ويزول ذلك بمعرفة المقدار وتفسيره، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
فإن هذه الآية مجملة لم يبين فيها المقدار المطلوب في الزكاة، ثم جاءت السنة مبينة للمقدار الواجب في الزكاة كما في قول النبي ﷺ: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر» (^١).
وقوله: (فما أجمله الشارع وبينه ووضحه في موضعٍ آخر وجب الرجوع فيه إلى بيان الشارع).
وقول المصنف يدلنا على أمرين:
* الأول: وقوع المجمل في الكتاب والسنة، كما في آيات الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك، وحكمة ذلك والله أعلم بالنسبة للوضع
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب العشر فيما يسقى من السماء، رقم: ١٤٨٣.
[ ١٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العربي: تشويق النفس إلى البيان وتشوفها إلى المقصود، فإذا تبين الشيء اتضح ورسخ في الذهن أكثر مما لو ورد اللفظ مبينًا من أول مرة، وأما بالنسبة للحكم الشرعي: فإن سامع المجمل يستعد ويعقد العزم على العمل بالمجمل حتى يحصل بيانه، فيؤجر على نيته وعزمه.
* الثاني: أن المجمل قد حصل بيانه من الشارع، فلم يترك البيان عند الحاجة إليه أبدًا، وذلك أن ما يثبت به التكليف العملي ويتصل به الفقه، فإنه يستحيل استمرار الإجمال فيه، فلابد أن يكون الشارع قد بينه، فإن كان البيان وافيًا قطعيًا انتقل من وصف (المجمل) إلى وصف (المبين)، وإن بينه الشرع ببعض البيان مع بقية خفاء، صار في قسم المشكل فيحتاج إلى نظر واجتهاد لإزالة إشكاله ومعرفة المراد منه، وكأن الشارع لما بين ما أجمله بعض التبيين فتح الباب للتأمل والاجتهاد لمعرفة المعنى المقصود من ذلك، كالربا فإنه ورد في القرآن مجملًا وبينته السنة النبوية بحديث الأصناف الستة التي يجري فيها الربا، ولكن هذا البيان فيه بقية خفاء لأنه لم يحصر الربا فيها، فجاز الاجتهاد لبيان ما يمكن أن يقاس على الأصناف المنصوص عليها.
* * *
[ ١٢٤ ]
(وقد أُجمل في القرآن كثير من الأحكام وبينتها السنة، فوجب الرجوع إلى بيان الرسول ﷺ فإنه المبين عن الله.
ونظير هذا: أن منها محكمًا ومتشابهًا،
قوله: (وقد أُجمل …).
معنى ذلك أن كثيرًا من الأحكام الشرعية جاءت مجملة في القرآن، فبينها النبي ﷺ بقوله أو بفعله أو بقوله وفعله كما في الصلاة والصوم والزكاة والحج وغير ذلك، ولم يترك النبي ﷺ البيان عند الحاجة إليه أبدًا، بل ترك الأمة على شريعةٍ بيضاء نقية ليلها كنهارها، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
وقال النبي ﷺ: «قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (^١).