الأدلة التي يستمد منها الفقه أربعة:
هذا الفصل عقده المؤلف ﵀ لبيان أدلة الأحكام الشرعية إجمالًا، وسيتكلم عن كل واحد منها بشيء من التفصيل.
* تعريف الأدلة:
والأدلة لغة: جمع دليل، وهو ما فيه دلالة وإرشاد إلى أمر من الأمور.
واصطلاحًا: ما يستدل بالنظر الصحيح فيه على حكم شرعي عملي على سبيل القطع أو الظن.
والأدلة تنقسم إلى قسمين:
* الأول: أدلة متفق عليها: وهي القرآن والسنة والإجماع والقياس.
* الثاني: أدلة مختلف فيها: وهي قول الصحابي والاستحسان والاستصحاب، وشرع من قبلنا، وإجماع أهل المدينة، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع.
قوله: (الأدلة التي يستمد منها الفقه) أي التي تؤخذ منها الأحكام الشرعية العملية التي تتعلق بالمكلفين، وهي الكتاب والسنة والإجماع وهي أدلةٌ نقلية، وأما القياس فهو دليل عقلي؛ لأن مرده إلى النظر والرأي المستند إلى النقل.
[ ٤٨ ]
الكتاب والسنة، وهما الأصل الذي خوطب به المكلفون، وانبنى دينهم عليه.
والإجماع والقياس الصحيح، وهما مستندان إلى الكتاب والسنة.
فالفقه من أوله إلى آخره لا يخرج عن هذه الأصول الأربعة.
قوله: (وهما الأصل الذي خوطب به المكلفون) والمراد من ذلك أن الكتاب والسنة هما الأصل في خطاب المكلفين بالأحكام الشرعية، والإجماع والقياس مستندان إليهما؛ لأن الإجماع لابد أن يستند إلى نص، والقياس مسلك اجتهادي في حدود نصوص الكتاب والسنة بضوابط معينة، بل إن الأدلة الثلاثة كلها راجعة إلى القرآن؛ لأن العمل بالسنة إنما دل عليه القرآن، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] ولأن السنة جاءت لبيان القرآن وتفسيره وتفصيل ما أُجمل فيه، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
قوله: (فالفقه في أوله إلى آخره لا يخرج عن هذه الأصول الأربعة).
هذا ظاهر حيث إن جميع مسائل الفقه التي يحتاج إليها الناس ويُفتون بها ثابتة بهذه الأدلة الأربعة، ومن استقرأ كلام أهل العلم ﵏ يجد أنهم يستدلون بهذه الأدلة الأربعة التي أشار إليها المؤلف، وكذلك مما عداها مما أشرنا إليه كقول الصحابي والاستحسان وإجماع أهل المدينة والمصالح المرسلة.
[ ٤٩ ]
وأكثر الأحكام المهمة تجتمع عليها الأدلة الأربعة: تدل عليها نصوص الكتاب والسنة، ويجمع عليها العلماء، ويدل عليها القياس الصحيح لما فيها من المنافع والمصالح إن كانت مأمورًا بها، ومن المضار إن كانت منهيًا عنها.
والقليل من الأحكام يتنازع فيها العلماء،
قوله: (وأكثر الأحكام المهمة تجتمع عليها الأدلة الأربعة، تدل عليها نصوص الكتاب والسنة، ويجمع عليها العلماء، ويدل عليها القياس الصحيح).
أي أن أكثر الأحكام الشرعية التي لابد للناس من العلم بها، مما يجب عليهم ويحرم ويباح، تجتمع عليها الأدلة الأربعة، لأنها من قبيل المعلوم المقطوع به، وذلك كوجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج واستقبال القبلة ووجوب الوضوء والغسل من الجنابة وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والعدل، والصدق، وتحريم الزنا والخمر، والفواحش، والظلم، وعقوق الوالدين وغير ذلك.
قوله: (والقليل من الأحكام يتنازع فيها العلماء).
أي أن الأحكام التي حصل فيها خلاف بين العلماء قليلة بالنسبة للأحكام المهمة التي هي أصول؛ لأن من هذه الأحكام المختلف فيها مسائل مقدرة غير واقعة، ومنها ما هو تفاريع فقهية على بعض الأحكام الأصول، وهذا الاختلاف له أسبابه، كعدم سماع الحديث، أو عدم ثبوته، أو الاختلاف في فهمه، أو كيفية الاستدلال به، أو اعتقاد عدم معارض
[ ٥٠ ]
وأقربهم إلى الصواب فيها من أحسن ردها إلى هذه الأصول الأربعة.
للدليل، أو نحو ذلك مما هو معروف في محله.
قوله: (وأقربهم إلى الصواب من أحسن ردها إلى هذه الأصول الأربعة).
أي أن هذه المسائل المختلف فيها لابد لها من دليل، قد يكون هذا الدليل نصًا، وقد يكون استنباطًا، ولهذا قال الشافعي ﵀: «قلّ ما اختلفوا فيه إلا وجدنا فيه عندنا دلالة من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ أو قياسًا عليهما أو على واحد منهما» وأقرب العلماء إلى الصواب في هذه المسائل المختلف فيها من أحسن استنباط حكمها الشرعي من نص أو إجماع أو قياس، ولابد في ذلك من الإحاطة بدلالات الألفاظ وقواعد الاستنباط، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] قال الشيخ السعدي في تفسيره: «أي كتاب الله وسنة رسوله، فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية، إما بصريحهما أو عمومهما، أو إيماء أو تنبيه أو مفهوم أو عموم معنى يقاس عليه ما أشبهه؛ لأن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ عليهما بناء الدين ولا يستقيم الإيمان إلا بهما، فالرد إليهما شرطٌ في الإيمان» (^١).
_________________
(١) «تفسير السعدي» ص ١٨٣.
[ ٥١ ]
فصل