قوله: (أصول): جمع أصل: وهو ما يبنى عليه غيره أو ما يتفرع منه غيره.
قوله: (مستنبطة): يعني مأخوذة من الكتاب والسنة.
وهذا الفصل ذكر فيه الشيخ ﵀ عددًا من القواعد الفقهية وهي جمل موجزة، تندرج تحتها مسائل فقهية كثيرة من أبواب متعددة، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
والفرق بين القاعدة الفقهية والأصولية يتعدد من وجوه:
* أولًا: أن قواعد الأصول تتعلق بالألفاظ ودلالاتها على الأحكام في غالب أحوالها، وأما قواعد الفقه فتتعلق بالأحكام ذاتها.
* ثانيًا: أن قواعد الأصول إنما وضعت لتضبط للمجتهد طرق الاستنباط واستدلاله، وترسم للفقيه مناهج البحث والنظر في استخراج الأحكام الكلية من الأدلة الإجمالية، وأما قواعد الفقه فإنما يراد بها ربط المسائل المختلفة الأبواب برباط متحد، وحكم واحد؛ هو الحكم الذي سيقت القاعدة لأجله.
* ثالثًا: أن قواعد الأصول إنما تبنى عليها الأحكام الإجمالية، وعن طريقها يستنبط الفقيه أحكام المسائل الجزئية من الأدلة التفصيلية، وأما قواعد الفقه فإنما تعلل بها أحكام الحوادث المتشابهة وقد تكون أصلًا لها.
[ ١٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* رابعًا: أن قواعد الأصول محصورة في أبواب الأصول ومواضعه ومسائله، وأما قواعد الفقه فليست محصورة أو محدودة العدد، بل هي كثيرة جدًا منثورة في كتب الفقه العام، وكتب الفتاوى في جميع المذاهب.
* خامسًا: أن القاعدة الأصولية توجد أولًا، ثم يستخرج الحكم الفقهي، وأما القاعدة الفقهية فتجمع الأحكام الفقهية المتشابهة، فيؤلف منها قاعدة فقهية.
* سادسا: أن القاعدة الأصولية لا يمكن أن يؤخذ منها الحكم الفقهي مباشرة، بل لا بد أن يكون معها دليل تفصيلي.
مثال ذلك: قاعدة [الأمر للوجوب]:
لا يؤخذ منها وجوب أي فعل من الأفعال حتى تضيف إليها دليلا تفصيليا، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٢].
بينما القاعدة الفقهية يمكن أن نأخذ منها حكما مباشرة.
مثال ذلك: قاعدة [الأمور بمقاصدها]: نأخذ منها اشتراط النية للصلاة وللوضوء.
* سابعًا: أن قواعد الأصول إذا اتفق على مضمونها لا يستثنى منها شيء، فهي قواعد كلية مطّردة كقواعد العربية بلا خلاف، وأما القاعدة الفقهية فهي قاعدة أغلبية لا تشمل جميع جزئياتها كما تقدم.
[ ١٧٧ ]
(وأخذ الأصوليون من الكتاب والسنة أصولًا كثيرة، بنوا عليها أحكامًا كثيرة جدًا، ونفعوا وانتفعوا بها).
* ثامنًا: أن القاعدة الأصولية لا تعنى بما يتعلق بمقاصد الشريعة، وبيان حكمها ومصالحها وأسرارها، أما بالنسبة للقاعدة الفقهية فإنها تعنى بهذا الجانب.
* تاسعًا: أن القاعدة الأصولية شاملة لأحكام العقائد، والعمليات، بخلاف القاعدة الفقهية فهي خاصة بأحكام العمليات.
قوله: (وأخذ الأصوليون من الكتاب والسنة أصولًا كثيرة).
ظاهر كلام المؤلف ﵀ أن القواعد الفقهية من أصول الفقه؛ لأنه ذكرها ضمن رسالته، وكأن هذا مبني على ما يفهم من أول الرسالة من التلازم بين الفقه وأصوله، وأن الفقيه الحق هو الأصولي.
والمشهور أن هذه القواعد من قبيل الفقه لا من قبيل أصول الفقه، ولعل القرافي ﵀ أول من ميز بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية كما ذكر ذلك في مقدمة كتابه (الفروق)، وقال في موضوع آخر: (فإن القواعد ليست مستوعبة في أصول الفقه، بل للشريعة قواعد كثيرة جدًا عند أئمة الفتوى والقضاء، ولا توجد في كتب أصول الفقه أصلًا).
[ ١٧٨ ]