تأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز ولا بأس به؛ لعدم المحذور، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨ - ١٩] و(ثم) تقتضي التراخي.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة ١١٠] مع الأحاديث الكثيرة التي بينت صفة الصلاة وعدد ركعاتها، وبينت مقادير الزكاة والأنصباء. وبيان الصلاة والزكاة ليس مقارنا لنزول الآيات التي فيها الأمر بها.
وعند أكثر الحنفية: المنع من تأخير البيان مطلقا، سواء أكان بيانا لمجمل عام أم غير ذلك، قالوا: لأن تأخير البيان عن الخطاب المحتاج إلى بيان فيه تجهيل للمكلف.
* قاعدة:
النصوص المجملة الباقية على إجمالها لا يتعلق بها تكليف، ونظير هذا أن منها محكمًا ومتشابهًا، فيجب إرجاع المتشابه إلى المحكم.
المحكم في اللغة: مأخوذ من قولهم: أحكمت الدابة، وأحكمت بمعنى: منعت.
والحكم: هو الفصل بين المتخاصمين.
المتشابه في اللغة: هو أن يشبه أحد الشيئين الآخر بحيث لا يتميز عنه.
ويقال: تشابه الكلام: أي تماثل وتناسب.
[ ١٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ووصف الله القرآن بوصفين:
* الأول: وصفه بأنه محكم على وجه العموم، وبأنه متشابه على وجه العموم.
أما الإحكام العام فدليله قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١].
وأما التشابه العام فدليله قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣].
ومعنى كونه محكمًا على وجه العموم: أي أنه كلام متقن فصيح يميز بين الحق والباطل، وبين الصدق والكذب.
ومعنى تشابه القرآن على وجه العموم: أي أنه يشبه بعضه بعضًا في الكمال والجودة ويصدق بعضه بعضًا.
* الثاني: وصف بأنه محكم على سبيل الخصوص وبأنه متشابه على سبيل الخصوص:
فالمحكم الخاص: هو ما اتضح معناه لكل أحد، ومثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة محكمان.
والمتشابه الخاص: ما خفي معناه.
وهما المذكوران في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا
[ ١٢٨ ]
فيجب إرجاع المتشابه إلى المحكم).
تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].
وهما المقصودان غالبًا إذا أطلق الإحكام والتشابه، وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال: (المحكم الذي ليس فيه اختلاف، والمتشابه الذي يكون في موضع كذا وفي موضع كذا).
قوله: (فيجب إرجاع المتشابه إلى المحكم).
هذا شأن الراسخين في العلم أنهم يرجعون المتشابه إلى المحكم؛ فيتضح المراد ويصير كله محكمًا، وهذا المتشابه الذي يمكن اتضاحه والبحث عن بيانه، وهو بهذا الاعتبار يدخل فيه المجمل كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
أما إن أريد بالمتشابه ما استأثر الله بعلمه فهذا لا سبيل إلى معرفته، ويجب الإيمان به ورده إلى الله تعالى وهي طريقة الراسخين في العلم.
وقد دلت الآية السابقة على أمرين:
* الأول: أن المتشابه قليل بالنسبة للمحكم؛ لأن الله ﷿ قال عن المحكم ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ وأمُّ الشيء بمعنى معظمه وأكثره، وأما المتشابه فذكره بلفظ يدل على التقليل، وذلك أن الله تعالى أنزل القرآن مبينًا لا لبس فيه ولا إشكال؛ ليسهل تدبره والعمل بما فيه، لكن قد يشتبه شيء منه على بعض الناس دون بعض فيحتاج إلى أهل العلم لإزالة ذلك.
[ ١٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* الثاني: أن الناس أمام التشابه فريقان:
أ أهل الزيغ والضلال عن الحق، وهؤلاء هم الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وقد قال النبي ﷺ: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» (^١).
ب الراسخون في العلم، وهم الذين يردون المتشابه إلى المحكم، ويأخذون من المحكم ما يفسر لهم المتشابه، ويقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ أي يؤمنون بأن محكمه ومتشابه حق.
واعلم أن المتشابه نوعان:
الأول: نسبي: وهو الذي يخفى على بعض الناس دون البعض.
الثاني: مطلق: وهو الذي يخفى على كل أحد.
فالأول: كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣].
فقد تشتبه هذه الآية على من يظن أن هداية الله وإضلاله ليس لها سبب، لكن هناك آيات أخرى تكشف هذا الاشتباه كما في قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾ [المائدة: ١٦].
والثاني: مثل كيفية صفات الله تعالى، فهي من قبيل المتشابه الذي لا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥).
[ ١٣٠ ]
(ومنها: ناسخ ومنسوخ،
يعلمه إلا الله، وأما معانيها فهي واضحة لا خفاء فيها، كما قال الإمام مالك ﵀ لما سئل عن استواء الله على عرشه: (الكيف غير معلوم، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة).
ومنه أيضًا حقائق ما أخبر الله به من نعيم الجنة وعذاب النار قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]
قال ابن عباس ﵄: (ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء).
تنبيه:
ينبغي أن يعلم أن البحث في المتشابه الذي استأثر الله بعلمه لا يتصل به شيء من التكليف، وكان الأولى عدم ذكره في أصول الفقه لهذا السبب، لكنهم يذكرونه في باب تتمة القول في دلالات الألفاظ، وأنواع نصوص الكتاب والسنة والله أعلم.
قوله: (ومنها): الضمير يعود على نصوص الكتاب والسنة.
النسخ في اللغة: يطلق على النقل والإزالة، تقول: نسخت ما في الكتاب أي نقلت ما فيه، وتقول: نسخت الشمس الظل أي أزالته.
وأما في الاصطلاح فله معنيان:
الأول: النسخ في اصطلاح السلف أعم من النسخ في اصطلاح المتأخرين، فنجد أن تخصيص العام يسمى نسخًا عند بعض السلف، وتقييد المطلق يسمى نسخًا، وتبيين المحكم يسمى نسخًا.
[ ١٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثاني: النسخ عند المتأخرين: وهو رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متأخر عنه.
قولهم: «رفعُ الحكمِ الثابتِ بخطابٍ»: أي بيانُ انتهاءِ العمل بالحكم الذي ثبت بدليلٍ شرعيٍّ من كتابٍ أو سنةٍ.
وقولهم: «الثابت بخطاب متقدم»: يخرج ما كان ثبوته بمقتضى البراءة الأصلية، فإن رفعه لا يسمى نسخًا.
وأدلة النسخ: من القرآن والسنة والإجماع.
أما القرآن: قال تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩].
وقال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦].
وأما السنة: فمن ذلك أن استقبال القبلة كان في أول الأمر إلى بيت المقدس ثم بعد ذلك نسخ إلى جهة الكعبة، وكذلك ما ورد في نكاح المتعة أنه كان مباحًا ثم بعد ذلك نسخ، ومنه أيضًا قول النبي ﷺ: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (^١).
وأما الإجماع فهو قائم على ذلك.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٧٧).
[ ١٣٢ ]
والمنسوخ في الكتاب والسنة قليل).
قوله: (والمنسوخ في الكتاب والسنة قليل).
اعلم أن المنسوخ قليل وأكثر نصوص الشريعة محكمة، وقد ذكر المؤلفون في الناسخ والمنسوخ آيات كثيرة، لكن منهم المكثر الذي اشتبه عليه الأمر فأدخل في النسخ ما ليس منه، ومن أسباب ذلك: هو إطلاق النسخ على الاستثناء والتخصيص والتقييد وغير ذلك مما ورد عن الصحابة ﵃ وسلف هذه الأمة، ومنهم المتحري الذي اعتمد على النقل الصحيح في النسخ، وذلك أن النسخ ليس من الأمور الاجتهادية، بل هو قائم على شروط وضوابط حددها العلماء، وبتطبيق ذلك لا يثبت النسخ إلا في آيات وأحاديث قليلة جدًا.
والحكمة من النسخ تعود إلى ثلاث حكم:
* الأولى: التوسعة ورفع الحرج.
وذلك بنسخ الأثقل إلى الأخف، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٦٥] نُسخ حكمها بقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦].
فكان المسلم في أول الأمر يجب عليه أن يصابر عشرة عند القتال ويحرم عليه الفرار ثم بعد ذلك نُسخ بوجوب المصابرة على اثنين.
[ ١٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* الثانية: تكثير الأجور.
وذلك بنسخ الأخف إلى الأثقل، ومن ذلك كان المسلم مخيرًا في الصيام في أول الأمر، فله أن يصوم وله أن يفطر ويطعم عن كل يومٍ مسكينًا ثم نسخ بعد ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
* الثالثة: الابتلاء والاختبار وتقوية الإيمان.
وذلك بنسخ المساوي إلى المساوي، ومن ذلك ما ثبت في نسخ القبلة، فإن القبلة نُسخت من بيت المقدس إلى البيت الحرام، وقد ذكر الله حكمة ذلك بقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
والنسخ يشترط له عدد من الشروط:
١ أن يكون الناسخ وحيًا من القرآن أو السنة، وعلى هذا فإن بقية الأدلة كالإجماع والقياس الصحيح لا تعتبر نسخًا، فإذا رأيت في كلام العلماء أن هذا الحكم نسخه الإجماع فالمراد بذلك مستند الإجماع؛ لأن الإجماع لابد أن يكون له مستند من الكتاب والسنة.
٢ أن يتأخر الناسخ عن المنسوخ، وذلك يعرف بطرق منها:
أ العلم بالتاريخ.
ب قول الراوي كان كذا فرُخص أو نسخ.
ج الإجماع: بأن تجمع الأمة على خلاف الخبر.
[ ١٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٣ تعذر اجتماع الناسخ والمنسوخ
ولهذا قال المؤلف: (فمتى أمكن الجمع بين النصين، وحمل كل منهما على حال وجب ذلك)، فإذا تعذر الجمع بين الناسخ والمنسوخ بأن يكونا متنافيين وتواردا على محلٍ واحد؛ فإنه يصار إلى النسخ.
٤ أن يكون المنسوخ حكمًا.
وعلى هذا فإن الأخبار والعقائد لا يدخلها النسخ، فأخبار الله وأخبار رسوله ﷺ التي توجد في القرآن، من أخبار الجنة والنار وأخبار الأمم السابقة ونحو ذلك، وما يكون يوم القيامة، فإنها لا يدخلها النسخ؛ لأن نسخ الأخبار يجعلها كذبًا، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
والنسخ ينقسم إلى قسمين:
* القسم الأول: من حيث الثقل والخفة فهذا على ثلاثة أنواع:
١ نسخ من أخف إلى أثقل.
مثل: الصيام فإن المكلف في أول الأمر كان مخيرًا بين أن يصوم أو يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا ثم نسخ ذلك إلى وجوب الصيام، قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
٢ نسخ من الأثقل إلى الأخف.
مثل: المصابر في القتال، فإنه كان في أول الأمر يجب على المسلم أن يصابر عشرة من الكفار ثم نسخ ذلك إلى أن يصابر اثنين.
[ ١٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٣ - نسخ من مساوٍ إلى مساوٍ.
مثل: النسخ في استقبال القبلة من جهة المقدس إلى جهة البيت الحرام.
* القسم الثاني: من حيث الدليل وهذا له أربع حالات:
الحال الأولى: نسخ القرآن بالقرآن.
حكمه: الجواز.
مثاله: الصيام. قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] ثم نسخ بعد ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
الحال الثانية: نسخ القرآن بالسنة المتواترة.
ومثّل له العلماء بالرضاع كما في حديث عائشة ﵂: «أول ما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخ بخمس معلومات» (^١).
الحال الثالثة: نسخ القرآن بأخبار الآحاد.
وهذه الحال موضع خلاف بين العلماء:
القول الأول: لا يجوز أن ينسخ القرآن بالسنة الآحادية وهو قول جمهور الأصوليين، وقد نقل إمامُ الحرمين الإجماعَ على ذلك، فقال: «أجمع العلماء على أن الثابتَ قطعًا لا ينسخُه مظنونٌ؛ فالقرآنُ لا ينسخُه الخبرُ المنقولُ آحادًا، والسنة المتواترة لا ينسخها ما نقله غير مقطوع به»؛
_________________
(١) رواه مسلم (١٤٥٢).
[ ١٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقالوا: لأن الأضعف لا يقوى على رفع الأقوى.
القول الثاني: جائز ولا بأس به:
١ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة ١٨٠] نسخت بحديث: «لا وصية لوارث» (^١).
٢ واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧].
٣ وقياسًا للنسخ على التخصيص.
الحال الرابعة: نسخ السنة المتواترة بالآحاد من السنة.
وهذا موضع خلاف أيضًا:
القول الأول: لا يجوز نسخ السنة المتواترة بالسنة الآحادية، وهو رأي الجمهور؛ وقالوا: لأن الأضعف لا يقوى على رفع الأقوى.
القول الثاني: يجوز أن تنسخ السنة المتواترة بالسنة الآحادية ما دام أن الدليل ثابت في ذلك؛ لما تقدم من الدليل وهو رأي الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀.
فرع:
يعرف النسخ: بالنص على النسخ، وتأخر أحد النصين المتعارضين
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٩/ ٢١٠)، والترمذي (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٧١٤)، وأبو داود (٢٨٧٠)، والنسائي (٣٦٤١).
[ ١٣٧ ]
فمتى أمكن الجمع بين النصين وحمل كل منهما على حال وجب ذلك
عن الآخر، واتفاق الصحابة على نسخ أحد النصين بالآخر، وترك الصحابة والتابعين العمل بالحديث من غير نص على النسخ.
قوله: (فمتى أمكن …).
شرع الشيخ ﵀ في التعارض وطرق درئه:
والتعارض: في اللغة بمعنى: التقابل.
وفي الاصطلاح: تقابل الدليلين بحيث يخالف أحدهما الآخر.
والجمع: هو بيان التوافق والائتلاف بين الأدلة، إما ببناء العام على الخاص أو بحمل المطلق على المقيد، أو بتأويل أحد الدليلين على معنى مناسب بلا تكلف.
قوله: (فمتى أمكن الجمع بين النصين وحمل كل منهما على حال وجب ذلك).
هذا الطريق الأول لدرء التعارض: وهو الجمع بين النصين وأنه مقدم على النسخ؛ لأن الجمع فيه إعمال لكلا الدليلين، والنسخ فيه إلغاء لأحد الدليلين، فإذا أمكن الجمع بين النصين بأن يحمل العام على الخاص والمطلق على المقيد، فإنه يجب ذلك؛ لأن الأصل إعمال الدليل لا إهماله.
ومن أمثلة ذلك: حديث زيد بن خالد الجهني أن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها» (^١)، مع حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «خير أمتي القرن الذين بعثت
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٧١٩).
[ ١٣٨ ]
ولا يعدل إلى النسخ إلا بنص من الشارع، أو تعارض النَّصَّين الصحيحين الذين لا يمكن حمل كلٍّ منهما على معنى مناسب، فيكون المتأخرُ ناسخًا للمتقدِّم،
فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم يخلف قوم يحبون السمّانة يشهدون قبل أن يستشهدوا» (^١).
ففي الأول مدح من أتى بالشهادة قبل أن تطلب منه، حيث إن النبي ﷺ أثبت الخيرية له، وفي الثاني ذمه حيث سيق مساق الصفات المذمومة، وقد جمع العلماء بينهما بأجوبة لعل من أظهرها: أن حديث زيد بن خالد محمول على شهادة لا يعلم بها صاحب الحق، فيأتي الشاهد إليه فيخبره بها؛ لأجل أن يحفظ له حقه بهذه الشهادة، أو يكون في حقوق الله التي لا مطالب لها، لا في حقوق الآدميين.
قوله: (ولا يعدل إلى النسخ إلا بنصٍ من الشارع):
هذا الطريق الثاني لدفع التعارض: وهو العدول إلى النسخ، فإذا لم يمكن الجمع بين النصين، ويمكن أن نحمل أحد الدليلين على زمن والدليل الآخر على زمن آخر، فإن المتأخر يكون ناسخًا للمتقدم، ولهذا قال المؤلف: (أو تعارض النصين الصحيحين اللذين لا يمكن حمل كل منهما على معنىً مناسب فيكون المتأخر ناسخًا للمتقدم).
ومن أمثلة ذلك: حديث بريدة أن النبي ﷺ قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها» (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٥٣٤).
(٢) سبق تخريجه.
[ ١٣٩ ]
فإن تعذر معرفة المتقدم والمتأخر رجعنا إلى الترجيحات الأُخر).
فقوله: (فزوروها): نص من الشارع على أن النهي قد نسخ.
ومثاله أيضًا: حديث الربيع بن سمرة الجهني عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة» (^١).
فقوله: (وإن الله قد حرم ذلك): هذا نص من الشارع على أن الإباحة قد نسخت.
وكذلك يثبت النسخ بخبر الصحابي كما في قول علي ﵁: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالقيام في الجنازة ثم جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس) (^٢).
وقول جابر ﵁: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار) (^٣).
قوله: (فإن تعذر معرفة المتقدم والمتأخر رجعنا إلى الترجيحات الأُخر).
هذا الطريق الثالث من طرق درء التعارض، وهو الترجيح ونعني به تقديم المجتهد أحد الدليلين المتعارضين لما فيه من مزية معتبرة، تجعل العمل به أولى من الآخر، ولا يعدل إلى الترجيح إلا إذا تعذر الجمع والنسخ، والمرجحات في المسائل كثيرة؛ لأن ما يحصل به تغليب ظن
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٤٠٦).
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٤٨٤).
(٣) أخرجه أبو داود (١٩٢)، والنسائي (١٨٥).
[ ١٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على ظنٍ آخر كثير جدًا ولا ينحصر.
ومن المرجحات:
١ الترجيح من جهة المتن: مثاله: كثرة الرواة: فيرجح الخبر الذي رواته أكثر على الخبر الذي رواته أقل، ويرجح بفقه الراوي، وكون أحد الراويين صاحب الواقعة أو له صلة قوية بما رواه، وكون أحد الراويين ممن تأخر إسلامه، وقوة الحفظ والضبط، ويقدم المسند على المرسل؛ للخلاف في حجية المرسل.
٢ الترجيح من جهة المتن: ومثاله: ترجيح الخاص على العام، والأخص من العامين على الأعم منهما، وترجيح العام المحفوظ على العام المخصوص، وترجيح ما قلت مخصصاته على ما كثرت مخصصاته، وترجيح العام المطلق على العام الوارد على سبب في غير صورة السبب، وترجيح الخبر الدال على المراد من وجهين على الخبر الدال عليه من جهة واحدة، وترجيح ما فيه إيماء إلى العلة على ما ليس كذلك، وترجيح ما سيق لبيان الحكم على الدال على الحكم بلفظه من غير أن يساق لبيانه، وترجيح الناقل عن حكم الأصل على الموافق لحكم الأصل، وترجيح ما يقتضي الحظر على ما يقتضي الإباحة، وترجيح المثبت على النافي، وترجيح النص على الظاهر، والحقيقة على المجاز، وترجيح المنطوق على المفهوم المخالف.
٣ الترجيح لأمر خارجي: ومثاله: اعتضاد أحد الخبرين بموافقة ظاهر القرآن، وترجيح القول على الفعل المجرد، وترجيح ما كان عليه عمل
[ ١٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أكثر السلف على ما ليس كذلك، وموافقة أحد الخبرين للقياس، فيقدم على ما خالف القياس، وترجيح الخبر المقترن بتفسير راويه له بقول أو فعل، دون الآخر، وتقديم المعنى الذي لا يحتاج إلى إضمار على المعنى الذي يحتاج إلى إضمار، وترجيح الحقيقة الشرعية على الحقيقة اللغوية، وتقديم التأسيس على التأكيد.
٤ الترجيح بين الأقيسة: ومثاله: تقديم القياس في معنى الأصل على قياس العلة وقياس الشبه، وتقديم قياس العلة على قياس الشبه وقياس الطرد، وتقديم القياس الذي علته مطردة منعكسة على القياس الذي علته ليست كذلك، وتقديم القياس الذي علته منصوصة أو مومأ إليها على غير المنصوصة وغير المومأ إليها، وتقديم القياس الذي علته مثبتة على الذي علته نافية، وتقديم القياس الذي ثبت حكم أصله بالنص على الذي ثبت حكم أصله بالظاهر، وتقديم القياس الموافق للأصول الثابتة في الشرع على ما ليس له إلا أصل واحد، وتقديم القياس الموافق لظاهر قرآن أو سنة أو قول صحابي على ما ليس كذلك.
وأمثلة الترجيح: حديث أسامة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الربا في النسيئة» (^١) فهذا كالصريح في نفي ربا الفضل، وورد في حديث أبي سعيد ﵁: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢١٧٨)، ومسلم (١٥٩٦).
(٢) سبق تخريجه.
[ ١٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهنا يترجح حديث أبي سعيد ﵁؛ لأن حديث أسامة رواية صحابي واحد، وأحاديث منع ربا الفضل عن جماعة من الصحابة، ورواية الجماعة من العدول أقوى وأثبت من رواية الواحد.
ومن أمثلة ذلك أيضًا: قوله ﷺ: «من مس ذكره فلا يصلّ حتى يتوضأ» (^١)، وحديث قيس بن طلق بن علي عن أبيه أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يمس ذكره أعليه وضوء فقال: «لا، إنما هو بضعةٌ منك» (^٢).
فمن قال بالترجيح رجح الأول لوجوه:
الوجه الأول: أن العمل به أحوط.
الوجه الثاني: لأنه أكثر طرقًا ومصححيه أكثر.
الوجه الثالث: لأنه ناقل عن البراءة الأصلية وهي عدم إيجاب الوضوء والناقل يقدم على المبقي؛ لأن مع الناقل زيادة علم، حيث أفاد حكمًا شرعيًا ليس موجودًا عند المبقي على الأصل.
* فائدة:
اعلم أنه لا يمكن التعارض بين النصوص الشرعية على وجه لا يمكن فيه الجمع ولا النسخ ولا الترجيح؛ قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ
_________________
(١) أحمد (٢٧٢٩٣)، وأبو داود (١٨١)، والترمذي (٨٣)، والنسائي (١٦٣)، وابن ماجه (٤٧٩).
(٢) أخرجه أحمد (١٦٢٨٦)، وأبو داود (١٨٢)، والترمذي (٨٥)، النسائي (١١٩)، وابن ماجه (٤٨٣).
[ ١٤٣ ]
ولهذا إذا تعارض قول النبي ﷺ وفعله قُدِّم قوله؛ لأنه أمرٌ أو نهيٌ للأمة، وحُمل فعله على الخصوصية له،
مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وقال سبحانه عن السنة ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣].
فالأدلة لا تتناقض، والرسول ﷺ قد بلَّغ وبيّن، ولكن قد يقع ذلك بحسب نظر المجتهد، إما لنقص في علمه، أو خلل في فهمه، وعلى هذا فأقل أحوال درء التعارض هو الترجيح، وأما القول بأنه قد تأتي نصوص لا يمكن الترجيح بينها، وحينئذٍ يتوقف المجتهد، فيه نظر ظاهر، فإنه لا بد من الترجيح إما عن طريق الإسناد أو عن طريق المتن، وهي وجوه كثيرة، ولن يعدم المجتهد وجهًا واحدًا يدرأ التعارض.
قوله: (ولهذا إذا تعارض …).
شرع المؤلف ﵀ في حكم تعارض قول النبي ﷺ وفعله، وموضوع تعارض القول والفعل اهتم به الأصوليون، بل أفردوا فيه مصنفات مستقلة ومن ذلك كتاب (تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال والأفعال) للحافظ العلائي.
فإذا تعارض قول النبي ﷺ وفعله قُدم قوله؛ لأنه خطاب للأمة وحمل فعله على الخصوصية، وهذا ما قرره الشيخ ﵀ وقال به بعض الأصوليين.
وفيه نظر لأمرين:
الأول: أن حمل الفعل على الخصوصية يحتاج إلى دليل؛ لأن الأصل عدمها، كما سيأتي إن شاء الله، ويؤيد ذلك أنه جاءت بعض الأفعال المعارضة للقول، ولا يصح حملها على الخصوصية كما سترى.
[ ١٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثاني: أن الحكم بالخصوصية يفضي إلى ترك العمل بشطر السنة، وهي السنة الفعلية.
والأظهر في هذه المسألة:
أنه إذا تعارض القول والفعل وقام دليل على أن الفعل خاص به ﷺ حكم بها، كحديث أبي هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال) فقال رجلٌ من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل؟ قال: «وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» (^١).
فهذا دليل واضح على أنه لا تعارض بين وصاله ونهيه عن الوصال؛ لأن الوصال مختص به، وهذا على أحد الأقوال في المسألة.
فإن لم يوجد دليل على الخصوصية فإننا لا نحكم بها؛ لأن الأصل التأسي بالنبي ﷺ ومشاركة الأمة له في الأحكام إلا ما دل الدليل على تخصيصه به، ولا ريب أن الأصل في التشريع وخطاب الأمة هو القول ولا يتطرق إليه في الاحتمالات ما يتطرق للفعل، لكن إذا أمر النبي ﷺ بأمر وفعل خلافه، أو نهى عن شيء وفعله، فإما أن يكون الفعل مخصصًا للقول، أو محمولًا على بيان الجواز، أو أنه ناسخٌ للقول إلى غير ذلك مما تتم معرفته باستقراء مواضع التعارض والنظر في الأدلة، والقرائن التي يستفاد منها في تحديد المراد.
ومن أمثلة ذلك:
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٩٦٥)، ومسلم (١١٠٣).
[ ١٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ما روى أبو سعيد الخدري وأنس بن مالك ﵄: «أن النبي ﷺ زجر عن الشرب قائمًا» (^١)، وفي لفظ: «نهى أن يشرب الرجل قائمًا» (^٢).
وفي حديث النزال بن سبرة قال: أتى علي رضي الله على باب الرحبة بماءٍ فشرب قائمًا، فقال: (إن ناسًا يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإني رأيت النبي ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت) (^٣).
فنهيه ﷺ عن الشرب قائمًا، وشربه قائمًا بينهما تعارض في الظاهر، ولا يمكن حمل الفعل على الخصوصية؛ لفعل علي ﵁، والظاهر أن النهي محمول على التنزيه، وشربه قائمًا إنما هو لبيان الجواز، ولا يكون مكروهًا في حقه أصلًا، ويؤيد ذلك حديث ابن عباس ﵁ قال: (سقيت النبي ﷺ من زمزم فشرب وهو قائم) (^٤).
ومن الأمثلة أيضًا ما ثبت في حديث أبي هريرة وعائشة ﵄: أن النبي ﷺ قال: «توضؤا مما مست النار» (^٥).
وقد عارض ذلك ما ورد عن ابن عباس ﵄ أنه ﷺ: (أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ) (^٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٠٢٤)
(٢) أخرجه مسلم (٢٠٢٤).
(٣) أخرجه البخاري (٥٦١٥).
(٤) أخرجه البخاري (١٦٣٧).
(٥) سبق تخريجه.
(٦) سبق تخريجه.
[ ١٤٦ ]
فخصائص النبي ﷺ تنبني على هذا الأصل، وكذلك إذا فعل شيئًا
وقال جابر ﵁: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار) (^١).
فذهب بعض الصحابة ومنهم الخلفاء الأربعة ﵃ وكذا الأئمة الأربعة ﵏ إلى أنه لا يجب الوضوء مما مست النار؛ لأنه لا يتعارض الفعل والقول، ولما كان الفعل متأخرًا صار ناسخًا للقول؛ لأنه يشمل النبي ﷺ، لأن المخاطب يدخل في عموم خطابه على الراجح ما لم يرد دليل على خلافه، فالقول بالنسخ هنا قوي.
وقوله: (فخصائص النبي ﷺ تبنى على هذا الأصل).
ظاهره أن التعارض بين قوله ﷺ وفعله هو الطريق الوحيد لمعرفة الخصائص النبوية، ولعل هذا غير مراد، فإن كثيرًا من الخصائص مجردة عن التعارض، بل إن من الخصائص ما ثبت بالنص، كقوله تعالى عن النكاح بلفظ الهبة: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وكما تقدم في الوصال وغير ذلك مما هو مقرر في محله.
قوله: (وكذلك إذا فعل …).
تقدم أن السنة قول وفعل وتقرير، وقد انتهى الكلام على القول، وأشار هنا إلى الفعل، وأفعال النبي ﷺ تنقسم إلى أقسام:
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ١٤٧ ]
على وجه العبادة ولم يأمر به فالصحيح أنه للاستحباب، وإن فعله على وجه العادة، دل على الإباحة
* القسم الأول: ما فعله النبي ﷺ على وجه الطاعة والقربة والعبادة، فالراجح أنه مستحب، فنفعل مثل فعله، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وما فعله النبي ﷺ على وجه التعبد فهو عبادة، يشرع التأسي به فيه، فإذا خصص زمانًا أو مكانًا بعبادة، كان تخصيصه تلك العبادة سنة) (^١).
ومن أمثلة ذلك صلاة التطوع وصدقة التطوع، ومنه ما ورد عن شريح بن هانئ قال: سألتُ عائشة قلت: بأيِّ شيءٍ كان يبدأ به ﷺ؟ قالت: (بالسواك) (^٢).
وكذلك ما ورد من حديث ابن عمر ﵄ قال: (حفظت عن رسول الله ﷺ عشر ركعات، ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر) (^٣).
* القسم الثاني: ما فعله النبي ﷺ على وجه الجبلة والطبيعة البشرية مثل: القيام، والقعود، وحركة اليد في أثناء المشي، والنوم، والاستيقاظ، والأكل، والشرب، فنقول: هذه الأشياء لا حكم لها في ذاتها؛ فهذا النوع يفيد الإباحة عند الجمهور ولا يتعلق به أمر ولا نهي؛ لأن الرسول ﷺ فعله
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» ١٠/ ٤٠٩.
(٢) أخرجه مسلم (٢٥٣).
(٣) أخرجه البخاري (١١٨٠)، ومسلم (٧٢٩).
[ ١٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
من غير قصد إلى القربة به، ولأنه ليس من باب التكليف ولم يفعله النبي ﷺ للتشريع فليس لنا أن نتأسى به، لكن إذا وردت السنة بتقييد هذه الصفات والهيئات فإنه يتقيد بهذه الصفات والهيئات، وقد يكون التقييد واجبًا وقد يكون مستحبًا، فإذا كان لهذا الفعل هيئة معينة كصفة أكله وشربه ونومه ونحو ذلك فهذا له حكم شرعي كما دلت عليه النصوص.
* القسم الثالث: ما فعله النبي ﷺ على سبيل العادة مثل: اللباس، كلبس العمامة، ولبس الإزار والرداء، وترك الشعر فهذه الأشياء فعلها النبي ﷺ موافقة لأهل بلده فنقول: لا يستحب المتابعة في ذلك؛ لأن اللباس منظور فيه إلى العادة، ولو قلنا بأن الإنسان يلبس الآن ما لبسه النبي ﷺ في زمنه وذاك اللباس يخالف اللباس في بلده لكان هذا من لباس الشهرة فيكون منهيًا عنه، وعندنا قاعدة وهي: ما فعله النبي ﷺ موافقًا لأهل بلده فهذا لا يستحب الاقتداء به، وإذا قدرت أن النبي ﷺ فعله مخالفًا لأهل بلده فهذا يستحب فيه الاقتداء.
* القسم الرابع: ما فعله النبي ﷺ بيانًا لمجمل، فهذا النوع من الأفعال لا خلاف في أنه لا يخرج عن الوجوب أو الندب، وحكمه حكم المبين، فإن كان المبين واجبًا كان الفعل واجبًا، وإن كان مندوبًا فمندوب؛ لأن المقصود به البيان والتشريع، كأفعال الصلاة، ومناسك الحج وغير ذلك، وهذا هو المشهور عند أكثر الأصوليين.
ومن ذلك أيضًا مسح الرأس حكمه الوجوب؛ لقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ
[ ١٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ..﴾ [المائدة: ٦] والنبي ﵊ مسح على رأسه كله.
ومثال المندوب: قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فالنبي ﵊ كما في حديث جابر رضي عنه أتى إلى مقام إبراهيم وصلى خلفه ركعتين (^١).
* القسم الخامس: ما دل الدليل على أنه خاص بالنبي ﷺ، فإذا قام الدليل على أنه خاص به ﵊ فهذا لا خلاف في عدم جواز التأسي به فيه.
ومن ذلك زواج المرأة بلا مهر فهذا خاصٌ بالنبي ﷺ، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
ومن ذلك الزيادة على أربع في الزواج، وهذا خاص بالنبي ﷺ ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
ومن ذلك الوصال في الصيام فهذا خاص بالنبي ﷺ، ويدل عليه حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن الوصال فقام رجل من المسلمين فقال: فإنك يا رسول الله تواصل؟ فقال النبي ﷺ: «وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» (^٢).
_________________
(١) رواه مسلم (١٢١٨).
(٢) سبق تخريجه.
[ ١٥٠ ]
وما أقره النبي ﷺ من الأقوال والأفعال حكم عليه بالإباحة أو غيرها على الوجه الذي أقره.
قوله: (وما أقره النبي ﷺ من الأقوال والأفعال حكم عليه بالإباحة أو غيرها على الوجه الذي أقره).
التقرير: هو ترك الإنكار على ما علم به من قول أو فعل، والتقرير حجة؛ لأنه قسم من أقسام السنة النبوية، وقد نقل الحافظ ابن حجر الاتفاق على الاحتجاج به، ودليل حجيته: أن النبي ﷺ معصوم عن أن يقر أحدًا على خطأ أو معصية فيما يتعلق بالشرع، ولأنه ﷺ لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وشرط حجيته: أن يعلم بوقوع الفعل أو القول، وذلك بأن يقع بحضرته أو في زمنه وهو عالم به لانتشاره انتشارًا يبعد معه ألا يعلم به.
وحكمه: الإباحة وقد يفيد الوجوب أو الاستحباب عن طريق دليل آخر.
ومن أمثلة ذلك أن أنس بن مالك ﵁: سئل وهو غادٍ إلى عرفة كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ؟ فقال: (كان يهل منا المهلّ فلا ينكر عليه، ويكبر منا المكبر فلا ينكر عليه) (^١).
فهذا يدل على أن الحاج مخير في هذا اليوم بين التكبير والتلبية؛ لتقرير النبي ﷺ لهم على ذلك.
ومن ذلك قول ابن عباس ﵄: (أقبلت راكبًا على حمارٍ أتان، وأنا
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٦٥٩).
[ ١٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد) (^١).
فهذا يدل على أن المرور بين يدي المأموم لا يضر؛ لأن ابن عباس ﵄ استدل بترك الإنكار على جواز ذلك.
ومن ذلك إقراره ﷺ أبا بكر ﵁ على قوله بإعطاء سلب القتيل لقاتله (^٢).
فرع:
إقرار الله ﷿ زمن نزول الوحي: حجة، ولذلك استدل الصحابة ﵃ على جواز العزل بإقرار الله لهم عليه، قال جابر ﵁: (كنا نعزل والقرآن ينزل) (^٣)، وزاد مسلم: قال سفيان: (ولو كان شيئًا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن).
ويدل على أن إقرار الله حجة، أن الأفعال المنكرة التي كان المنافقون يخفونها يبينها الله تعالى وينكرها عليهم، فدل على أن ما سكت الله عنه ولم ينكره جائز.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٩٣)، ومسلم (٥٠٤).
(٢) أخرجه البخاري (٣١٤٢)، ومسلم (١٧٥١).
(٣) أخرجه البخاري (٥٢٠٨)، ومسلم (١٤٤٠).
[ ١٥٢ ]
فصل