﷽
ابتدأ المؤلف ﵀ رسالته بالبسملة؛ اقتداءً بكتاب الله تعالى فإنه مبدوء بالبسملة، واتباعًا لسنة نبيه ﷺ، حيث إنه ﵊ كان يبدأ كتبه ومراسلاته بالبسملة.
قوله: (بسم الله):
الباء: حرف جر.
واسم: اسم مجرور، وحذفت منه الألف لفظًا وخطًا، تخفيفًا لكثرة الاستعمال والجار والمجرور متعلق بفعل محذوف يقدر بما يناسب المقام، وعلى هذا يكون التقدير بسم الله أقرأ.
وقدرنا المتعلق فعلًا؛ لأن الأصل في العمل هو الأفعال، وقدرناه بما يناسب المقام؛ لأنه أدلُّ على المراد، وقدر الفعل مؤخرًا؛ تبركًا بالبداءة بسم الله ﷿، ولأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فالمعنى: لا أقرأ إلا باسم الله، ولا أتوضأ إلا باسم الله، ولا أذبح إلا باسم الله، وهكذا.
قوله: (الله):
علم على الباري ﷻ، وهو أعرف المعارف على الإطلاق، الجامع
[ ٩ ]
الحمد لله، نحمده على ما له من الأسماء الحسنى،
لمعاني الأسماء الحسنى، والصفات العليا، ولذا يضاف إليه جميع أسمائه سبحانه، فيقال مثلًا: الرحمن من أسماء الله، ولا يضاف هو إلى شيء من أسمائه سبحانه، فلا يقال: الله من أسماء الرحيم، وهو مشتق من أله يأله إذا عبد، فهو إله بمعنى مألوه أي معبود، فهو دال على صفة له وهي الإلهية.
أصله: الإله فحذفت الهمزة وأدغمت اللام باللام فقيل: الله، ومعناها: ذو الألوهية والربوبية على خلقه أجمعين، وهو من الأسماء التي اختص الله بها نفسه.
قوله: (الرحمن):
أي ذو الرحمة الواسعة، والرحمن من الأسماء التي اختص الله بها نفسه، فلا يسمى بها غيره.
قوله: (الحمد لله):
ابتدأ المؤلف ﵀ خطبته بالحمد لله اقتداء بهدي النبي ﷺ في خطبه؛ وذلك لأن النبي ﷺ لم يكن يبتدئ خطبه الراتبة أو العارضة إلا بالحمد لله كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀.
والحمد في اللغة: الثناء على الله بالصفات الحسنة، والأفعال الجميلة.
وفي الاصطلاح: وصف المحمود بصفات الكمال محبةً وتعظيمًا (^١).
وقوله: (لله): اللام حرف جر، وهي تفيد معنى الاختصاص والاستحقاق،
_________________
(١) انظر: «بدائع الفوائد» ٣/ ١٣٢.
[ ١٠ ]
والصفات الكاملة العليا، وعلى أحكامه القدرية العامة لكل مكون وموجود، وأحكامه الشرعية الشاملة لكل مشروع، وأحكام الجزاء بالثواب للمحسنين
ولفظ الجلالة مجرور بها، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف هو خبر (الحمد) تقديره: مستحق، أو واجب أو ثابت لله.
ومعنى (الحمد لله): أي أن الحمد المطلق لله وحده، فهو المستحق له المختص به دون سواه، وحمده تعالى هو وصفه ﷿ بصفات الكمال اللازمة والمتعدية، كمال العظمة وكمال الإحسان والنعمة مع المحبة والتعظيم له والرضا عنه والخضوع له، لأنه المنعم بأكبر النعم وأعظمها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والحمد نوعان: حمد على إحسانه إلى عباده وهو من الشكر، وحمد لما يستحقه هو بنفسه من نعوت كماله، وهذا الحمد لا يكون إلا على ما هو في نفسه مستحق» (^١).
وقوله: «لله» اللام للجنس المفيدة للاستغراق.
فالحمد كله له إما ملكا، وإما استحقاقا، فحمده لنفسه استحقاق، وحمد العباد له وحمد بعضهم لبعض ملك له.
وأيضا تفيد هذه اللام الاختصاص، فالمستحق للحمد المطلق الكامل هو سبحانه، أما غيره فيحمد على أشياء خاصة.
قوله: (وعلى أحكامه القدرية العامة لكل مكون موجود، وأحكامه الشرعية الشاملة لكل مشروع، وأحكام الجزاء بالثواب للمحسنين
_________________
(١) جامع الرسائل والمسائل (٥/ ٤٩).
[ ١١ ]
والعقاب للمجرمين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
والعقاب للمجرمين).
ومعنى ذلك: أن الأحكام من الله تعالى تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
* القسم الأول: أحكام قدرية: وهي ما يجري في هذا الكون مما يتعلق بكل مكوّن وموجود من الخلق والرزق والإحياء والإماتة والعز والذل والفقر والغنى ونحو ذلك.
* الثاني: أحكام شرعية: وهي ما يتعلق بالمكلفين من الأحكام العلمية والعملية.
* الثالث: أحكام أخروية: وهي ما يتعلق بالدار الآخرة من أحكام الجزاء على الأعمال بالثواب أو العقاب.
قوله: (وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له).
قوله: (أشهد): بمعنى أقر موقنًا بقلبي ناطقًا بلساني أن لا معبود حق إلا الله، و(أن): مخففة من الثقيلة، و(لا): نافية للجنس، و(إله) اسمها، والخبر محذوف تقديره حق، فيكون المعنى: لا معبود حقٌ إلا الله، ولفظ الجلالة بدل من الخبر المحذوف.
قوله: (وحده): تأكيدٌ للإثبات، إثبات الألوهية لله ﷿.
قوله: (لا شريك له): تأكيدٌ لنفي ألوهية من سوى الله ﷿.
قوله: (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله): بمعنى أقر موقنًا بقلبي
[ ١٢ ]
في الأسماء والصفات والعبادة والأحكام، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذى بين الحكم والأحكام، ووضح الحلال والحرام، وأصل الأصول وفصلها، حتى استتم هذا الدين واستقام، اللهم صل وسلم على محمد
ناطقًا بلساني أن محمد بن عبد الله بن هاشم بن عبد المطلب عبد لله ليس له شيء من خصائص الألوهية، ورسوله أي مرسل إلى الثقلين كافة، وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في معنى شهادة أنَّ محمدًا رسول الله: «طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع» (^١).
قوله: (الذي بيّن الحكم والأحكام، ووضح الحلال والحرام، وأصل الأصول وفصلها حتى استتم هذا الدين واستقام).
الحكم: جمع حكمة، والحكمة: وضع الشيء في موضعه اللائق به.
الأحكام: جمع حكم، ويأتي تعريفه إن شاء الله.
هذا الكلام من المؤلف ﵀ يسميه العلماء ببراعة الاستهلال، وذلك أن يُضمّن المؤلف خطبة كتابه بما يدل على مراده بالتأليف، وهنا يفهم من خطبة المؤلف ﵀: أنه سيكتب في الأصول وقواعد الأحكام والحلال والحرام.
قوله: (اللهم صل وسلم على محمد).
اللهم: أصلها يا الله، حذفت يا النداء، والميم بدل عن الياء، وقال الفراء أصله: يا الله أُمَّنا بخير، فحذف حرف النداء.
_________________
(١) انظر: «ثلاثة الأصول».
[ ١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوله: «صل» قال الأزهري ﵀ في تعريفها: (معناها من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدميين الدعاء والتضرع).
والراجح ما قاله أبو العالية ﵀ كما في صحيح البخاري: (الصلاة من الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى) (^١).
وقال ابن القيم ﵀ في كتابه جلاء الأفهام: (الصلاة المأمور بها هي الطلب من الله ما أخبر به عن صلاته وصلاة ملائكته وهي ثناء عليه، وإظهار شرفه، وإرادة تكريمه وتقريبه) (^٢) فإذا قلنا: اللهم صلِّ على محمد؛ فإننا ندعو الله ﷿ أن يفعل ذلك بنبيه ﷺ وهو الثناء عليه، وأن يظهر شرفه، ويقربه ويكرمه.
قال ابن القيم ﵀: (وصلاتنا سؤال الله تعالى أن يفعل ذلك به) (^٣) وهذا القول هو الصواب.
وقد أطال ابن القيم ﵀ في كتابه جلاء الأفهام في هذه المسألة، وردَّ القول بأن المراد بالصلاة الرحمة، ومما ذكر قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]. فإن الواو تقتضي المغايرة، وعطف الرحمة على الصلاة يدل ذلك على أن الصلاة ليست بمعنى الرحمة، وأيضًا لا خلاف في جواز الترحم على المؤمنين، واختلف
_________________
(١) أخرجه البخاري، باب قوله: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).
(٢) (١/ ٦٢).
(٣) المرجع السابق.
[ ١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السلف في جواز الصلاة على غير الأنبياء.
قوله: (مع سلام): السلام: اسم مصدر من سلم، ومصدره تسليم، والسلام اسم من أسماء الله ﷿ كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].
فهو سبحانه السالم من مماثلة أحد من خلقه، والسالم من النقص، ومن كل ما ينافي كماله.
والسلام أيضًا يطلق على التحية، وعلى الأمان، فإذا قلت: (السلام عليك أيها النبي) فأنت تدعو للنبي ﷺ بالسلامة من كل آفة، والدعاء للنبي ﷺ بالسلامة ينقسم قسمين:
القسم الأول: دعاء بالسلامة الحسية.
القسم الثاني: دعاء بالسلامة المعنوية.
أما الدعاء بالسلامة الحسية: ففي حياته: أن يحفظ بدن النبي ﷺ من النقائص والآفات ونحو ذلك، وبعد مماته: بأن يسلمه الله ﷿ من أهوال يوم القيامة؛ فإن الرسل يجثون على ركبهم من شدة هول ذلك اليوم ويدعون «اللهم سلِّم سلِّم» (^١).
وأما الدعاء بالسلامة المعنوية: فهي أن تدعو لسنته وشرعه بالسلامة من تأويل المبطلين وانتحال الغالين.
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٨٠٦) ومسلم رقم (١٨٢).
[ ١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واجتماع الصلاة والسلام يعني الدعاء بالفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، فبالصلاة يحصل الفوز بالمطلوب، وبالسلامة تحصل النجاة من المرهوب.
و(محمد): اسم من أسماء النبي ﷺ قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤].
والنبي ﷺ له أسماء:
١ محمد كما ذكره المؤلِّف ﵀.
٢ أحمد كما قال تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].
٣ الحاشر. ٤ العاقب. ٥ المُقَفِّي.
٦ الماحي. ٧ نبي الرحمة. ٨ نبي التوبة.
لما روى جبير بن مطعم ﵁ قال ﷺ: «إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد» (^١) متفق عليه.
وروى أبو موسى الأشعري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يسمي لنا نفسه أسماء فقال: «أنا محمد، وأحمد، والمُقَفِّي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة» (^٢).
ومحمد على وزن مُفَعَّل سمي بذلك؛ لكثرة محامده ﷺ فإنه ﷺ له
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٤٣٩٦) ومسلم رقم (٢٣٥٤).
(٢) أخرجه مسلم رقم (٢٣٥٥).
[ ١٦ ]
وعلى آله وأصحابه وأتباعه، خصوصًا العلماء الأعلام.
أما بعد؛
محامد فاق بها بقية البشر فهو ﷺ يحمد أكثر وأفضل مما يحمد غيره.
وقوله: (وعلى آله وأصحابه وأتباعه).
اختلف أهل العلم في تفسير آل النبي ﷺ، والصواب في ذلك أن آل النبي ﷺ هم أتباعه على دينه، إلا إذا دلت القرائن على أن المراد به أقاربه المؤمنون، فإذا قيل: اللهم صل على محمد وآله وأصحابه وأتباعه فإن المراد أقاربه المؤمنون به، وأما إذا قيل: اللهم صل على محمد وآله فإن المراد أتباعه على دينه وهذا هو الصواب.
قوله: (وأصحابه).
الأصحاب: جمع صاحب، والصحابي هو كل من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك، ولو لم تكن مدة الصحبة طويلة، وهذا من خصائص صحبة النبي ﷺ.
أتباعه: جمع تابع، أي أتباعه على دينه.
قوله: (أما بعد).
(أما): حرف تفصيل مضمنٌ معنى الشرط، ومعناها: مهما يكن من شيء بعد.
(بعد): ظرف مبني على الضم.
والفائدة من هذه الكلمة هي الانتقال من المقدمة إلى صلب الموضوع.
وقيل: بأنه يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى أسلوب.
[ ١٧ ]
فهذه رسالة لطيفة في أصول الفقه، سهلة الألفاظ، واضحة المعاني، معينة على تعلم الأحكام لكل متأمل معاني.
نسأل الله أن ينفع بها جامعها وقارئها، إنه جواد كريم.
قوله: (فهذه رسالة لطيفة في أصول الفقه).
المؤلف ﵀ وصف الرسالة بأنها لطيفة، واللطيف من الكلام رقيقه، ثم ذكر ﵀ أن رسالته تميزت بعدد من المميزات:
الأولى: (سهلة الألفاظ).
الثانية: (واضحة المعاني).
الثالثة: (معينة على تعلم الأحكام لكل متأملٍ معاني).
قوله: (نسأل الله أن ينفع بها جامعها، وقارئها إنه جواد كريم).
ختم الشيخ ﵀ خطبة الرسالة بهذا الدعاء الجامع النافع، وهو أن ينفع الله تعالى بهذه الرسالة جامعها وقارئها، وأنا أقول: وشارحها وقارئ شرحها إنه قريبٌ مجيد جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
و(جواد): الجودُ: خلاف البخلِ، ويقال: جاد جودًا.
والجود: المطر الغزيرُ، فالجواد: كثير العطاء.
و(الكريم): الكثير الخير الجواد المنعم المفضل.
[ ١٨ ]
فصل