفقه لا يكون إلا بفهم الأدلة الشرعية بأدلتها السمعية الثبوتية من الكتاب والسنة والإجماع نصًا واستنباطًا» (^٢) ويقول:
_________________
(١) أخرجه البخاري معلَّقًا، كتاب الصوم، باب سواك الرطب واليابس للصائم.
(٢) «الاستقامة» ابن تيمية ١/ ٦١.
(٣) «مجموع الفتاوى» ابن تيمية ١٣/ ١١٨.
[ ٢٥ ]
تفتقر إلى أن تبنى على الأدلة الكلية، فإذا تمت حكم على الأحكام بها.
فالأحكام مضطرة إلى أدلَّتها التفصيلية، والأدلة التفصيلية مضطرَّة إلى الأدلَّة الكليَّة. وبهذا نعرف الضرورة والحاجة إلى معرفة أصول الفقه وأنها معينة عليه، وهي أساس النظرة والاجتهاد في الأحكام.
«الفقه لا يكون فقهًا إلا من المجتهد المستدل» (^٣).
قوله: (فالأحكام مضطرة إلى أدلتها التفصيلية، والأدلة التفصيلية مضطرة إلى الأدلة الكلية).
هذا توضيح لما سبق، فإن أي حكم شرعي لابد له من دليل يدل عليه وهو الدليل التفصيلي، وهذا الدليل التفصيلي مفتقر إلى الدليل الكلي في أصول الفقه، إذ لا يتم الاستدلال والاستنباط إلا بواسطته.
مثال ذلك: الحكم الشرعي: وجوب صلاة الجماعة.
دليلها التفصيلي: قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
فهذا الدليل التفصيلي يدل على وجوب صلاة الجماعة بناء على الدليل الكلي، وهو القاعدة الأصولية: الأمر المطلق المجرد عن القرائن يقتضي الوجوب.
قوله: (وبهذا نعرف الضرورة والحاجة إلى معرفة أصول الفقه وأنها معينة عليه، وهي أساس النظرة والاجتهاد في الأحكام).
ذكر المؤلف ﵀ فائدة من فوائد معرفة أصول الفقه وهذه الفائدة بينها بقوله: «الأحكام مضطرة إلى أدلتها التفصيلية، والأدلة التفصيلية مضطرة
[ ٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى الأدلة الكلية».
وهناك فوائد أخرى تبين أهمية دراسة أصول الفقه منها:
* الأولى: ضبط أصول الاستدلال ببيان الأدلة الصحيحة من غيرها.
* الثانية: بيان الوجه الصحيح للاستدلال، فقد يستدل أحدهم بدليل صحيح لكن على غير وجهه فينتج عن ذلك خطأً في الحكم والنتيجة، بينما دراسة أصول الفقه تضبط الوجه الصحيح للاستدلال.
* الثالثة: تيسير عملية الاجتهاد وإعطاء الحوادث الجديدة والنوازل ما يناسبها من الأحكام الشرعية.
* الرابعة: بيان ضوابط الفتوى.
* الخامسة: صيانة الفقه الإسلامي من الانفتاح المترتب على وضع مصادر جديدة للتشريع لم ترد في الكتاب ولا في السنة.
* السادسة: صيانته من دعوى الجمود المترتب على إغلاق باب الاجتهاد، فيصان الفقه من إيجاد أدلة لم ترد.
* السابعة: الدعوة إلى اتباع الدليل.
تنبيه:
أصول الفقه ليس خاصا بالفقه الذي هو علم الفروع، بل أصول الفقه قواعد في الاستدلال لكل أحكام الشريعة في العقيدة والآداب والأخلاق،
[ ٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والتفسير والحديث، وإضافة أصول للفقه ليست إضافة حصر، وإنما من باب التغليب، ولهذا بعض المحققين يسمونه أصول الشريعة، كما فعل ذلك الجصاص والجويني، وسمى الشاطبي كتابه الموافقات في أصول الشريعة، والغزالي سمى كتابه المستصفى من علم الأصول، والسمعاني سمى كتابه قواطع الأدلة في الأصول، والشوكاني سمى كتابه: إرشاد الفحول.
[ ٢٨ ]
فصل