* ترتيب الأدلة.
* الإجتهاد والتقليد.
الدرس ٢٣
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد - ﷺ - وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد قال المصنف رحمه الله تعالى فصل في ترتيب الأدلة وأما ترتيب الأدلة وترجيحها فإنه يبدأ بالنظر في الإجماع بعد أن أنهى المصنف رحمه الله تعالى ما يتعلق بالقياس والاستدلال شرع في بيان بعض المسائل المتعلقة بهذه الأدلة المذكورة السابقة لماذا؟ لأنه قد يقع نوع تعارض في مفهومات هذه الأدلة الكتاب أو السنة والإجماع أو القياس أو الاستدلال أو الاستصحاب إلى آخره كل ما ذكره مما يمكن الاعتماد عليه في الاستنباط قد يقع في الظاهر أما في الحقيقة فليس ثم تعارض أو تناقض في الأدلة لأنها كلها وحي كتاب وسنة لا يتعارضان أبدًا في نفس الأمر لا يمكن أن يُقال بالتعارض وإنما في رأي وظن المكلف قد يقع نوع تعارض إذًا نقول باب ترتيب الأدلة وترجيحها هذا يتعلق بنظر المكلف الناظر في الكتاب والسنة والإجماع والقياس قد يبدو له في فهمه الخاص أن ثم تعارض بين الآية كذا والآية الأخرى وبين الكتاب وبين السنة أو أن الخبر يعارض الإجماع أو العكس نقول هذا ليس في نفس الأمر ليس في حقيقة الأمر لماذا؟ لأن هذه الأدلة الأربعة كلها متفقة لماذا؟ لأنها من لدن حكيم عليم والقرآن لا اعترضا فيه أو لا تعارض ولا تناقض ولا اطراد ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ أما السنة فلا يمكن أن تعارض الكتاب لأنها وحي ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴿٣﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ كذلك الإجماع لا يمكن أن يكون في الإجماع ما هو متعارض مع الكتاب والسنة لأن الإجماع هذا دليل العصمة عصمة الأمة من الاتفاق على باطل أو على خطأ كذلك القياس لا يمكن أن يقع مخالفًا للكتاب ولا السنة ولا الإجماع وكل ما يُدعى من القياس أنه مخالف للخبر فهو باطل فاسد إذا لا تعارض بين القياس الصحيح وبين نص صريح لا يمكن أن يقع تعارض وما اشتهر على ألسنة بعض الفقهاء فهو ليس بصحيح، إذًا عقد المصنف هذا الفصل لبيان ترتيب الأدلة من حيث النظر ومن حيث الترجيح عند التعارض لأن الأدلة الشرعية المتفق عليها أربعة كتاب والسنة ولإجماع والقياس هذه أربعة وغن جعل المصنف الاستصحاب بدلًا من القياس لكن الأولى أن يُجعَل القياس بدلًا من الاستصحاب هذه الأدلة أربعة من حيث وجوب العمل بها فهي في مرتبة واحدة من حيث وجوب العمل بها فهي في مرتبة واحدة إذًا الكتاب والسنة والإجماع والقياس كلها يجب العمل بها حينئذ تكون في مرتبة واحدة لأن الاحتجاج شيء واحد والعمل شيء واحد فإذا وجب العمل بالكتاب وجب العمل بالسنة ووجب العمل بالإجماع ووجب العمل بالقياس حينئذ العمل شيء واحد إذًا هذه الأدلة أربعة من حيث وجوب العمل والاحتجاج بها فهي في مرتبة واحدة، وأما من حيث المنزلة والمكانة فلا شك أن كلام الله مُقدم على كلام رسول الله - ﷺ - ولا شك أن السنة بنوعيها المتواترة الآحاد مُقدمة على الإجماع ولا شك أن الإجماع مُقدم على القياس إذًا من حيث المنزلة والمكانة ثم تفاوت كتاب أولًا مُقدم ثم السنة ثم الإجماع قم القياس وأما من
[ ٢٣ / ١ ]
حيث الاحتجاج والعمل فهي في مرتبة واحدة وأما من حيث النظر والبحث ثم إذا نزلت نازلة أو حلت حادثة بالمجتهد حينئذ هذا الفصل معقود بهذه المسألة فيما إذا نزلت نازلة في أي هذه الأدلة الأربعة يبدأ؟ نقول قدم المصنف هنا الإجماع يعني يُبدأ بالإجماع ثم الكتاب ثم السنة الكتاب ثم السنة المتواترة ثم أخبار الآحاد ثم قياس النصوص والأصح كما هو طريقة السلف النظر أولًا في الكتاب ثم في السنة ثم في الإجماع ثم في القياس على الترتيب في المنزلة والمكانة إذًا لا فرق بين الأدلة الأربعة من حيث مكانة والمنزلة ومن حيث النظر والبحث فيها وبذلك استدلوا بحديث معاذ - ﵁ - وإن كان فيه خلاف في ثبوته إلا أن أكثر أهل العلم على تلقيه وقبوله أن النبي - ﷺ - معاذ إلى اليمن قال فبما تحكم؟ قال بكتاب الله قال فإن لم تجد قال فبسنة رسول الله - ﷺ - قال فإن لم تجد؟ قال فأجتهد رأيي ولا آلو قال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسوله هذا الحديث جعله أهل العلم وأهل الأصول على جهة الخصوص عمدة في هذا المقام فيُنظَر أولًا في الكتاب فإن لم يجد ففي السنة فإن لم يجد فبالإجماع فإن لم يجد فالقياس الصحيح.
[ ٢٣ / ٢ ]
قال رحمه الله تعالى فصل وأما ترتيب الأدلة كأنه عطف على ما سب يعني لما فصّل لك الأدلة من حيث المفهومات الكتاب والمراد بها ثم يكون مجازًا وحقيقة معربًا إلى آخره ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس قال أما ترتيب هذه الأدلة ولمراد بالأدلة هنا جمع دليل والمراد به الكتاب والسنة ولإجماع والقياس لأن الأحكام الشرعية إنما تُؤخذ من هذه الأدلة الأربعة وما ترجّح من الأدلة المُختَلف فيها فيُضم إلى هذه إلا أنه ثم فرق من حيث الاتفاق والاختلاف لأن هذه الأدلة الأربعة متفق عليها الكتاب والسنة ولإجماع والقيا مُجمع عليه والخلاف حادث والغريب أن كثير من الأصوليين والفقهاء إذا ذكروا الظاهرية قالوا لا يعتد بهم في إجماع ولا يُلتفت إليهم وليسوا بعلماء فإذا قالوا في حجية القياس ومعلوم أن لم يخالف إلا الظاهرية قالوا القياس حجة على قول الجمهور إذًا رعوهم في هذا التوقيت أن القياس حجة على قول الجمهور ولا يحكون الاتفاق قل من حكا الاتفاق وإذا جاءوا في مسائل الإجماع ومسائل الخلاف في الفقه وتعرضوا للظاهرية قالوا ليسوا من أهل العلم في شيء لا يعتد بهم في الإجماع، وأما ترتيب الأدلة إذًا الأدلة المراد بها الكتاب والسنة والإجماع والقياس لأنها تثبت بها الأحكام الشرعية إذا لا حكم شعري إلا بما جاء به الشرع ولذلك ننسبه إلى الشرع نقول حكم شرعي إذًا فما جاء من الشرع فه الحكم الشرعي وما ليس كذلك فليس بحكم شرعي كل ما كان من الوحي فهو من الدين وما ليس كذلك فليس من الدين هذا هو القاعدة، وأما ترتيب الأدلة والمراد بالترتيب هنا جعل كل دليل في رتبته التي يستحقها بوجه من الوجوه، وترجيحها يعين ترجيح بعضها على بعض عند وقوع الخلاف عند وقوع التعارض أو ما يسمى بالتناقض والتمانع وهذا قلنا باعتبار نظر المجتهد وأما الأدلة أنفسها فليس فيها تناقض البتة وليس فيها تعارض البتة لماذا؟ لأنها من لدن حكيم حكم شرعي من السماء من الله جل وعلا لا حاكم إلا الله سواء كان الحكم ظهر عن طريق الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس الحاكم هو الله جل وعلا سواء كان مباشرة أو بواسطة بواسطة بالسنة أو إجماع أو قياس إذًا ترجيحها ترتيب الأدلة جعل كل دليل في رتبته التي يستحقها بوجه من الوجوه وأما ترجيح فهو تقوية أحد الدليلين على الآخر وهذا إذا حصل نوع تعارض لأن التعارض إنما يُدفَع بأمور ومنها الترجيح وحقيقة التعارض كما سينص عليه المصنف في اللغة التقابل والتمانع كل منهما يقابل الآخر هذا نص يقابل الآخر ويُحرم ونص آخر في محل الحكم نفسه يقابل الأول ويُحلل إذًا حصل بينهما تقابل وتمانع يعني المعنى اللغوي موجود في المعنى الاصطلاحي، وأما في الاصطلاح فالتعارض هو تقابل الدليلين على سبيل الممانعة يكون هذا حاظر وهذا مُبيح والمحل واحد والزمن واحد حينئذ نقول حصل تمانع وحصل تعارض ولكن في نفس الأمر ليس ثم تعارض وليس ثم تناقض بل هو في نظر المجتهد والتعارض حقيقته السابقة في الاصطلاح تقابل الدليلين هذا نوعان تقابل كلي تعارض كلي وتعارض جزئي التعارض الكلي إن كان التعارض بين الدليلين من كل وجه بحيث لا يمكن الجمع بينهما فهذا هو التناقض لا يمكن الجمع بينهما فحينئذ إن عُلم
[ ٢٣ / ٣ ]
التأريخ فيكون الثاني ناسخًا للأول إذا لم يمكن الجمع بين الدليلين حينئذ لا يُعدل إلى ترجيح وإنما يُعدل إلى النسخ فمرتبة النسخ سابقة على مرتبة الترجيح وهنا قال ترتيب الأدلة وترجيحها إذًا مرتبة النسخ سابقة على مرتبة الترجيح، النوع الثاني التعارض الجزئي وهو إن كان التعارض بين الدليلين من وجه دون وجه بحيث يمكن الجمع بينهما كما هو في تعارض الخاص والعام حصل نوع تعارض أو لا؟ حصل تعارض فيما خصه الخاص، الدليل الخاص إذا دل على فرض دل العام على خلافه نقول حصل نوع عارض لكنه ليس من كل وجه وإنما من بعض الوجوه فالأفراد التي لا يشمله الدليل الخاص لم يقع تعارض بينها وبين الدليل الخاص اللفظ العام يدل على أفراد والدليل الخاص يدل على استثناء بعض تلك الأفراد حصل تعارض في نفس الأفراد التي دل عليها الدليل الخاص وما عدا ذلك فليس ثم تعارض ولذلك نقول هو متعارض من وجه دون وجه بحيث يمكن الجمع حينئذ يُقدَم الخاص على العام وكذلك التعارض بين المطلق والمقيد فيُحمل المطلق على المقيد بشرطه إذًا التعارض الذي هو التقابل بين دليلين على سبيل الممانعة قد يكون كليًا من كل وجه وقد يكون من وجه دون وجه، الأول ما يُعبر عنه بالتناقض حينئذ يُعدَل إلى الناسخ والمنسوخ والثاني أن يكون محتملًا للجمع يعني الجمع ممكن وهذا فيما إذا كان التعارض ن وجه دون وجه إذًا ظهر تعارض بين الأدلة الشرعية فإن كان بين خبرين فأحدهما باطل يعني ليس في باب الأمر والنهي وإنما فيما هو من قبيل الأخبار كالقصص والأسماء والصفات إلى آخره هذا مقام الأخبار حينئذ نقول ما احتمل الصدق أو الكذب إذا حصل تعارض مع خبر آخر تناقض من كل وجه حينئذ نقول هذا يدل على أن أحد الخبرين باطل إما لعدم ثبوته في نفسه وإما لكونه منسوخًا باطل لماذا؟ لأن المنسوخ باطل هذا حكمًا شرعيًا نُسب إلى الله جل وعلا ثم لم ارتفع حينئذ نقول هو ليس بشرع وإذا لم يكن بشرع حينئذ لا يجوز الحكم به فصار باطلًا من هذه الحيثية، وإن كان بين الخبر والقياس حصل تعارض بين الخبر والقياس فلا يخلو إما أن يكون هذا الخبر غير صحيح إما من جهة المتن وأما من جهة السند وإما أن يكون القياس فاسدًا لأنه لا يمكن أن يقع تعارض بين خبر وقياس ولا يمكن أن يأتي القياس مخالفًا للشرع لأنه دليل شرعي صحيح وإذا كان دليلًا شرعيًا يُنسب الحكم فيه إلى الله جل وعلا وإن كان المُجتهد هو الذي استنبط أو اكتشف هذا الحكم لأن المجتهد باجتهاده ليس بمُشرِّع حينئذ إذا استنبط وقاس بعلة أو بحكم شرعي وكانت النتيجة كذا التحريم أو إيجاب إلى آخره فالتحريم والإيجاب لا يُنسب إلى المجتهد وإنما يُقال حكم شرعي ما وظيفة المجتهد؟ كاشف ومُظهر لحكم الله بواسطة ماذا؟ بواسطة دليل شرعي وهو القياس وعليه إذا تقرر هذا لا يمكن أن يُقال إن الخبر يعارض القياس أو هذا القياس على خلاف الأصل وإنما نقول القياس هو الخبر سيان لأنهما شرعيان إذًا إذا كان التعارض بين الخبر والقياس فلا يخلو إما أن يكون هذا الخبر غير صحيح وإما أن يكون القياس فاسدًا لم يستوف أركان القياس، لا يقع التعارض بين دليلين قطعيين الدليل القطعي مع الدليل القطعي لا يمكن التعارض لماذا؟
[ ٢٣ / ٤ ]
لأن القطع معناه الجزم والجزم معناه أنه لا يحتمل غير ما دل عليه الدليل القطعي حينئذ كيف يدل الدليل القطعي على مسالة ما ثم يأتي دليل قطعي آخر يدل على ضده في محل واحد هذا مستحيل هذا لا يمكن إذًا لا يقع التعارض بين الدليلين قطعيين مطلقًا سواء كان الدليلان شرعيين سمعيين أو عقليين أو مختلفين يعني أحدهما القطعي يكون نقليًا سمعيًا ويكون الآخر عقليًا ولذلك نقول أيضًا لا تعارض بين العقل وبين الشرع العقل الصريح لا يناقض النقل الصريح يعني لا يعارضه من كل وجه لماذا؟ لأن الذي شرع هو خالق العقل فحينئذ لا يمكن أن يأتي بما يعارض العقل أصلًا وإذا حصل نوع تعارض فإما النقل ليس صحيح وإما بنظر العقل فهو غير صريح وإنما يكون محتملًا، وهذا متفق عليه يعني أجمع أهل العلم على أنه لا يقع التعارض بين دليلين قطعيين مطلقًا سوءا كان الدليل القطعي عقليًا أو سمعيًا دليلين قطعيين سمعيين أو عقليين أو مختلفين هذا لا يمكن أن يقع لأن التعارض تعارض القطعيين يلزم منه اجتماع النقيضين وهو محال لأن كل منهما يدل على عدم احتمال ما دل عليه والآخر يدل على نقيضه ولا يمكن أن يكون الشيء ونقيضه في وقلت واحد.
[ ٢٣ / ٥ ]
لا تعارض بين قطعي وظني لأن الظن صار لغوًا والظن تجويز امرئ أمرين مُرجحًا لأحد الأمرين فالراجح المذكور ظنًا يسمى والطرف المرجوح يسمى وهما حينئذ إذا كان ظنًا راجحًا ودل الدليل القطعي على عدمه لا يمكن أن يقدم الظن على القطع بل دل الدليل القطعي على أن هذا الظن لغو ولا عبرة به حينئذ لا يمكن أن يقدم الظن على القطع، والظن لا يرفع اليقين الظن لغو وهو لا يرفع اليقين إذًا ماذا بقي إذا قيل لا تعارض بين قطعيين ولا بين قطعي وظني ماذا بقي؟ بين الظنيين إذًا التعارض يحصل بين ظنيين دليلين كل منهما ليسا قطعي ظني وظني هذا هو المشهور عند الأصوليين وبعضهم يرى أن إذا وقع تعارض بين قطعي وظني يُسلم بوجوده وحينئذ يكون القطعي مقدمًا يحصل يعني يوجد اهو قطعي وما هو ظني ويحصل التعارض ولكن اتفاقًا أن القطي مقدم على الظن حينئذ يكون باب تحصيل الحاصل، إذًا محل التعارض هو الظنيات فيقع التعارض بين دليلين ظنيين، إذًا قوله وأما ترتيب الأدلة وترجيحها نقول الترجيح هو تقوية أحد الدليلين على الآخر لماذا؟ لوقوع التعارض بينها ومحل الترجيح هو الظنيات إذ الترجيح فرع التعارض لا نقول بترجيح أحد الدليلين على الآخر إلا إذا وقع التعارض إذًا أيهما أصل وأيهما فرع؟ نقول التعارض أصل والترجيح فرع، لا يُصار إلى الترجيح بين الأدلة المتعارضة إلا بعد محاولة الجمع بينها هذه قواعد عامة لابد منها لأن المصنف غير مرتب، لا يصار إلى الترجيح يعني لا نقول بالترجيح إلا إذا وقع التعارض لأن الترجيح فرع التعارض ثم لا يُصار إلى ترجيح بين الأدلة المتعارضة إلا بعد محاولة الجمع بينها هذا هو الأصل لأن الأصل إعمال كل دليل في محله فإذا أمكن الجمع بين الدليلين فلا يجوز طرح أحدهما البتة لأنك لو رجحت أحد الدليلين على الآخر أبطلت أحد الدليلين والأصل وجوب العمل بكل دليل ولكن لما حصل نوع تعارض ولم يُمكن الجمع بهما مطلقًا كل دليل على ما دل عليه حينئذ يلزمنا العمل بالدليلين معًا وإهدار صورة التعارض فيما بينهما، إلا بعد محاولة الجمع بينهما فإن الجمع مُقدم على الترجيح لماذا؟ لأن الترجيح طرح أحد الدليلين فإذن أمكن الدمع وزال التعارض امتنع الترجيح إن أمكن الجمع وزال يعني دون تعسف وكلفة جمع يقابل أو يؤيده أنه لا يعارض الشرع من حيث الخفة والثقل في الحكم، فإن أمكن الجمع وزال التعارض امتنع الترجيح ومتى امتنع الجمع بين المتعارضين وجب الترجيح إذًا يحصل التعارض أولًا ثم لابد من الجمع فإن لم يمكن الجمع نعدل إلى الترجيح ولا يجوز تقديم الترجيح على الجمع لماذا؟ لأن الترجيح يتضمن طرح أحد الدليلين فإذا قدم أحد الدليلين على الآخر حينئذ يكون قد أهمل دليلًا والأصل فيه وجوب والعمل به، ولا يجوز الترجيح بدون دليل لماذا؟ لأنه تحكم والتحكم مضاف لأن مبناه على الهوى والتشهي لا تقول هذا مُقدم على هذا وهذا أرجح من هذا ثم ما دليل الترجيح؟ قال هكذا هي جاءت هكذا نقول هذا هوى وتشهي وهو آثم ولو أصاب الحق إذًا هذه قواعد لابد من الوقوف عليها أولًا.
[ ٢٣ / ٦ ]
قال رحمه الله تعالى وأما ترتيب الأدلة وترجيحها فإنه يبدأ أي الناظر المجتهد ليس كل أحد وإنما الناظر المجتهد الذي تأهل أن ينظر في نصوص الكتاب والسنة فإذنه يبدأ بالنظر في الإجماع هنا قدم الإجماع على الكتاب والسن والأصلح أنه يبدأ بالنظر في الكتاب كما هي طريقة السلف كنوا يبحثون أولًا في الكتاب فإن لم يجدوا ففي السنة فإن لم يجدوا انتقلوا إلى ما اتفقوا عليه ثم القياس وهنا قدمه لما سيذكره أنه لا يحتمل تأويلًا ولا يقبل نسخًا، فإنه يبدأ بالنظر في الإجماع فإن وجد إجماعًا على المسألة لم يُحتج إلى غيره لا إلى كتاب ولا إلى سنة ولا إلى قياس لأن الإجماع صريح والمراد به هنا الإجماع القطعي الصريح لا السكوتي، فإن خالفه نص من كتاب أو سنة عُلم أنه منسوخ أو مُتأوّل يعني أول ما يبدأ بالنظر يبحث عن الإجماع فإن وُجد الإجماع ووجد تعارض المجتهد وجد تعارضًا بين الإجماع ونص الكتاب أو السنة قال الإجماع مقدم ودل على أن دليل الكتاب مُتأوّل قطعًا ودليل السنة إما أنه صحيح فهو مُتأوّل وإما يدل على أنه ليس بصحيح لماذا؟ للعلة التي ذكرها، لأن الإجماع قاطع وهذا دليل على أنه أراد الإجماع الصريح القولي وليس الإجماع السكوتي لأنه ظني لا يقبل – الإجماع - لا يقبل نسخًا لا يُنسخ ولا تأويلًا لأنه نص والنص لا يقبل التأويل، إذًا هذا هو النظر الأول ينظر في الإجماع فإذا وجد الإجماع لا يحتاج إلى غيره البتة لا دليل تاب ولا سنة ثم إن وجد الإجماع قد يجد معه دليل آخر من كتاب أو سنة معارض أو لا فإن لم يُعارَض الإجماع فلا إشكال حينئذ صار الإجماع مجردًا عن التعارض فإن عورض بدليل من كتاب أو سنة حينئذ علمنا أن دليل الكتاب متأوّل يعني يجب تأويله يعين مصروف عن ظاهره فيكون حينئذ الكتب أو ظاهر الكتاب أو السن الصحيحة غير صريح في معارضة الإجماع إذا ثبت التأويل لا يمكن أن نقول هذا الدليل معارض للإجماع لماذا؟ لأنه من حيث اللفظ هو معارض ومن حيث الصرف هو غير معارض يعني كونه مصروفًا عن ظاهره وهو التأويل يكون الإجماع ما دل عليه الإجماع وما دل عليه النص المأوّل واحد إذًا انتفى التعارض، وإنما يُحكم بالتعارض مع النص والإجماع إذا كان النص محمولًا على ظاهره فإن قطعنا بوجود الإجماع الصريح وقد عارض النص من كتاب أو سنة قلنا هذا النص مأوّل وإذا أُوّل اتفقا الإجماع والنص الإجماع والنص إن أُريد النص نفسه دون تأويل وقع التعارض ولما وُجد الإجماع الصريح دل على أن النص ليس مرادًا ظاهره فصار مصروفًا عن ظاهره وهذا هو التأويل إذًا لا تعارض بين المُؤوَّل وبين الإجماع وإنما التعارض وقع على النص قبل تأويله ولكن أولناه بالإجماع لأن التأويل ما هو؟ صرف النص عن ظاهره بدليل فوجدنا النص يعارض الإجماع إذًا نصرفه بدليل وهو الإجماع، ثم إن لم يجد في الإجماع شيء يدل على مسألته نظر في الكتاب القرآن والسنة المتواترة مُقدمة هنا السنة المتواترة على أخبار الآحاد، ولا تعارض في القواطع إلا أن يكون أحدهما منسوخًا لما ذكر الكتاب وهو مقطوع به من جهة الثبوت والسنة المتواترة وهي مقطوع بها من جهة الثبوت تعرض للمسألة التي ذكرناها قبل قليل وهي أنه لا تعارض في القواطع
[ ٢٣ / ٧ ]
يعني لا يقع التعارض بين دليلين قطعيين هذا مراده فإذا كانت دلالة الكتاب قطعية ودلالة السنة المتواترة قطعية لا يمكن أن يجتمعان إما أحدهما منسوخ وإلا دل على أن ما ُأدعي أنه متواتر فهو باطل ليس بصحيح، ولا تعارض يعين لا يقع التعارض في القواطع بين الدليلين القطعيين مطلقًا سواء كان عقليين أو سمعيين أو أحدهما عقلي والآخر سمعي، إلا يعين قد يقع التعارض إلا أن يكون أحدهما منسوخًا المصلي مأمور إن يتجه إلى الشام ومأمور أن يتجه إلى الكعبة هل هو في وقت واحد؟ نقول لا بل في وقتين فالثاني نسخ للأول، إلا أن يكون أحدهما منسوخًا ولا في علم وظن يعين ليس بين دليلين قطعي وظني تعارض فحينئذ إن وُجد دل على أن القطعي هو المراد وهو الأصل والظني لغو ولا يمكن أن يُقدَم الظني على القطعي لماذا؟ قال لأن ما عُلِمَ لا يظن خلافه وهذا حقيقي ما عُلم علمته يقين لا يحتمل الشك كيف يُظن خلافه لأن العلم الظن تجويزه بين أمرين مُرجحًا لأحد الأمرين فحينئذ إذا جوّز الأمرين فحينئذ إذا اعتقد أن هذا المر الجازم لا يمكن أن يكون فيه تجويز فيتنافى العلم والزن معًا لأن ما عُلم يعني ما تُيقن واعتقده الإنسان يقينًا جازمًا لا يحتمل الشك لا يُظن خلافه ممتنع عنه، فلذلك إذا وُجد قطعي وظني قُدم القطعي هذا على القول بأنه قد يقع كنا قاله بعض الأصوليين ولكن الكثير أو المشهور أنه لا يقع أبدًا أنه لا يقع دلي قطعي يعارض دليل ظني وكلاهما صحيح، ثم بعد الكتاب والسنة المتواترة ينظر المجتهد في أخبار الآحاد وهنا أخرها لماذا؟ لأنها ظنية أيضًا لكن لو قيل أنها تفيد العلم على قول أكثر أهل الحديث حينئذ لا مزية للمتواتر عن خبر الواحد فيكون في درجة واحدة لأن هذا يفيد العلم وهذا يفيد العلم، إلا إن وقع ولم يكن ثم ترجيح إلا بكثرة رواة الأول عن الثاني فلا إشكال فيكون من حيثية أخرى من حيثية إفادة العلم أو الظن، ثم في أخبار الآحاد ثم بعد ذلك إن لم يرد في أخبار الآحاد يعني لم يرد نصًا لا إجماع ولا كتاب ولا سنة ولا خبر آحاد نظر في قياس النصوص لماذا؟ لأنه دليل شرعي افتقر إلى القياس فهو بعد خبر الآحاد هنا أخره وبعضهم يرى أنه مُقدم على خبر الآحاد ويُنسب لمالك ونفاه الشيخ الأمير وقلا لا يصح أن يكون مذهب الإمام مالك تقديم القياس على خبر الواحد هناك نص من النبي - ﷺ - هذا قياس رأي للمجتهد حينئذ أيهما أولى وذاك شرع مُقدم وهو الأصل وهذا الأصل أنه لا يُعدل إليه إلا عند الضرورة والحاجة حينئذ لا يُقال بتقديم القياس على أخبار الآحاد، ثم في قياس النصوص وعند من يرى أن قول الصحابي حجة كما سبق فهو مُقدم على القياس إذا قيل وهو حجة مطلقة أن يقدم على القياس ويُخص به العموم سبق معنا هذا، إذًا مذهب من يرى أن قول الصحابي حجة فهو يكون في المنزلة بين أخبار الآحاد وقياس النصوص، فإن تعارضا قياسان أو حديثان أو عموما فالترجيح لما ذكر ما يجب في الأدلة المعتبرة الأربعة في النظر أيهام يُقدَم على الآخر هنا نظر في التعارض في نفس الدليل هنا النظر في الإجماع أولًا على ما ذكره المصنف ثم الكتاب ثم السنة المتواترة ثم أخبار الآحاد ثم قياس النصوص هذا تقديم وترتيب
[ ٢٣ / ٨ ]
في أي شيء؟ في الأدلة أنفسها لكن الكتاب قد يقع تعارض بين آيتين وفي السنة قد يقع تعارض بين حديثين والقياس كذلك وقد يُلقى إجماع سكوتي وإجماع صريح إذًا هنا حصل التعارض في نفس الدليل وأحمله على ما ذكره المصنف هنا، فإن تعارض قياسان هذا في دليل القياس أو حديثان أو عمومان فالترجيح وهذا مطلق عمومات سواء كان في الكتاب أو في السنة، فالترجيح يعني يُعدَل إلى الترجيح وقد ذكرناه أنه تقوية أحد الدليلين على الآخر لكن أيضًا يُقيد بان الترجيح لا يُعدَل إليه إلا عند عدم إمكان الجمع فإن لم يمكن الجمع وعُلم التأريخ علمنا أن الثاني ناسخ للأول فإن لم يمكن الجمع ولم نعلم التأريخ فحينئذ نعدل إلى الترجيح هذه قاعدة جماهير أهل العلم على هذا.
[ ٢٣ / ٩ ]
فالترجيح والتعارض هو التناقض وقيل التعارض قابل الدليلين كما سبق بينه والتقابل يكون على وجه أو سبيل الممانعة كل منهما يمنع مفعول الآخر يمنع الآخر فأحدهما يدل على إباحة الشيء ويأتي دليل آخر يدل على تحريم نفس ذلك الشيء الذي دُل عليه بالدليل السابق إذًا حصلت ممانعة كل منهما يمانع تأثير الآخر، وقيل التعارض تقابل الدليلين والتناقض بطلان أحد الدليلين لكن الأول هو المشهور التناقض هو بطلان أحد الدليلين وليس بالتعارض وإن كان مشهور عند الأصوليين تفسير التعارض بالتناقض، والتناقض بطلان أحد الدليلين لكن لكون أحدهما صادقًا والآخر كاذبًا، فلذلك لا يكون في خبرين ما هو هذا؟ التناقض لا يكون في خبرين لأنه يلزم كذب أحدهما إذا قيل بأنه تمانع دليلان وكل منهما خبر يحتمل الصدق والكذب ليس بإنشاء باب الأمر والنهي وإنما هو خبر يحتمل الصدق والكذب إذا تعارضا نقول يلزم منه كذب أحدهما ولما لزم منهما كذب أحدهما إذًا لا يمكن في الكتاب والسنة يقع في كلام الناس لا إشكال وأما في الكتاب والسنة فلا لا يقع تعارض بين خبرين إلا إذا كان أحدهما منسوخًا لأنه يلزم كذب أحدهما يلزم منه كذب أحدهما، ولا في حكمين أمر ونهي أو حظر وإباحة مع عدم إمكان الجمع، فإن وجد يعني التعارض بين حكمين ولا في حكمين يعني أمر ونهي حظر وإباحة لأن الجمع بينهما تكليف بالمحال لا يمكن يقال لك يحرم عليك أكل لحكم الإبل ويجوز لحم الإبل يمكن؟ لا يمكن هذا لحكم الإبل في نفس الوقت ونفس الحال ونفس الشخص لابد من اتحاد هذا حتى يحكم بالتناقض وإحداث الثمان هذا يذكرونه في كتب المنطق لا يُحكَم بالتناقض إلا إذا استوت القضيتان في الزمن الحال والشرط والإضافة إلى آخر الأمر الثمانية حينئذ يُحكَم بالتناقض وأما إذا انفصل الزمن انفك أو الحال أو الشخص أو الشرط أو الإضافة فلا يُحكَم ويُقال بالتناقض، فإن وجد يعني تعارض بين حكمين فإن وجد تعارض بين حكمين فإما لكذب الراوي أو نسخ أحدهما لكذاب الراوي لم نحكم على أنه كذب مباشرة؟ لو قيل كما قال الشيخ الفوزان بغلط الراوي لكان أولى لأنه لا يجزم قد يكون وهم قد يكون ثقة ووهم فخالف غيره فيكون شاذًا فلا يُعمَل به حينئذ فإما لكذب الراوي يعين لغلط الراوي يعني يكون الطعن في السند أو المتن من جهة الراوي سواء كان ثقة أو ضعيفًا أو كذابًا، أو نسخ أحدهما إن كان مما يقبل النسخ فإن أمكن الجمع بأن يُنَزَّلَ على حالين أو زمانين جُمِع يعني إذا حصل التعارض في حكمين فأمكن الجمع بأن يُنزَل على حالين التعارض أو الدليلان المتعارضان إذا نُزل على حالين نقول انفك التعارض لأن التناقض لا يكون إلا على حالة واحدة أما إذا انفك حينئذ لا يمكن أن نقول بالتناقض والتعارض، على حالين هذا من صور الجمع حمل أحد الدليلين على حال والدليل الآخر على حالة أخرى وهذا يكون في نحو العام والخاص فيُحمَل العام على عمومه فيما عجا صورة الخاص ويُحمَل الخاص على حالته أو دلالته أو الصورة التي اختص بها الدليل أو حمل المطلق على المقيد فنقول هذا حُمل على حال دون الآخر أو زمانين يعني من صورة الجمع أن ينفك الزمن لأن شرط التناقض والتعارض اتحاد المحل فإذا انفك المحل حينئذ
[ ٢٣ / ١٠ ]
لا إشكال وهذا مثله في قوله تعالى ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ﴾ بالكسر ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ هذا يمكن فكه بأن يُجعَل ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ هذا فيما إذا كانت القدم مستورة ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ فيما إذا كانت القدم مكشوفة هذا يمكن إذًا لا تعارض بين الآيتين، أو زمانين فإن أمكن الجمع بأن يُنَزَّلَ على حالين أو زمانين جُمِع إذًا فعل لكن إذا كانا زمانين وثبت المتأخر بدليله حينئذ صار الثاني ناسخًا للأول وإما يُعلم الدليل فلا إشكال لابد من الجمع، وإن لم يمكن الجمع تعذر الجمع حينئذ نعدل إلى الترجيح ولكن قبل ذلك لابد من النظر في مسألة النسخ إن عُلم التأريخ، وإن لم يمكن الجمع بين الدليلين المتعارضين ويُشترط أن يكون في الجمع بوجه مقبول لا تكلف فيه ولا تعسف بحيث لا تُحمَل النصوص على أمور بعيدة صور نادرة جدًا لا يمكن أن يقصدها المتكلم وإنما تُحمَل النصوص على أمر واضح ظاهر بين يمكن أني كون مقصود للمتكلم لأن النصوص إذا حصل بينها تعارض وصُرفت على النوادر ماذا بقي للمشهورات؟ لم يبقى شيء، وإن لم يمكن وعُلم التأريخ فالثاني ناسخ للأول وإن لم يُعلم التأريخ حينئذ أُخب بالأقوى والأرجح وهذا باب الترجيح تقوية أحد الدليلين على الآخر بالأقوى والأرجح. كيف نعرف هذا أقوى وهذا أرجح؟ قال والترجيح إما في الأخبار وإما في المعاني يعني في الأخبار في الألفاظ يعني سيبين لك الآن كيف تحكم على أن هذا الدليل أقوى من هذا الدليل فتقدم الأقوى على غيره أو أن هذا الدليل أرجح من هذا الدليل فتقدمه على غيره، والترجيح إما في الأخبار أي في الألفاظ بالنظر على اللفظ فمن ثلاثة أوجه إما أن يكون في السند وإما أن يكون في المتن وأما بأمر خارج عن السند والمتن هذه ثلاثة أوجه لا رابع لها ثلاثة أوجه يُرجَح اللفظ على لفظ آخر.
[ ٢٣ / ١١ ]
السند المراد به طريق الإخبار عن المتن والسند للإخبار عن طريق متن كالإسناد لذا فريق، فيرجح بكثرة الرواة إذا لم يمكن الجمع بكون هذا الحديث رواه عشرة وهذا رواه اثنان حينئذ لا باس من القول بأن الكثرة مُقدمة على القلة لأن القلة معهم الغلط والكثرة أبعد عن الغلط لا يسلمون وإنما هم أبعد عن الغلط، فيرجح بكثرة الرواة بأن يكون رواة أحدهما أكثر من رواة الآخر لماذا؟ قاله المصنف لأنه أبعد عن الغلط ولقوة الظن به الزن بتعلق بما هو أكثر أكثر من القلة وهذا لا يُنفى حتى في خبر الآحاد لا شك أن الذي يخبره عشرة وهم ثقات ليس كمن يخبره واحد ولو كان من أوثق الناس، وقال بعض الحنفية لا يعني لا يُرجَح بالكثرة لماذا؟ قالوا كالشهادة يعني قياسًا للرواية على الشهادة عند تعارض الشهادتين لا تُرجح إحداهما على الأخرى بكثرة الشهود بعد أن تكون الأخرى تم نصابها المطلوب أربعة أربعة أحدها جاب ثمانية هل نقول الثمانية مقدمة على الأربعة وثم النصاب؟ لا لا يقال هذا لماذا؟ لأن الشهادة لها نصاب معين اثنان أو أربعة فحينئذ لو جاء أحدهم أحد الخصمين بشهود أكثر من الآخر هل نقول تقدم الشهادة؟ الجواب لا قال كذلك الرواية قاس الرواية على الشهادة لكن ثمة فروق كثيرة جدًا عند أهل العلم بين الشهادة والرواية تعرض لها القرافي في كتاب الفروق، وبكون راويه أضبط وأحفظ وبكونه أورع وأتقى يعني إذا لم يكن كثرة وكان واحد واحد هذا راو وهذا راو أيهما أرجح من جهة السند؟ قالوا بكون راويه أضبط وأحفظ وبكونه أورع وأتقى فيُقدم على من هو دونه أو فيمن هو مقابله ولا شك في هذا أن الأضبط هذا مُقدم على من هو دونه والأحفظ كذلك والأورع مُقدم على من هو دونه، وبكونه أي المرجحات وبكونه كون الراوي صاحب القصة لاختصاصه بمزيد علم ليس عند الآخر كما رُجحت رواية ميمونة على ابن عباس النبي - ﷺ - عقد عليها وهي حلال ابن عباس يقول وهي مُحرمة نقبل قول من؟ ميمونة هي الزوجة، وبكونه صاحب القصة أو مباشرها كالساعي بينهما دون الآخر فهو مُقدم عن الآخر، هذا بعض من يُذكر السنج والمُرجحات كثيرة جدًا وأكثر ما يستفيد منه طالب العلم ليس في مثل هذه المواضع وإنما تستفيدها عمليًا يعين إذا نظرت في كتب الفقهاء وكنت مليًا بما سبق العام والخاص إلى آخره حينئذ هذه تُضبط أما بمجرد الجرد هذا فائته قليلة جدًا.
[ ٢٣ / ١٢ ]
وأما المتن والمتن هو ما انتهى إليه السند يعين ما انتهى إليه السند من الكلام فيرجح بكونه ناقلًا عن حكم الأصل نفس اللفظ هنا النظر الرجال يعني ترجيح الناقل عن الأصل الباءة الأصلية هذا مقدم على المُبقي عليها هذا حديث بدل على أنه الحكم باق على أصالته البراءة الأصلية وهو الحل مثلًا وجاء ناقل فالناقل حينئذ مُقدم على النص ولذلك رُجح حديث من مسه ذكره فيتوضأ على حديث لا إنما هو بضعة منك بضعة منك قبل التحريم هو الأصل وهو البراءة الأصلية فقُدم عليه الناقل لأنه لما مس ذكره يتوق هذا ناقل فهو مُقدم على الآخر، فيرجح بكونه ناقلًا عن حكم الأصل لأن مع الناقل زيادة علم لا إنما هو بضعة منك ليس فيه شيء جديد هو معلوم أنه بضعة منك جاء الحديث أو لم يأتي إذًا جاء الحديث على الأصل لكن مس ذكره ونقض هذا حكم جديد ينبني عليه فهم جديد، والمُثبت فيرجح المثبت والمثبت أولى من النافي لأن معه زيادة علم المُثبت أولى من النافي يعني مُقدم عليه لأن معه زيادة علم والحاضر على المُبيح لأنه أحوط ده ما يريبك إلى ما لا يريبك وبينهما أمور مشتبهات فدل على أنه إذا حصل تعارض بين حاضر ومُبيح حينئذ يُقدم الحاضر على المُبيح عند القاضي أبي يعلى وغيره أيضًا، لا المسقط للحد على الموجب له إذا جاء حديث يدل على عدم الحد يُسقط الحد وآخر يوجب الحد حينئذ أيهام يُقدم؟ قال لا المسقط أي لا الخبر المُسقط للحد أي لا يقدم الخبر المُسقط للحد على الموجب له بل العكس هو الصواب عند المصنف يعني إذا جاء أثر وخالف أثرًا آخر أثر يدل على وجوب الحد والآخر يدل على عدم الحد نقدم ماذا؟ ولم يوجد إلا هذا الترجيح؟ قال المُسقط لا يقدم على الموجب بل الموجب هو المقدم بل يُجرح الخبر الموجب للحد على المُسقط وجمهور الأصوليين بترجيح الخبر المُسقط للحد على الموجب له عكس ما ذكره المصنف لأن الأصل عدم الحد والأصل أن الحدود تُدرأ بالشبهات فإذا وقع تعارض كيف تُلزم بالحد هذا محل نظر، إذًا يُجرح على كلام المصنف الخبر الموجب للحد على المسقط والجمهور على العكس لما فيه من اليسر ورفع الحرج هو الموافق للشريعة ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وإذا لم يثبت حينئذ لا يجز أن يقال أنه حد مقطوع به ولذلك حتى في الحاضر على المُبيح إنما ليكون حاضراُ يعني محرمًا بل احتياط وإذا كان من باب الاحتياط حينئذ لا يُفسّق فاعله إذا قيل هذا واجب احتياطًا حينئذ إذا تركه يأثم؟ لا يأثم ولا يُفسّق ولذا قيل هذا حرام احتياطًا لكن لا نقول إذا فعله يُفسّق أو أنه يأثم - لا - من باب الاحتياط، ولا الموجب للحرية على المقتضي للرق يعني لا يُرجح الخبر الموجب للحرية على المقتضي للرق بل يُرجح المقتضي للرق لماذا؟ لأن الخبر المُثبت للرق موافق للدليل الدال على صحة مثل رقبة والخبر الموجب للحرية مخالف له والدليل المُثبت للملك أرجح من النافي له لأن الأصل بعد تحقق الرق بقاء الملك إذا ملك رقبة فإذا جاء ما جاء ملكية هذا العبد أيهما أولى بالتقديم؟ الموجب للحرية على المقتضي للرق أيهما؟ المقتضي للرق هو الأصل لأن الأصل بقاء اليد هذه الأصل بقاء يد السيد على العبد الأصل أنه مملوك له فإذا جاء
[ ٢٣ / ١٣ ]
نص يدل على رفع اليد وجاء نص يدل أنه رقيق نقول الخبر الثابت الدال على بقاء يده هو المُقدم ولذلك قال ولا يُرجح الخبر الموجب للحرية على المقتضي للرق بل يرجح المقتضي للرق على الموجب للحرية.
وأمر من خارج هذا هو المرجح الثالث وأمر من خارج يعين خارج عن السند والمتن لن الترجيح إما باعتبار السند وإما باعتبار المتن وإمام بدليل منفك منفصل عن السند والمتن، قال مثل إذًا ليست محصورة لما قلا مثل علمت أنها ليست محصورة وبعضهم ألف في التراجيح كتبًا مستقلة، مثل أن يعضده كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس أو يعمل به الخلفاء الأربعة أو صحابي غيرهم يعين إذا جاء تعارض بين حديثين ولم يمكن الترجيح بين السند والسند والمتن والمتن كلاهما متكافئان من كل الأوجه ماذا نصنع؟ نطلب لأحدهما مُرجحًا من الخارج إما يدل عليه صريح الكتاب أو مفهوم أو دلالة إيماء أو سنة أو إجماع أو قياس أو عمل خلفاء الراشدين أو صحابي لماذا؟ لأنه إن وُجد واحد من هذه الأوجه غلَب أحد الدليلين حصل تغليب الظن يتعلق بأحد الدليلين حينئذ نقول إن وُجد واحد من هذه العواضد يُغلّب على الظن قوته في الدلالة وسلامته من المُعارض لأن لو ترجح بطل التعارض، أو يُختَلف على الراوي فيقفه قوم ويرفعه آخرون والخبر الآخر متفق على رفعه خبران متعارضان أحدهما اتفق الرواة على أنه مرفوع والثاني مُختلف على الراوي منهم من يقف ومنهم من يرفع، الثاني يكون فيه نوع طعن والأول يكون هو مُقدم، أو يُنقَل عن الراوي خلافه فتتعارض روايتاه عن نفس الراوي الذي حديثه خالف الحديث الآخر ووقع التعارض يُنقَل عنه رواية أخرى تخالف الرواية التي رواها هو فحينئذ قال هنا أو يُنقَل عن الراوي خلافه فتتعارض روايتاه هو في نفسه وحينئذ الخبر الآخر قد سلم من هذا التعارض فتقدم روايته على هذه الرواية، أو يكون مرفوعًا والآخر مرسلًا أحدهم مرفوع والآخر مرسلًا والمرسل عند الأصوليون أعم من المرسل عند المحدثين لأن المرسل عند الأصوليين يشمل المنقطع والمقطوع إلى آخره كل ما حصل في سنده انقطاع ولو قال الصحابي قال البخاري قال - ﷺ - يسمى مرسلًا عندهم وأما عند المُحدثين فلا إنما هو مرفوع المرسل المرفوع بالتابع أو لكبر أو سقط راوي قد حكو وأشهرها الأول أنه مرفوع التابع مطلقًا سواء كان كبيرًا أو صغيرا.
[ ٢٣ / ١٤ ]
وأما في المعاني هذا يقابل قوله والترجيح إما في الأخبار الألفاظ وإما في المعاني يقصد به العلل أي بين علل المعاني فتُرجح العلة بموافقتها لدليل آخر من كتاب أو سنة أو قول صحابي أو خبر مرسل فترجح العلة بموافقتها لدليل آخر يعين إذا حصل عندنا قياسان متعارضان نقول القياس الذي دل وافق علة ذلك القياس دليل آخر من كتاب أو سنة أو قول صحابي أو خبر مرسل هذه العلة بقياسها مُقدم على القياس الآخر إذًا يُرجَح القياس المتضمن لعلة لها عاضد من كتاب أو سنة إلى آخره على ما لا يعضده شيء إذًا ترجيح القياس من جهة علته فإذا أُستنبط في الأصل الواحد علتان وقد عضد إحدى العلتين دليل آخر وبعض الأصوليين وكم أخذ بقياس مبنيًا علة والقياس الآخر مبنيًا على علة أخرى فإذنه تُرجح على الأخرى يعني كاختلاف العلماء مثلًا كعلة تحريم الربا هل هي الاقتيات أم الطعم؟ نقول الطعم هذه جاء الحديث نقول جاء الحديث يدل عليها الطعام بالطعام مثلًا بمثل إذًا شهد لها أصل من سنة فحينئذ تكون مُرجحة على غيرها فكل قياس ينبني على علة الطعم فهو مقدم على كل قياس مبني على علة أخرى لماذا؟ لأن هذا القياس قد شهد لعلته دليلًا آخر من كتاب أو سنة إلى آخره وبكونها ناقلة عن حكم أصلي هذا كما هو في السابق إذا كانت هذه العلة التي بُني عليها القياس ناقلة لحكم الأصل وهي البراءة الأصلية فهي مقدمة على المُبقية على الأصل فإذا كان العلة مٌقدمة العلة المُبقية للأصل كحديث لا إنما هو بضعة منك إنما هو هذا تعليل إنما هو بضعة يعني جزء منك نقول هذه على مُبقية على الأصل ومن مس ذكره فليتوضأ وما ‘ثق الشرط هذا يفيد العلية أيضًا لأنه من باب دلالة الإيماء والتنبيه إذًا العلة الناقلة عن الأصل مُقدمة على المُبقية على الناقل عن الأصل براءة الذمة مُقدمة على العلة المبقية للأصل.
[ ٢٣ / ١٥ ]
وبكونها ناقلة عن حكم الأصل ورجحها قوم بخفة حكمها وآخرون بثقلها أي إذا اجتمع قياسان وعلة أحدهما تفيد حكم الأخف والأخر تفيد حكم الأثقل ولم يمكن الجمع بينهما بين قاسين قالوا ما أفادت حكمًا أخف أولى مما أفادت حكمًا أثقل لأن الأخف هذا موافق ليسر الشريعة ورفع الحرج، وآخرون بثقلها يعين ثقل الُمقدم لأنه أحوط والأخف ذاك لأنه موافق للشريعة، وهما ضعيفان وهما أي القولان ضعيفان لماذا؟ لأن الأخف قد يكون أرجح تارة والأثقل قد يكون أرجح تارة أخرى حينئذ إلزام القياس بالأخف مطلقًا أو بالأثقل مطلقًا هذا من باب التحكم والترجيح بلا مُرجح، فإن كانت إحدى العلتين حكمًا والأخرى وصفًا حسيًا فإن كانت إحدى العلتين يعنى تعارض عندنا قياسان والعلة الجامعة في القياس الأول الحكم الشرعي وسبق أن الجماع قد يكون حكمًا شرعيًا والقياس الآخر علة حسية كالإسكار مثلًا أيهما يُقدَم على الآخر؟ أيهما أولى بالاعتبار؟ العلة الحسية الوصف المناسب أو الحكم الشرعي؟ فرجح القاضي الثانية أي القياس الذي تكون علته حسية كالإسكار مثلًا، وأبو الخطاب الأولى التي هي الحكمية لماذا؟ لأن المطلوب هو الحكم الشرعي والأصح أنه باعتبار كل مسألة على حدة والأغلب في هذه المسائل أنه يُنظر في كل مسالة على حدة مثل زيادة الثقة عند المُحدث وإنما تُذكر هذه كضوابط عامة وقد تُخالف في بعضه ليست مطردة مائة في المائة لا تخرج عنها لكن قد يُقدم بعضه على بعض لذلك ستأتي قاعدة عامة في الترجيحات.
[ ٢٣ / ١٦ ]
وبكثرة أصولها يعي إذا تعددت الأصول في أحد القياسين وليس في القياس الآخر غلا أصل واحد أو عدد لكنه أقل أيهما أولى بالتقديم؟ القياس المبني على عدة أصول هذا أولى بالتقديم من غيره مثل ماذا؟ كمن أوجب النية في الوضوء قياسًا على الصلاة والصيام والحج وغيره ومن لا يقول إنه تنظيف فهو كالطهارة من النجس يعني من قاس أوجب الني في الوضوء قياسًا على الصلاة وكل عبادة يُشترط فيها النية إذًا قاسه على أصول متعددة ومن قال لا لا تشترط النية في الضوء قاسه على طهارة النجس وهو أصل واحد وأيهما أولى؟ من كان له عدة أصول لكن هذا ليس مطردًا قد يكون في بعض المسائل لكن ليس كقاعدة عامة، وبكثرة أصولها وباطرادها وانعكاسها هذا العلة التي تكون مطردة منعكسة مقدمة على العلة المطردة فقط لأن المطردة منعكسة متفق على التعليل بها كلما وُجدت وُجد الحكم وكلما انتفى الحكم انتفت العلة هذا الاطراد انعكاس لكن الاطراد فقط كلما وُجدت العلة وُجد الحكم هذا فقد اطراد في الثبوت وملازمة في الثبوت، والمتعدية على القاصرة لكثرة فائدتها ومنع منه قوم إذًا العلة المتعدية مُقدمة على العلة القاصرة لأن المتعدية هو الأصل في القياس والقاصرة بلا خلاف أنه لا يقاس عليه وإنما الخلاف هل يُعلل بها في محلها أم لا؟ هل هي علة للحكم في محلها أم لا؟ خذا محل الخلاف بين الأصوليين وأما التعليل بها لتُنقل إلى فرع آخر ثم يتحقق في ذلك الفرع وُجدت أو لا هذا بلا خلاف بين الأصوليين وإنما الخلاف دائمًا يُذكر في هل يصح تعليل الحكم بها في ذلك الموضع أو لا؟ هل يصح أن يقول الذهبية والفضية والثمنية علة منع الربا في الذهب أم لا؟ هذا محل خلاف، والإثبات على النفي يعين القياس المُثبت مُقدم على القياس المنفي لأن المُثبت معه زيادة علم والنفي عدم كما سبق بيانه إذًا يترجح من القياسين ما كانت علته إثباتًا على ما كانت علته بالنفي لأن التعليل بالإثبات متفق عليه وهو وجودي كما سبق ثم الجامع إن كان وصفًا وجوديًا والنفي هذا مُختلف فيه وإذا ما اتفق عليه مقدم على ما اُختلف فيه، والمتفق على أصله على المختلف فيه على أصله الأصل متفق عليه والآخر القياس الآخر مُختلف في أصله فالمتفق عليه مقدم على المختلف فيه لأن قوة الأصل تؤكد قوة العلة، وبقوة الأصل فيما لا يحتمل النسخ على محتمله أي أن القياس الذي دليل أصله لا يحتمل النسخ فلم يُنسخ بالاتفاق هذا مُقدم على ما يحتمل النسخ وبكونه رده الشارع إليه يعني تُرجح العلة المردودة على أصل قاس الشرع عليه كقياس الحج على الدين في أنه لا يسقط بالموت يعني وبكونه رده الشارع غليه يعني هذه العلة اعتبرها الشارع أرأيتِ إن كان على أبيك دين هذا رده الشارع إلى القياس وهو قياس حق أو قضاء دين الخالق على دين المخلوق فحينئذ لا يسقط بالموت، والمؤثر على الملائم المؤثر ما ظهر تأثيره بنص أو إجماع على الملائم الذي لم يكن كذلك، والملائم على الغريب الملائم ما شهدت له أصول والغريب ما شهد له أصل واحد فقط والغريب هذا في ثبوته نزاع، والمناسبة على الشبهية المناسبة هذا متفق عليه والشبهية هذا مُختلف فيه وإن كان جمهور الأصوليون على اعتباره، لكن نقوله هذه كلها
[ ٢٣ / ١٧ ]
يجمعها قاعدة عامة في الترجيح وهي أن يُقال متى ما اقترن بأحد الدليلين ما يقويه ويُغلب جانبه وحصل بذلك الاقتران زيادة ظن أفاد ذلك ترجيحه على الدليل الآخر هذه القاعدة متى ما اقترن بأحد الدليلين ما يقويه ويُغلب جانبه وحصل بذلك الاقتران زيادة ظن أفاد ذلك أي التقوية ترجيحه على الدليل الآخر، وأما المرجحات من حيث هي تختلف باعتبار في موضع دون موضع آخر لذلك ذكر العراقي في النكت علن ابن الصلاح مائة مُرجح أوصل المرجحات على المائة لأنه يختلف من نظر إلى نظر آخر.
ثم قال الباب الثالث في الاجتهاد والتقليد كأنه قال وذلك يعني أصول الفقه في ثلاثة أبواب، الباب الأول في الحكم ولوازمه الباب الثاني في الأدلة الباب الثالث في الاجتهاد والتقليد.
[ ٢٣ / ١٨ ]
الاجتهاد لغة بذل الجهد في فعل شاق الجهد المراد به الطاقة والوسع في فعل شاق حينئذ لا يُطلق الجهد أو الاجتهاد في فعل غير شاق ولذلك اتفقوا على أنه لا يقال اجتهدت في حمل النواة لماذا؟ لأن الاجتهاد في اللغة أو بذل الطاقة في فعل شاق أو ما عجا ذلك فلا يقال اجتهدت فيه، بذل الجهد أي الطاقة والوسع في فعل شاق فإن لم يكن الفعل شاقًا فحينئذ لا يصح إطلاق لفظ الاجتهاد عليه، وعرفًا أي في اصطلاح أهل الأصول بذل الجهد في تَعَرّف الأحكام والأوضح أن يُقال في تعرف تعريف يكون للغير والتعرف يكون للناظر نفسه ولذلك الأولى أن يقال تعرف والأوضح أن يقال الاجتهاد هو بذل الوسع في النظر في الأدلة الشرعية لاستنباط الأحكام الشرعية بذل الوسع أي الطاقة وهذا يكون فيه تعميم بذل الوسع قد يكون في باب القياس وقد يكون فيما هو أعم من القياس حينئذ قوله بذل الوسع يشمل القياس وغيره فالاجتهاد يدخل القياس ويدخل غير القياس، في النظر يعني لا يجوز إلا لمن هو أهل للنظر الاجتهاد لا يجوز إلا لمن هو أهل للنظر ومن هو الذي يكون أهل للنظر من استوفى شروط الاجتهاد حينئذ في النظر معناه أنه لا يتأتى بكل أحد هذا الاجتهاد وإنما لا يتأتى بكل أحد وإنما يكون بالنظر ترتيب أمور معلومة ليُتوصل بها إلى مطلوب مجهول تصوري أو تصديقي، في الأدلة الشرعية هذا مُتمم لقوله في النظر لاستنباط الأحكام لاستنباط هذا يعم لما كان الاجتهاد يؤدي إلى القطع أو إلى الظن حينئذ الاجتهاد ليس كله ظنيًا بل قد يكون قطعيًا لاستنباط الأحكام الشرعية هذا يدل على أن الاجتهاد إنما يُنسب للمجتهد من حيث الكشف والظهور بمعنى أنه لا يسمى تشريعًا نظر المجتهد والكشف وظهور الأحكام الشرعية لا يسمى تشريعًا وإنما يسمى نظرًا واجتهادًا وكشفًا وإظهارًا لحكم الله لأنه لا حاكم إلا الله جل وعلا كما قررنا في أول الكتاب فحينئذ إذا نظر المجتهد واستنبط الحكم الشرعي لا نقول مُشرع وإنما نقول هو مُستنبط ولذلك قال لاستنباط الأحكام الشرعية، قال وتمامه إذًا وعرفًا بذل الجهد في تَعَرّف الأحكام بذل الوسع والطاقة في التعرف على الحكم لاستنباطه من الأدلة الشرعية، وتمامه بذل الوسع في الطلب إلى غايته تمامه إذًا هل هناك اجتهاد ناقص قاصر واجتهاد تام؟ الجواب نعم قد يكون ثم اجتهاد غير تام لم يبذل الوسع والطاقة في إتمام مطلوبه والنظر في الأدلة يكون اجتهدت ونظر في الكتاب فقط ولم يتمم النظر في السنة أو اجتهد في الكتاب والسنة ولم يبحث في الإجماعات هل ورد إجماع أو لا نقول هذا اجتهاد لكنه قصار وليس بتام، وتمامه أي تمام الاجتهاد بذل الوسع في الطلب إلى غايته إلى أن يعجز ويقف يقول ليس ثم دليل وليس ثم حديث إلا وقد نظرت وبحثت فيه فلم يجد.
[ ٢٣ / ١٩ ]
والمجتهد من هو المجتهد؟ هو الفقيه الذي له القدرة في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية هذا هو المجتهد هو الفقيه الذي له القدرة في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها عنده مَلَكة هذه الملكة لا تحصل هكذا وحيًا إلهامًا وإنما لابد من شروط يستوفيها المجتهد، وشرط المجتهد عرفنا من هو المجتهد هو الفقيه الذي له القدرة في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، وشرط المجتهد الإحاطة بمدارك الأحكام وهي الأصول الأربعة والقياس وترتيبها لابد أن يكون محيطًا بهذه الأدلة كلها لأنها مصادر الشريعة هو سيستنبط حكمًا شرعيًا من أين سيستنبطه؟ من مصادرها الأصلية فحينئذ لابد من أن يكون مستوعبًا ومحيطًا بهذه الأصول بعامة فلو نظر في البعض جون البعض لم يكن مستوفيًا لشرط الاجتهاد، وشرط المجتهد الإحاطة الإحاطة أن يكون محيطًا بمدارك جمع مُدرَك والمراد به طرقها التي تُدرك منها مدارك الأحكام يعني المحال لتي تُدرَك منها الأحكام وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس محل الإدراك مُدرك والإدراك وصول النفس إلى المعنى بتمامه وهو مراده هنا، وهي الأصول الأربعة يعني أن يستند إلى دليل شرعي والقياس وترتيبها الأصول الأربعة والقياس أخرج القياس لماذا؟ لأن الاستصحاب عنده متفق عليه وهو مقدم على القيا وهذا لم يجري على ما هو مشهور عند الأصوليين، وترتيبها لابد أن يعمل ترتيبها من حيث المكانة والنزلة ومن حيث النظر ومن حيث الاحتجاج إلى آخره، وما يعتبر للحكم من جملة وما يعتبر يعني ما يكون معتبرًا في الحكم الشرعي في الجملة من العلم بالكتاب والسنة على الوجه الذي سيذكره المنصف، إلا العدالة ما يعتبر للحكم في الجملة هذا سيذكره يعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق من أحكام كلها إلا العدالة على القول المهور عند الأصوليين فلا تشترط العدالة في الاجتهاد بل يجتهد له أن يجتهد ويكون عالمًا بالكتاب والسنة وهو فاسد - عياذًا بالله - ممكن نعم يكون فاسقًا وهو أهل للاجتهاد والعدالة ليست شرطًا للاجتهاد وإنما هي شرط للعمل باجتهاد يعني ما تستفتي مجتهدًا فاسقًا مبتدعًا وإنما تستفتي من؟ المجتهد العدل فحينئذ العجالة صارت شرطًا لفتواه والعمل بقوله وأما كونه يُقبل ويُقدم على الاجتهاد وينظر في الكتاب والسنة ويستنبط فالعدالة ليست شرطًا بل لو خمارًا فله أن يستنبط، إلا العدالة على المشهر قال الشيخ القاسم هنا أي فلا يشترط في المجتهد عدالة بالنظر على العمل باجتهاده بنفسه وأما النظر للعمل بفتواه والاعتماد عليها فيشرك عدالته لا تشترط العدالة في كنه مجتهدًا لأن الاستنباط استنباط الأحكام يصح من العادل والفاسد. ثم قال فإن له أي للمجتهد الأخذ باجتهاد نفسه يعمل هو، هو مجتهد ثم إذا اجتهد فاستنبط الحكم له أن يأخذ باجتهاد نفسه ولو كان فاسقًا بل هي شرط لقبول فتواه العدالة شرط لقبول فتواه العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.
[ ٢٣ / ٢٠ ]
فيعرف من الكتاب هذا قوله وما يعتبر الحكم في الجملة ما الذي يعتبر للحكم في الحملة؟ قال فيعرف أي فيشترط في المجتهد أيضًا أن يعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام فمن من القرآن ما يتعلق بالأحكام الشرعية النصوص التي تستنبط منها الأحكام الشرعية لابد أن يقف عليها وأن يعرفها وهي تكون في الكتاب والسنة قد تكون نصًا في الحكام وقد تكون متضمنة للأحكام وقد مشيرة للأحكام فحينئذ كل آية في الكتاب فيحتمل أنها آية للأحكام كل آية يمكن حتى قصص الأنبياء والرسل إلى آخره إذا قلنا شرع من قبلنا شرع لنا حينئذ لا يكاد أن تخلوا آية إلا وهي قد تكون متضمنة لحكم شرعي وعليه قوله فمن القرآن قدر خمسمائة آية هذا باطل ليس بصحيح التحديد هذا لا دليل عليه بل القرآن كله شرط في اعتبار الاجتهاد إن كان مراده الأحكام العامة التي يغلب على المكلفين الحاجة غليها كالصلوات مثلًا والحج والصيام فالنظر إليها لا إشكال يمكن عدها والنظر فيها لكن في كونه مجتهدا مطلقًا وهو الذي يريده المصنف الجواب لا بل كل آية قد تكون متضمنة لحكم شرعي، فمن القرآن قدر خمسمائة آية لذلك في الحاجة في تحديد آيات الأحكام بخمسائة آية فيه نظر وقد قيل به ما دل على الحكم بالمطابقة نعم هذا ممكن يعني ما كان صريحًا ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ لا إشكال يمكن عدها أما يُنفى الأحكام الشريعة عن قصص الأنبياء فالجواب لا ليس بصواب وأما عدا ذلك فآيات الأحكام أكثر من هذا القدر، قال لا حفظها لفظًا بل معانيها يعني لا يشترط هذه الخمسمائة حفظها لفظًا يحفظًا يُسمِّعها عن ظهر قلب بل معانيها يعني بل يكفي معرفة معانيا يقف على المراد منها، ليطلبها عند حاجته لكن لا يكاد أن يوجد عالم معتبر إلا هو قد حفظ كلام الله تعالى من أوله إلى آخره ولذلك لا ترجم ابن حجر للمحلي قال أُخذ عليه أنه لم يحفظ القرآن ولا يُفهَم من هذا أن يكفي خمسمائة آية تحفظها وانتهى – لا، بل يكفي معرفة معانيها ليطلبها يعني يرجع إليها عند الحاجة، ومن السنة يعني لابد أن يعرف المجتهد من السنة النبوية ما يتعلق بالأحكام سواء كان متواترًا أو آحاد، ما هو مدون في كتب الأئمة الكتب الستة وما ألف من الأحكام على جهة الخصوص كالمنتقى ونحوه ويعرف أيضًا الناسخ والمنسوخ منهما يعني من الكتاب والسنة لأنه لو لم يعرف الناسخ من المنسوخ قد يحكم بالمنسوخ فيقول أنه اجتهاد، والصحيح والضعيف من الحديث للترجيح عند التعارض إذا لم يعرف الحديث الصحيح من الضعيف كيف يُرجح، والمجمع عليه من الأحكام لئلا يُفتي بخلافه، ونصب الأدلة وشروطها نصب الأدلة الشرعية يعني من شروط المجتهد أن يكون عالمًا بقواعد الاستدلال وشروط الاستدلال ووجوه الاستدلال وهذا كله مأخوذ من أصول الفقه، ومن العربية يعني اللغة العربية لأنه أصل كتاب والسنة عربيان حينئذ المستنبط والناظر في الكتاب والسنة لابد أن يكون على دربة ودراية باللغة العربية ولذلك السيوطي رحمه الله تعالى نقل الإجماع على أنه لا يجوز أن يُقدم على تفسير كلام الله إلا من كان مليًا باللغة العربية لأن اللغة القرآن والسنة أو القرآن أعلى درجات الفصاحة والبلاغة حينئذ المعاني
[ ٢٣ / ٢١ ]
التي دل عليها القرآن لا يمكن أن تُدرَك إلا بمكنة لابد أن يكون صاحب دربة ودراية عنده ذوق في فهم المعاني، ومن العربية ما يميز به بين صريح الكلام وظاهره ومجمله وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه ومحكمه ومتشابهه ومطلقه ومقيده ونصه وفحواه كل هذه وهي أبواب من أهم أبواب الاصطلاح مدركها اللغة العربية ولذلك يقول أيضًا الزركشي في البجر المحيط أن من تشبع أو امتلأ بالعربية كفاه أكثر باب القياس لا يحتاج إليه باب القياس الذي ذهب معنا هذا يقول من كان متشبعًا باللغة حينئذ لا يحتاج إلى أكثر أبوب القياس لماذا؟ لأن أكثر ما وُجد من الأحكام الشرعية بالأقيسة التي نص عليها الأصوليون دل عليه اللفظ العام في الكتاب والسنة ولذلك لا نحتاج إلى كثير من الأقيسة وأما ما يقال بأنه يُقاس من أجل تكثير الأدلة فيقال دليل الكتاب والسنة والإجماع هذا خلاف الأصل يعني إذا ورد نص من الكتاب أو السنة على مسألة ما حينئذ لا نحتاج على القياس فيُقال وجوب كذا دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والقياس النص لا نحتاج إليه لماذا؟ لأن القياس إنما يُصار إليه عند عدم النص وعند افتقار الحادثة إلى دليل ولا دليل يدل عليه وأما إذا وُجد وأجمع عليه العلماء حينئذ لماذا نقول بالقياس هم يقول تكثيرًا للأدلة ولا نحتاجها.
[ ٢٣ / ٢٢ ]
فإن علم ذلك في مسألة بعينها إذًا شروط المجتهد هو ما سبق ذكره فهذا يدل على أنه لابد أن يكون مستوعبًا لكل ما يمكن أن يكون وسيلة لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية لأنه جعل حفظ القرآن بعضه وجعل السنة والناسخ المنسوخ والحديث الصحيح والضعيف والمجمع عليه ونسق الأدلة وأصول الفقه والعربية هذا يدل على ما نؤكده دائمًا أن العلوم الشرعية لا تتجزأ ولا تتبعض وإنما يخدم بعضها بعضًا ففقيه ليس أصولي ليس بصحيح ومُفسر لا يدري اللغة ولا الصرف ولا النحو ولا فقه اللغة هذا ليس بصحيح لا وجود له، فإن علم ذلك في مسألة بعينها كان مجتهدًا فيها عرفنا شروط الاجتهاد ومن هو المجتهد هل يتجزأ الاجتهاد ويتبعض أو لا؟ هذا فيه خلاف والصواب أنه يتجزأ يمكن أن عالمًا في كتاب الطهارة من أوله وآخره ولا يدري ما البيع ولا الإيجارة وما الوقف إلى آخره يعني يمكن أم لا؟ ممكن أن يكون عالمًا مجتهدا نحريرًا في كتاب الطهارة كله بل في باب من أبواب الطهارة ثم لا يدري أحكام الزكاة وأنصبة الزكاة إذًا يمكن هذا وهذا لا يُفهَم منه معارضة لما ذكرته الآن إنما هذا يكون بعد استيفاء الآلة هل له أن يجتهد فينظر في كتاب الطهارة فيستنبط كل حكم ويقف على كل حكم بدليله الشرعي أم أنه لابد أن يستمر في كتاب الفقه من أله إلى آخره ثم بعد ذلك يصح له الفتوى في كتاب الطهارة؟ هذا هو محل النزاع فهو قد استوفى الشروط ولكنه استعمل الاجتهاد في كتاب الطهارة ولم يستعمله في بقية مادة الفقه هل له أن يفتي في الطهارة أم أنه لابد أن يستوفي كل الفقه لأنه يحتمل أن يكون بعض المسائل في الطهارة مبنية على البعض الذي لم يقف عليه؟ هو محل النزاع وليس المراد أنه يقف مع كتاب الطهارة ثم لا أصول فقه ولا لغة ولا إلى آخره كما هو الشأن الآن نقول لا ليس هذا المراد وكل من نقل حكمًا شرعيًا أو ظنه مشتهر دون آلة الاجتهاد كما قال العز بن عبد السلام هؤلاء نقلة الفقه اللافقهاء لابد أن يحفظ دليل ويحفظ كذا وفي رأيه أن المسألة عنده لا المسألة صعبة ما هي سهلة، فإن علم ذلك أي الشروط السابقة إذًا علم ذلك كل الشروط السابقة المعتبرة في الاجتهاد، فإن علم ذلك ولكنه استخدمه في مسألة بعينها دون بقية المسائل أو في باب معين أو في فن واحد دون آخر كان مجتهدًا فيها في تلك المسألة وإن لم يعرف غيرها لماذا؟ لأنه قد يتجزأ الاجتهاد ودعوى أن بعضها مبني على الآخر هذه وإن كانت قد تصح في بعض إلا أنها ضعيفة ونادرة والنادر لا حكم له.
[ ٢٣ / ٢٣ ]
ثم قال ويجوز التعبد بالاجتهاد زمن النبي - ﷺ - للغائب والحاضر بإذنه وقيل للغائب هي جوز للصحابي أن يجتهد في زمن النبي - ﷺ - مع وجود النبي - ﷺ -؟ هذا محل نزاع قال يجوز ويجوز التعبد بالاجتهاد لكن مراده هنا الجواز العقلي لكن هل وقع أو لا؟ دل على ماذا؟ أن مراده قوله يجوز الجواز العقلي ويجوز التعبد بالاجتهاد أن يتعبد الله جل وعلا الصحابة يعني يوجب عليهم عند الإيجاب أو يُجيز لهم عند غير ذلك في ذم الاجتهاد في زمن النبي - ﷺ -، للغائب عن النبي - ﷺ - كأن لم يكن بالمدينة كما قال لمعاذ فبما تحكم؟ قال بكتاب الله قال فإن لم تجد قال فبسنة رسول الله - ﷺ - قال فإن لم تجد؟ قال فأجتهد رأيي هذا هو الاجتهاد أقره النبي - ﷺ - لكن معاذ غائب أم حاضر؟ غائب، والحاضر بإذنه للغائب والحاضر بإذنه يعني بإذن النبي - ﷺ - بأن يأمر النبي - ﷺ - هذا الصحابي بالاجتهاد هذا هو القول الأول أنه يجوز مطلقًا للحاضر بإذنه وللغائب وهذا مذهب الأكثر أكثر الأصوليين على هذا أنه يجوز التعبد تعبد الصحابة بالاجتهاد في زمن النبي - ﷺ - ودليله أن النبي - ﷺ - رضي بتحكيم سعد بمعاذ في رجال بني قريظة فقال له لقد حكمت فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سماوات إذًا أقره وهذا حاضر ولكن بإذن النبي - ﷺ - هو الذي أمره هو الذي نصبه حاكمًا، والغائب كما في حديث معاذ وكذلك حديث عمرو بن العاص لما اجتهد وأصبح جنبًا واجتهد فلم يغتسل فتيمم تاليًا قوله تعالى ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ فأقره النبي - ﷺ - على هذا الاجتهاد، وقيل للغائب فقط دون الحاضر بدليل قصة معاذ لكن معاذ أيضًا معها قصة سعد بن معاذ وقيل للغائب يعني دون الحار بدليل قصة معاذ لما بعثه إلى اليمن وقصة عمرو بن العاص.
[ ٢٣ / ٢٤ ]
وأن يكون هو - ﷺ - متعَبَدًا به إذًا نقول قوله ويجوز التعبد جائز عقلًا ووقعًا للحاضر بإذنه - ﷺ - وللغائب ولا إشكال، وأن يكون هو أي النبي - ﷺ - متعَبَدًا به فيما لا وحي فيه هل له أن يجتهد - ﷺ -؟ نقول الصواب نعم الصحيح نعم لكن هنا قال فيما لا وحي فيه أما ما جاء الوحي فيه فلا إشكال لقوله تعالى ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ إذًا أُمر - ﷺ - باتباع ما أُوحي إليه فإن لم يكن ثم وحي نزلت نازلة أو جاءت حادثة فله - ﷺ - أن يجتهد، وقيل لا لا يجوز له الاجتهاد لماذا؟ لإمكان نزول الوحي يمكن أن ينتظر فينزل المقام مقام تشريع والزمن زمن تشريع حينئذ لا يجوز له أن يجتهد فينزل الوحي ولقوله تعالى ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴿٣﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ إذًا لابد أن يكون وحيًا. والصواب أنه يقع الاجتهاد ولذلك قال لكن هل وقع الاجتهاد منه - ﷺ -؟ أنكره بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي وأكثر المتكلمين استدلالا بقوله تعالى ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴿٣﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فلو حكم باجتهاده دون وحي لكان اتباعًا للهوى، والصحيح بلى وقع الاجتهاد منه - ﷺ - لقصة أسارى بدر وغيرها ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ إذًا اجتهد أو لم يجتهد؟ نقول يجتهد - ﷺ - لكن إن وافق الصواب والحق أقره الرب جل وعلا وإلا نزل العتاب ونحو ذلك ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾ ﴿عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ إذًا وقع الاجتهاد وجاء العتاب والتصحيح من الرب جل وعلا.
[ ٢٣ / ٢٥ ]
والحق في قول واحد هذه مسألة تصويب المجتهد هل يتعدد الحق في نفسه أو لا؟ الأصح أنه لا يتعدد فالحق في نفس الأمر أي عند الله - ﷿ - واحد كل مسألة وقع النزاع فيها بين أهل العلم فالحق واحد عند الله جل وعلا ولو اختلفت الأقوال إلى عشرة بل وصل بعض الأقوال إلى ثلاثين في تعيين ليلة القدر وصل إلى ثلاثين قول ذكره ابن حجر حينئذ نقول الحق عند الله واحد منه ولا يتعدد، والحق في قول واحد من المجتهدين من عداه فهو مُخطئ لماذا؟ لأن الحق واحد لا يتعدد وهذا قول جمهور أهل العلم أن الحق واحد ولا يتعدد وأن المجتهد قد يكون مصيبًا وقد يكون مخطئًا ودليل ذلك تقسيم النبي - ﷺ - الاجتهاد أو المجتهد إلى قسمين إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ إذا سماه مُخطئًا فكيف نقول الاجتهاد يكون حقًا هذا رد وهذا قياس فاسد الاعتبار يسمى فساد الاعتبار أو فاسد الاعتبار أي قول أي رأي ثم يأتي النص مُنقضًا لهذا الرأي نقول هذا الرأي فاسد وهو من الرأي المذموم حينئذ لو صح الحديث والأثر تقسيم النبي - ﷺ - الاجتهاد حينئذ لا ينبغي أن يقال هل كل مجتهد مصيب أو لا بل يكون هذا من العبث، والمخطئ في الفروع معذور لكن حيث لا قاطع فإذن أخطأ فله أجر أثبت له الأجر الأجر على أي شيء؟ على الاجتهاد على بذل الوسع على الوقت الذي بذله على النية الصادقة لطلب الحق هذا عمل صالح حينئذ يستحق الأجر يُثاب على هذا العمل، والمخطئ في الفروع قيد هذا ليس في الأصول إنما هي في الفروع يعني المسائل الفقهية الظنية التي ليس فيها دليل قاطع إذا قال ولا قاطع يعني ليس في المسالة دليل قاطع فلا يأتي ويجتهد ويقول صوموا شوال نقول هذه مسائل فيها نوع خلاف، والمخطئ في الفروع ولا قاطع معذور في خطأه غير مأزور لسلامة قصده ونيته مأجور على اجتهاده وبذل الواسع والطاقة وطلب الحق.
[ ٢٣ / ٢٦ ]
وقال بعض المتكلمين كل مجتهد مصيب وهذا باطل ليس بصحيح كل مجتهد مصيب كل الأقوال الخمسة نحكيها كلها حق فخذ ما شئت نقول هذا ليس بصحيح بدليل ماذا؟ كيف ننقض هذا القول؟ بتقسيم الاجتهاد نجعل هذا الحديث أصل في باب الاجتهاد، وليس على الحق دليل مطلوب لعد القطع بصواب واحد من هذه الاجتهادات ليس عليه دليل قاطع نقول لا يطلب القطع وإنما نحن متعبدون بالظن الراجح فإذا وُجد ظن حينئذ وجب العمل ولذلك قيل إذا وُلد ظن وجب العمل فصار وجوب العمل بدليل قطعي والظن حاصل في طريقه ولذلك بعضهم يجعل كما سبق يجعل كل الفقه من باب القطعيات وليس من باب الظنيات كما هو المشهور لماذا؟ لأن القطع بإجماع العلماء أن الظن يجب العمل به هذا مُجمَع عليه فحينئذ إذا وجب العمل بكون الوتر سنة نقول هذا ظن ليس بقاطع العمل بكون الوتر سنة نقول هذا علم وليس بظن لماذا؟ لأن الظن حصل في طريقه في إثباته في الاستدلال له وأما في العمل به فهو علم مقطوع به ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك إذًا هذا القول فاسد كل مجتهد مصيب ومرادهم بالفروع هنا، وقال بعضهم واختلف فيه على أبي حنيفة وأصحابه يعني هذه المسألة أُختلف لم يثبت فيها رأي أبو حنيفة وأصحابه أي أُختلف عنه في هذه المسالة بعينها، وزعم الجاحظ وبأس ما زعم أن مخالف الملة ملة الإسلام اليهودي والنصراني متى عجز عن دَرَكِ الحق فهو معذور الله المستعان هذا اجتهاد وباطل ولا تعجب أن يصدر من أهل البدع مثل هذا الكلام أن مخالف الملة ملة الإسلام متى عجز عن دَرَكِ الحق فهو معذور غير آثم؟ والله - ﷿ - بإجماع أهل العلم يقول أنهم كفار ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ فكيف يقول هو معذور لو قال لو تبلغه الرسالة كان قريب، فهو معذور غير آثم إذًا دعوى وحدة الأديان لها أصل قديم الجاحظ هذا القرن الرابع والنبي - ﷺ - يقول والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار، ويقول معذور غير آثم.
[ ٢٣ / ٢٧ ]
وقال العنبري كل مجتهد مصيب في الأصول والفروع عليه يلزم كل أهل البدع على حق لماذا؟ لأنهم مصيبون، فإن أراد كل مجتهد مصيب في الأصول والفروع يعين الاجتهاد يدخل الأصول كما أنه يدخل الفروع، وعليه يكون الاجتهاد به حال واحدة وهي الإصابة وهذا باطل، فإن أراد أنه أتى بما أُمِرَ به فكقول الجاحظ أُلحق بقول الجاحظ لكن قيل بأنه رجع يعين إن بالإصابة أنه أتى بما كُلف به ما هو تحت قدرته من الاجتهاد وأنه لم يُؤمر إلا بما هو عليه فقوله كقول الجاحظ لأنه يلزم منه تصويب غير اليهود والنصارى، وإن أراد في نفس الأمر لزم التناقض في نفس الأمر يعني ما اعتقده نفسه اليهودي والنصراني وغيره أنه موافق للمعتقد للصحيح لزم التناقض لماذا؟ لأن اليهودي يعتقد أن معتقده صحيح والمسلم يعتقد أن معتقده صحيح والنصراني صحيح والمجوسي إلى آخره وكلهم يعتقدون أن عقيدتهم صحيحة وكلها متناقضة هذا يقول الإله ثلاثة وهذا يقول واحد حينئذ كيف يكونوا مصيبين كيف يصيرون مصيبين؟ هذا باطل لأنه يجعل الشيء ونقيضه حقًا إذًا تعدد الآلهة القول بالثالوث وأنه إله واحد كلاهما حق وهم نقيضان؟
ثم قال فإن تعارض عنده يعني عند المجتهد المطلق دليلان واستويا توقف تعارض عنده دليلان واستويا يعني لم يترجح أحدهما على الآخر ما حكمه؟ قال توقف ولم يحكم بواحد منهما حتى يظهر له مُرجح، لماذا يتوقف؟ لأن إعمال الدليلين جمع بين النقيضين هما متعارضان فإعمالهما جمع بين النقيضين وتقديم أحدهما على الآخر بدون مُرجح تحكم لأنه لا يكون بالتشهي والهوى الترجيح دائمًا يا إخوان وهذا يحصل من طلاب العلم كثير الترجيح بين قول وقول إما بدليل وإما بهوى إن لم يكن بدليل شرعي واضح بين فهو بهوى وتشهي وهنا يقول توقف يعني عن الترجيح ولم يحكم لأحدهما بكونه أرجح من الآخر لماذا؟ لأنه إما أن يُعمِل الدليلين وهذا جمع بين النقيضين وإما أنه يقدم أحدهما على الآخر وحيث لا مرجح يعني المسالة مفروضة في عدم وجود مُرجح فإن رجح أحدهما على الآخر كان تحكمًا فقدم أحد الدليلين على الآخر رجح أحدهما على الآخر بهواه وشهوته.
[ ٢٣ / ٢٨ ]
وقال بعض الحنفية والشافعية لا يتوقف وإنما يُخَيَّر اختر هذا أو هذا وبعضهم يرى أنه يأخذ بالأحوط بدليل أو حديث دع ما يريبك إلا ما لا يريبك، وليس له أن يقول لكن ألظهر طريقة السلف التوقف وليس التخيير التوقف حتى يأتي مرجح وهذا قل أن يوجد قل جدًا أن يوجد دليلًا متعارضان في الشرع ثم يتوقف يوقف يقول لا يوجد مُرجح هذا من أندر المسائل والتمثيل له يعجز عن مثله، وليس له يعني إذا تعارض عنده دليلان واستويا ولا يوجد مُرجح هل يجوز له أن يثبت له قولين؟ يجوز؟ يقول بالتحريم والإباحة له ولنفسه؟ ما يجوز هذا وليس له أن يقول فيه قولان حكاية عن نفسه في حالة واحدة لو أخذ في الأول بالإباحة ثم رجع في آخر عمره بالتحريم لا بأس قال بقولين متناقضين والقائل واحد لكنهما في زمنين هذا ممكن لكن نظر فإذا به هذا حديث بدل أنه طاهر وهذا يدل أنه نجس إذًا أقول طاهر نجس هذا بعيد، وإن حكي ذلك عن الشافعي لذا قال في حالة واحدة يعني في وقت واحد وإذا كان في حالتين في وقتين لا بأس يقول في أول حياته في عمره في طلبه جلد الميتة لا يطهر بالدبغ ثم يرجع عنه هذه سنة أهل العلم يقولون القول لما ظهر له من كتاب أو سنة ثم إذا ظهر أن قوله له مخالف أرجح من حيث الدليل ترك القول الأول وأخذ الثاني ولا يستحون ولا يتحرون ولا قال كُتب أو شيع إلى آخره، وإن حكي ذلك عن الشافعي يعين القول بالقولين عن نفسه حُكي عن الإمام الشافعي أنه قال في عدد من المسائل قولين مختلفين وقد حملها الشافعية على أحد محملين أولًا أنه حكى القولين وليسا من اجتهاده حينئذ لا يُنسب إليه أنه قال قولين في وقت واحد أو أنه ذكر القولين لينظر فيهما هو لينظر فيها فاخترمته المنية قبل ذلك إذًا الشافعي لا يُنسب إليه هذه الحالة.
وإذا اجتهد المجتهد فغلب على ظنه الحكم لم يجز التقليد انتفى في حقه لأن واجبه الاجتهاد تعين عليه الاجتهاد فإذا اجتهد يعني استنبط حصل عنده هذا قبل الاجتهاد شيء يعني إذا حلت مسألة فلها صورتان عن المجتهد هو متمكن وعنده أهلية للنظر اجتهد فاستخرج الحكم هل له أن يقلد بعد ذلك؟ الجواب لا لأن الحكم صار متعين فرض عين عليه ولا يجوز له أن يقلد غيره فالتقليد حينئذ يكون حرامًا في حقه ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ وهما مسئول هو من أهل الذكر فاستنبط الحكم الشرعي ووصل إليه والآلة عنده كاملة نقول فرضك هو الاجتهاد ولا يجوز لك التخير، وإذا اجتهد بهذا القيد فغلب على ظنه الحكم الشرعي لم يجز التقليد وإنما يقلد العامي الذي يقلد هو العامي بدليل قوله ﴿َفاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾، ومن لا يتمكن من الاجتهاد في بعض المسائل فعامي فيها فله أن يقلد غيره هذا الذي قلنا أنه يتجزأ في حق الاجتهاد هو باب الفقه كتاب الطهارة ما شاء الله إمام لكنه في البيع ما يعرف شيء يقول هو عامي في باب البيع مجتهد في باب الطهارة لماذا؟ لأن الاجتهاد يتجزأ ويتبعض ولا باس.
[ ٢٣ / ٢٩ ]
والمجتهد المطلق غير المقيد بمذهب أو فتوى لأن المجتهد عندهم ثلاثة أضرب مجتهد مطلق ومجتهد مقيد بمذهب ومجتهد فتوى، والمجتهد المطلق هو الذي صارت له العلوم خالصة بالقوة القريبة من الفعل من غير حاجة إلى تعب كثير يعني استوفى علوم الآلة وكل شرط اشترطه العلماء في الاجتهاد صار عنده بالقوة لا يشترط فيما ذُكر من العلوم السابقة لا يشترط أن يكون مستحضرًا لها بالفعل كل مسألة لابد أن تكون في الذهن بدليها بأقوال العلماء لا ليس بشرط هذا باتفاق وإنما يشترط هل عنده ملكة بحيث لو نظر في الأدلة ونظر في أقوال الصحابة والأئمة الكبار يستطيع أن يرجح بموجب الاستدلال هذا المراد هذا الذي يشترط ولا يشترط أن لابد أن يكون حافظًا لجميع ما يُقال من الغلة والنحو والبلاغة إلى آخره ومسائل الفقه أقوال العلماء والنصوص لا المراد أن تكون عنده ملكة بواسطتها هذه الملكة إن وُجدت استطاع أن ينظر في الكتاب والسنة فيستنبط لكن الوصل للملكة ليس بالسهل يحتاج إلى ممارسة وإلى أن يتشبع من كل فن، ثم بعد ذلك إن لم يستحضر المسائل فيكون أمرًا ثانويًا وهذا الذي يذكرونه في حد الفقه والعلم بالصلاح فيما قد ذهب فالكل من أل المناحل أربعة يقول لا أدري فكن متبعًا إذًا هم الفقهاء أبو حنيفة يُسأل عن مسائل يقول لا أدري والشافعي وأحمد ومالك كلهم يسألون عن مسائل في الفقه يقولون لا ندري الله أعلم هل معنى ذلك أنهم ليسوا بفقهاء؟ الجواب المراد العلم بالقوة أن تكون عندهم ملكة وأن يكون مستحضرًا لأكثر مسائل الفن، هو الذي صارت له العلوم خالصة العلوم أصلية أو آلية مقاصد أو وسائل خالصة، بالقوة القريبة يعني الملكة التي يقتدر بها على تحصيل التصديق بأي حكم أراد، بالقوة القريبة من الفعل يقولون بالقوة القريبة لأن القوة قوتان قوة قريبة وقوة بعيدة قوة بعيدة هذا المبتدئ عند قوة بعدية يعني الآن هو شرع في العلوم الشرعية يريد أن يكون فقيه بعد خمسة عشرة سنة أو عشرون سنة سيكون عنده قدرة الاستنباط هل هو فقيه الآن أو مُجتهد؟ لا إنما المراد أنه لو أراد الحكم الشرعي لقام مباشرة يوم يومين ثلاثة وإذا به يصدر الحكم الشرعي ولا يحتاج أن يذهب إلى كل علم فيُتعب نفسه كما قال هنا من يغر حاجة إلى تعب كثير في تعلم العلوم التي تكون وسيلة للاستنباط، حتى إذا نظر في مسألة استقل بها دون تقليد لغيره ولا يحتاج إلى غيره فيصير مجتهدًا مطلقًا فهذا أي من هذه صفته قال أصحاب الحنابلة لا يقلد مع ضيق الوقت ولا سعته لا يقلد مطلقًا لا يجوز له التقليد لا يجوز أن يقلد مجتهدًا آخر مطلقًا يعني سواء كان مع ضيق الوقت أو كان ليعمل أو ليفتي أو لينظر أو ليُباحث مطلقًا لا يجوز له أن يقلد غيره ولا يفتي فهذا قال أصحابنا لا يقلد مع ضيق الوقت ولا سعته لماذا؟ لأن فرضه الاجتهاد لقوله تعالى ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ قسم لنا الرب جل وعلا الناس على قسمين ولا ثالث لهما إما جاهل وإما عالم وليس بينهما مفكر ولا مثقف ولا صحفي وإنما عالم وإما جاهل فقط من لم يكن عالمًا بالعلم الذي يعتبر علم الشرعية ما عداه ليس بعلم وكلمة ثقافة هذه حادثة ليست بصحيحة المراد بها أنه يكون
[ ٢٣ / ٣٠ ]
عنده بعض علوم المسائل في كذا في أفكار الإسلام إلى آخره وللأسف يسمون في الجماعة الثقافة الإسلامية يكون أركان الإيمان ستة ثم تُبحث واحد واحد وتسمى ثقافة هذا فساد هذا فساد في التصور بل هذا علم بل هذا أصل العلم فكيف يُعدل به وإذا سماه الله علمًا فكيف نسميه ثقافة أين ورد الثناء على الثقافة ليس عندنا ما ورد الثناء للثقافة وإنما ورد الثناء والمدح للعلم ولأهل العلم فقط وضده الجهل ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ نفى العلم فحينئذ لزم منه ثبوت الجهل إذًا ليس إلا جاهل أو عالم المثقف ليس بينهما ليست واسطة، هنا قال ولا يفتي بما لم ينظر فيه إلا حكاية عن غيره يعني إذا لم ينظر ليستنبط حكمًا لا يعلم الحكم الشرعي ولن يبحث ليس له أن يفتي هذا واضح لا إشكال إلا حكاية عن غيره فيقول هذه المسألة لم أبحث فيها لكن قال مالك كذا والشافعي كذا فيحكي القول ولا يجوز له أن يحكي هكذا دون نسبة إلى أحد لماذا؟ لأنه يُتوَهم أنه اجتهاده وليس باجتهاده. وإن كان الأصح أن يجتهد ضرورة إذا ضاق الوقت يجوز له أن يجتهد لأن الأصل في التقليد التحرير هذا الأصل ويجوز للضرورة كالعوام أو العالم الذي ل يتمكن من البحث والنظر وقد حلت المسألة ووقعت.
[ ٢٣ / ٣١ ]
فإن نص في مسألة على حكم وعلله يعني ذكر علته وهذا يكون في شأن الأئمة الكبار كمالك وأحمد والشافعي الذين لهم أتباع ذكر حكمًا في مسألة وذكر علة ذلك الحكم فمذهبه حينئذ في كل ما وُجدت فيه تلك العلة يعني نقيس إذا أردنا أن نعرف حكم الإمام أحمد في مسالة ما ولم يُنقَل عنه نص في تلك المسألة إلا أنه نص على حكم تضمن تلك العلة التي وجدت في النص غير المقرون بالحكم الشرعي فحينئذ ماذا نصنع مذهب الإمام أحمد في كل علة رتب عليها الحكم وُجدت تلك العلة فحينئذ نحكم بما حكم به في المسألة التي عللها لذلك قال فمذهبه في كل ما وجدت فيه تلك العلة التي نص على حكم فيها مذهبه هو الحكم السابق، فإن لم يعلل لم يُخرج إلى ما أشبهها يعني لا يُنظر في مسالة شبيهة لها فيُنقل الحكم هذا ما يسمى بالتخريج عند أرباب المذاهب إما أن ينظر في مسألة فإذا بها أو وُجدت فيها أو تحققت علة قد حكم عليها الإمام أحمد في موضع آخر مسألة أخرى بحكم شرعي إذًا ماذا نصنع وُجدت العلة نطبق القياس إذًا صار فرعًا وذاك أصل ووجدت العلة التي في الأصل موجودة في الفرع فنقيس فينقل الحكم التي في المسألة إلى عين هذه لكن إذا لم يُعلل وأشبهتها مسألة هل نقول هذه نشبه هذه المسالة وننقل الحكم أم لا؟ هذا ما يسمى بالتخريج المصنف هنا يقول لا فإن لم يُعلَل لم يُخرَج على ما أشبهها يعني لا يُنقَل الحكم إلى ما أشبهها وكذلك لا ينقل حكمه في مسألتين متشابهين كل واحدة إلى الأخرى ولكن الأكثر العمل هذا باب التخريج عند الحنابلة والشافعية كله قائم على هذا أن يُنظر في مسألة لم يُنقل عن الإمام حكم فيها ولم يُنقل علة ولكنها أشبهت تلك المسألة التي حكم فيها الإمام قالوا هذه أشبهت هذه فيُنقل الحكم وهذا يسمى تخريج في باب المذهب. فإن اختلف حكمه في مسألة واحدة، وَجُهِلَ التاريخ فمذهبه يعين إذا عُلم التاريخ فالثاني هي قوله لا يقال بالناسخ والمنسوخ إلا في الكتاب والسنة فقط إما إذا جاء كلام أهل البدع لا نقول هذا ناسخ للأول، فإن اختلف حكمه في مسألة واحدة وَجُهِلَ التاريخ فإن عُلم التاريخ حينئذ نقول الثاني هو مذهبه فمذهبه أشبههما بأصوله وأقواهما يعين ما كن أقرب إلى الدليل الشرعي، وإلا يعني وإلا يُجهَل التاريخ بأن علم التاريخ فالثاني يعني القول الثاني الذي عُلم تأريخه هو المقدم هو المذهب هذا هو الأصل لاستحالة الجمع لا يمكن الجمع بينهما، وقال بعض أصحابنا والأول أي مذهبه الأول كالثاني بمعنى أن كليهما مذهب له وإن عُلم التاريخ لكن لو قيل بزيادة الواو هنا وقال بعض أصحابنا الأول له وجه المُحشي هنا يقول أن يكون الأول مذهبه والثاني وهذا بناءًا على أن الاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد في هذا القول أطلق فيه نظر. وإلا فالثاني يعني وإلا يُجهل التاريخ بأن عُلم لتاريخهما لاستحالة الجمع وقال بعض أصحابنا والأول يعني مذهبه الأول كالثاني بمعنى أن كليهما مذهب له لأن المسألة كالاجتهاد لأن المسألة من باب الاجتهاد والاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد إذًا يُجعَل القولان مذهبًا للإمام أحمد مثلًا لكن ليس عليه عمل هذا بل لابد من الترجيح.
[ ٢٣ / ٣٢ ]
ثم قال والتقليد لم ذكر الاجتهاد ذكر مقابله لأنه إما مجتهد وإما مُقلد العالم يجتهد والعامي يقلد، والتقليد تفعيل من قلد الشيء يقلده تقليدًا وهو وضع الشيء في العنق من دابة أو غيرها وذلك الشيء يكون قلادة واحد القلائد، محيطًا به يعني لابد أن يكون محيطًا فإن لم يكن فلا يكون قلادة ومنه سميت القلادة التي تكون على البعير ونحوها، ثم استعمل في تفويض الأمر إلى الغير كأنه ربطه بعنقه كأن العامي يقول للمجتهد أنا فوضت أمري إليك أنت قل الحكم وأنا معك إذًا صار مثل ماذا؟ كأنه ربطه من عنقه وسحبه معه هذا الأصل، واصطلاحًا قبول قول الغير بلا حجة يعني بلا معرفة دليل حرام جائز مُباح فقط لماذا؟ لأن لو ذُكر له الدليل هو عامي ما يحسن الاستنباط ولا يحسن النظر في الأدلة إذًا قبول قول الغير بلا حجة فيخرج الأخذ بقوله - ﷺ - لأنه هو حجة - ﷺ - إذًا اتباع النبي - ﷺ - لا يسمى تقليدًا لأننا اتبعنا حجة لو أخذنا قول النبي - ﷺ - دون نظر لو اجتهد النبي - ﷺ - ولم نعلم وجه الاستدلال وأخذنا بقوله - ﷺ - هل يسمى تقليدًا؟ لا لأن قوله حجة هو حجة عينها - ﷺ - فعله وقوله وتقريره وتركه إلى آخره، لأنه حجة في نفسه والإجماع الأخذ بالإجماع هل يسمى تقليدًا؟ قال لا والإجماع كذلك مثل الأخذ بقوله - ﷺ - أي يخرج من التقليد اتباع الإجماع لأنه حجة في نفسه.
[ ٢٣ / ٣٣ ]
ثم قال أبو الخطاب العلوم على ضربين يعين من حيث جواز التقليد وعدمه، هل كل علم يجو أن يقلد الإنسان وغيره أو لا؟ فيه تفصيل هل الفروع كالأصول أم لابد من تفصيل، قال العلوم على ضربين ما لا يسوغ فيه التقليد كالأصولية يقصدون بها العقائد لا يجوز التقليد في أصول التوحيد ولا وجود الرب جل وعلا ولا أسمائه ولا صفاته ولا كذلك ما عُلمك من الدين بالضرورة كأصول العبادات ونحوها كالصيام والحج أنها واجبات لا يجوز التقليد فيها هذا على قول أبي الخطاب ما لا يسوغ فيه التقليد يعني لا يجوز فيه التقليد لماذا؟ لأن هذه العلوم الأصلية التي هي العقائد وما ثبت أو ما كان معلومًا من الدين بالضرورة التي يستوي فيها العامي وغيره هذه لا يُكتفى فيها بالظن لابد من اليقين والقطع فلما كان المُقلد لغيره بلا حجة لا يستفيد قطعًا مُنع التقليد في الأصول في العقيدة، وما يسوغ أي ما يجوز فيه التقليد وهو الفروعية كالمعاملات ونحوها كل ما لم يكن من أصول العقيدة أو أصول العبادات فيجوز فيه التقليد على رأي أبي الخطاب هنا، أبو الخطاب يرى منع التقليد في العقيدة وما أشبهها كأصول العبادات وما يجوز فيه التقليد وهي الأحكام الفروعية، وقال بعض القدرية يلزم العامي النظر في دليل الفروع أيضًا وهو باطل بالإجماع الله - ﷿ - قسم الناس ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ نفي هذا فكيف يلزمه النظر في الأدلة؟ هذا قول ابن حزم، وقال أبو الخطاب يلزمه معرفة دلائل الإسلام والمراد بدلائل الإسلام هنا دلائل أركان يعني أدلة أركان الإسلام يعني بها أصول العبادات لابد لأنه يستوي في العلم بها العامي وغيره، ونحوها مما اشتهر ونحوها يعني نحو أركان الإسلام ما يسمى بأصول العبادات، مما اشتهر ونُقل نقلًا متواترًا فلا كلفة فيه، ثم العامي لا يستفتي ذكر هنا من يستفتيه العامي ثم العامي لا يستفتي إلا من غلب على ظنه علمه لا يجوز أن يُقدم على أي أحد فيسأله لابد أن يغلب على الظن أنه من أهل العلم والدين إلا من غلب ظنه ظن المُستفتي العامي علمه، لاشتهاره بالعلم والدين قد يقول قائل كيف أعلم أنه عالم؟ لاشتهاره بالعلم ولا يكفي بل لابد أن يضم إليه الدين وهو العمل بعلمه لأن القسمة ثلاثة علم بلا عمل وهذا مذموم شرعًا فحينئذ لو وُجد هذا الصنف يُستفتى أو لا؟ لا يُستفتى لأنه يشبه اليهود أشبه ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ قسمة ثلاثية ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ﴿٦﴾ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴿٧﴾﴾ ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ اليهود ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ علم بلا عمل أشبه اليهود عمل بلا علم أشبه النصارى وكلا النوعين في أمة محمد - ﷺ - فلا يُستفتى لا هذا ولا ذاك وإنما يُستفتى من جمع بين العلم والعمل والدين، أو بخبر عدل بذلك أي يحكم عالم بأن هذا يُستفتى أو أهل الاستفتاء وليست الشرهة لوحدها دليل على صحة الاستفتاء، أو بخبر عدل بذلك لا من عُرف بالجهل لا من عُرف يعني لا يُستفتى من عُرف بالجهل هذا كيف؟ لا من عُرف بالجهل يعني من عُرف بالجهل هذا لا يجوز
[ ٢٣ / ٣٤ ]
استفتاؤه ولا خلاف في هذا إذا علمت أن هذا ليس من أهل العلم فتستفتيه نقول هذا لا يجوز ولو تحلى بالشهادات إلى آخره وإن كان مشهورًا في الصحف والمجلات والقنوات إلى آخره هذا لا يكفي أنه من أهل العلم فالشهرة ليست دليلًا على العلم بل قد يكون من أجهل الجاهلين وهو من أشهر المشهورين. فإن جَهِلَ حاله لا تعرف قال لم يسأله فإن جَهِلَ حاله ما يدري هل هو من أهل العلم أو لا ولو أخذ ببعض مظاهر أهل العلم، لم يسأله يعني لا يجوز تقليده لا يجوز سؤاله، وقيل يجوز من جهل حاله لأن العادة جرت بذلك أن من دخل بلدًا لا يسال هل هذا عالم هل هذا مشهور بالعلم إنما يسال ويستفتي مباشرة وإنما الصواب الأول، فإن كان في البلد مجتهدون تخيَّر إن لم مُرجح، وقال الخرقي الأوثق في نفسه وهذا أصح الأوثق في نفسه يعني من وُجد في نفسه أو اقتنع في نفسه أن هذا أرجح من هذا ولو اشتركا في العلم والدين لماذا؟ لأن المجتهد أو العامي أُستثني له مسألة واحدة يجتهد فيها وهي هذه يجتهد فيمن يستفتي يستفتي من فيبحث ويستنبط من كلام الناس هل هذا أثق هل هذا أعلم هل هذا عنده دين إلى آخره فيستقر في نفسه أن هذا أعلم من ذاك أوثق من هذا، حينئذ يتعين في حقه ولا يجوز العدول له عن غيره. وقال الخرقي الأوثق في نفسه يعني يجتهد في معرفة الأوثق.
ثم قال رحمه الله تعالى وهذا آخره آخر المختصر الذي اختصره من كتابه المذكور آنفًا، والله تعالى أعلم ختم كتابه برد العلم لله جل وعلا، وهو المُوفق يعين الرب جل وعلا هذا اسم فاعل مشتق من التوفيق لو قيل وبالله التوفيق كان أولى من أن يُقال والله الموفق لأن المُوفق هذا اسم فاعل والأصل فيه على دال على ذات متصفة بوصف وهذا شأن الأسماء والأعلام هذا الأصل لكن إطلاق المصادر والأفعال الواردة في الشرع حينئذ لا باس بها أما أن يشتق من المصدر اسم أو يشتق من الفعل اسم فالأصح أن الأعلام توقيفية أسماء الله تعالى توقيفية، إذًا المُوفق هذا اسم فاعل بكسر الفاء وهو صفة من صفات الله تعالى لا شك أن التوفيق صفة من صفات الله - ﷿ - ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا﴾ هذا من فعل الله - ﷿ - لكن يُقال يوفق ولو قيل بالمصدر لا بأس لأنه لا يفيد علمية أما الموفق هذا لم يرد، وله الحمد وحده ختم بما بدأ به وهو الوصف أو الثناء على الرب جل وعلا بما يستحقه، وله الحمد أي لا لغيره وحده هذا تأكيد إذًا أفاد هنا الحصر بجهتين من تقديم الجار والمجرور وهو خبر ومن جهة التأكيد بقوله وحده لأنه حال، وصلواته على سيدنا محمد رسوله المصطفى وعلى آله وصحبه وسلامه يعني ختم بما بدأ وهو الصلاة والسلام على النبي - ﷺ - لامتثال لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وبهذا نكتفي في هذا القدر واسأل الله الكريم أن يمن علينا وعليكم بالعلم النافع والعمل الصالح وأن يحيينا وإياكم على الإسلام والسنة إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٢٣ / ٣٥ ]