قوله: (مسألة: إذا علق وجوب العبادة بوقت موسع كالصلاة تعلق بجميعه أداء عند الجمهور، ولنا في وجوب العزم إذا أخر وجهان. وقال بعض المتكلمين: يتعلق الوجوب بجزء غير معين، كخصال الكفارة، واختاره ابن عقيل في موضع، وحمل أبو البركات مراد أصحابنا عليه، قلت: صرح القاضي وغيره بالفرق).
هذه مسألة الواجب الموسع والذي عليه أصحابنا والمالكية والشافعية والبلخي (٢) وأبو علي وأبو هاشم. قال أبو الطيب:
_________________
(١) العنوان من الهامش. انظر: مبحث الواجب الموسع في التمهيد (١/ ٣٣٩ - ٣٤١)، والواضح (١/ ق ٢٨ أ - ٢٨٣ ب) القواعد والفوائد الأصولية ص (٧٠ - ٧١)، تحرير المنقول للمرداوي (١/ ١٥٨ - ١٥٩)، والبحر المحيط للزركشي (١/ ق ٦٤ أ - ٦٧ أ) وبيان المختصر للأصبهاني (١/ ٣٥٦ - ٣٦٢).
(٢) هو الثلجي كما ذكر السرخسي والزركشي وغيرهما وهو محمد بن شجاع الثلجي البغدادي الحنفي (أبو عبد الله) فقيه العراق وتفقه بالحسن بن زياد اللؤلؤي وهو متروك الحديث ومن كتبه: تصحيح الآثار، النوادر في فروع الفقه والكفارات، وتوفي سنة (٢٢٦ هـ). انظر: أصول السرخسي (١/ ٣١)، البحر المحيط (١/ ق ٦٤ ب)، =
[ ١ / ٣٦١ ]
هو مذهب الشافعي وأصحابنا أن جميع الوقت وقت للأداء (١).
زاد التاج السبكي قيدا فقال: جميع وقت الظهر جوازا (٢) قال شارحه (٣): واحترز بقوله: (جوازا) عن وقت الضرورة فإنه أوسع من ذلك، وهذا قيد (زاده) (٤) على المصنفين لابد منه. انتهى.
لكن هل يشترط لجواز التأخير عن أول الوقت العزم؟ فيه وجهان للحنابلة والشافعية.
أحدهما: هو شرط اختاره الجمهور من الحنابلة وأبو نصر (٥) المالكي على أصول أصحابه، وأبو الطيب وابن الباقلاني وصححه النووي (٦)
_________________
(١) = وشذرات الذهب (٢/ ١٥١)، تقريب التهذيب ص (٣٠١)، ومعجم المؤلفين (١/ ٦٤)، سلم الوصول للمطيعي (١/ ١٦٢).
(٢) انظر: المسودة ص (٢٦ - ٢٨)، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد (١/ ٢٤١)، شرح تنقيح الفصول ص (١٥٠)، الأحكام للآمدي (١/ ٧٩ - ٨٢)، المعتمد لأبي الحسين (١/ ١٢٥)، والمجموع للنووي (٣/ ٤٧ - ٤٩).
(٣) عبارة التاج (الأكثر أن جميع وقت الظهر جوازًا ونحوه) جمع الجوامع (١/ ١٨٧).
(٤) هو الزركشي. انظر تشنيف المسامع (ق ١٦ ب).
(٥) في التشنيف "زاده".
(٦) هو القاضي عبد الوهّاب بن علي بن نصر البغدادي، حيث ذهب هو والقاضي أبو بكر الباقلاني إلى اشتراط العزم، وتقدمت ترجمة عبد الوهّاب ص (٢٥٣)، انظر: نشر البنود على مراقي السعود لسيدي عبد الله الشنقيطي (١/ ١٨٢) ط. دار الكتب بلبنان ..
(٧) هو يحيى بن شرف بن مري النووي (أبو زكريا محيي الدين) شيخ الإِسلام وشيخ المذهب الشافعي بلا منازع ولد سنة (٦٣١ هـ) وكان آية في العلم =
[ ١ / ٣٦٢ ]
في "شرح المهذب" (١) وبه جزم في المستصفى (٢).
والثاني: عدم وجوبه. واختاره أبو الخطاب، ومال إليه القاضي أبو يعلى في "الكفاية" (٣) واختاره المجد، وهو قول أبي علي وأبي هاشم والجويني وأنكره الرازي وأبو الحسين البصري (٤).
_________________
(١) = والتقوى والزهد والورع وله المصنفات العظيمة كـ "رياض الصالحين والمجموع وشرح صحيح مسلم والروضة والأذكار وغيرها، وتوفي سنة (٦٧٦ هـ). انظر ترجمته: في شذرات الذهب (٥/ ٣٥٤ - ٣٥٦)، الفتح المبين (٢/ ٨١ - ٨٢)، ومعجم المؤلفين (١٣ - ٢٠٢ - ٢٠٣)، طبقات الشافعية للأسنوي (٢/ ٤٧٦ - ٤٧٧).
(٢) المهذب كتاب في فقه الشافعية لأبي إسحاق الشيرازي، المتوفي سنة (٤٧٦ هـ) وشرحه النووي وسمى الشرح "المجموع".
(٣) انظر: روضة الناظر للموفق ص (١٨ - ١٩)، والمغني له (١/ ٣٩٥)، ومختصر ابن الحاجب (١/ ٢٤١) وما بعدها والأحكام للآمدي (١/ ٨٠)، والمجموع للنووي (٣/ ٤٩)، والمستصفى للغزالي (١/ ٦٨ - ٧٠) نهاية السول (١/ ١٦٧)، البحر المحيط للزركشي (١/ ق ٦٤ ب).
(٤) والذي ذهب إليه القاضي في العدة (١/ ٣١١) اشتراط العزم.
(٥) أي أنكر وجوب اشتراط البدل الرازي وأبو الحسين وممن ذهب إلى عدم اشتراط البدل، الآمدي واختاره الغزالي في المنخول، والتاج السبكي ونقله والده تقي الدين عن جمهور الفقهاء. انظر: التمهيد لأبي الخطاب (١/ ٢٤٠) وما بعدها، المسودة ص (٢٨) والمعتمد لأبي الحسين (١/ ١٤١)، والمحصول (١/ ١/ ٢٩٢)، والأحكام للآمدي (١/ ٨٠)، والمنخول ص (١٢١) وجمع الجوامع بشرح المحلى (١/ ١٨٨) والإبهاج بشرح المنهاج، (١/ ٩٥) تشنيف المسامع (ق ١٧ ب).
[ ١ / ٣٦٣ ]
الحنفية: يتعلق بآخره فلو قدمه ففعل يسقطه (١).
وبعضهم مراعًا إلى آخر الوقت بصفة التكليف يقول الكرخي (٢) وهو خرق للإجماع. وعن الكرخي أيضًا: بالدخول في الفعل في أي آخر الوقت كان.
وقيل: الوجوب يتعلق بأول الوقت وبعده قضاء.
وقال الرازي وأبو الحسن الكرخي: يتعلق بجزء من الوقت غير معين كالتعلق في الكفارة ويتأدى الوجوب بالمعين.
قال ابن حمدان في "مقنعه": وهو أقيس، وقال الشيخ مجد الدين: هذا أصح (عندي) (٣) وأشبه بأصولنا في الكفارات فيجب أن يُحمل مراد أصحابنا عليه ويكون الخلل في العبارة (٤).
دليل الأول: قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (٥) وقول النبي - ﷺ - لما صلى أول الوقت وآخره "الوقت ما
_________________
(١) انظر: أصول السرخسي (١/ ٣١ - ٣٣)، ومسلم الثبوت (١/ ٧٣ - ٧٦)، تيسير التحرير (٢/ ١٩١).
(٢) هو عبيد الله بن الحسن بن دلال الكرخي الحنفي (أبو الحسن) ولد سنة (٢٦٠ هـ) وانتهت إليه رئاسة الحنفية في عصره بعد ابن حازم وأبي سعيد البردعي ومن كتبه: رسالة في الأصول، المختصر في الفقه وتوفي سنة (٣٤٠ هـ). انظر ترجمته: في الفتح المبين للمراغي (١/ ١٨٦ - ١٨٧) وتاج لا تراجم ص (٣٩)، الفوائد البهية ص (١٠٨ - ١٠٩).
(٣) ليست موجودة في المسودة.
(٤) المسودة ص (٢٩).
(٥) سورة الإسراء: (٧٨).
[ ١ / ٣٦٤ ]
بين هذين" (١) والتخصيص بأولى الوقت دون آخره وبالعكس تحكم لا دليل عليه.
الحنفية: لو وجب أولًا لعصى بتأخيره، قيل: التعجيل والتأخير مخير كخصال الكفارة.
والكرخي والرازي قالا: لما كان المكلف مخيرًا في الأوقات كلها صارت الأوقات كالأعيان المخيَّر بينها في كفارات التخيير (٢).
وصرح القاضي وابن عقيل وغيرهما بالفرق لظاهر النص المتقدم.
وقال ابن عقيل: التعميم يزيل معنى توسعة التخيير في التكفير، وتوسعة قيام شخص مقام آخر في الكفاية بالبعض، وهنا لم تزل الرخصة (٣).
_________________
(١) رواه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ولفظ مسلم "الوقت بين هذين" ورواه أبو داود (٣٩٥) والنسائي وأحمد بلفظ "الوقت فيما بين هذين" وأخرجه الدارقطني وأبو عوانة والطحاوي. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (٥/ ١١٥ - ١١٦) سنن أبي داود (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، سنن النسائي (١/ ٢٦٠ - ٢٦٣) ومسند أحمد (٤/ ٤١٦) وإرواء العليل للألباني (١/ ٢٧١ - ٢٧٢).
(٢) انظر: المحصول (١/ ١/ ٢٩٨).
(٣) في الواضح (وهاهنا إذا علقنا الوجوب على جميع الأوقات لم تزل الرخصة لأن الوقت الأول والثاني والثالث ظروف لفعل واحد في أيها فعل أجزأه).
[ ١ / ٣٦٥ ]
وفيه فائدة وهي: تعلق المأثم بالترك في كل الوقت لا يختصر بالأخير (١).
قال القاضي في العدة: وأما من شبه ذلك بالكفارة فهو الدليل، عليه لأن الكفارة واجبة عليه من حيث الحنث في يمينه، وبأي نوع من أنواع الكفارة كفر كان وجوب الكفارة سابقًا لفعله، وكان مؤديًا لما سبق وجوبه، كذلك يجب أن يكون في أول وقت من أوقاته فعل أن يكون فاعلًا لما سبق وجوبه (٢).
واحتج من قال باشتراط العزم بأنه بدل عن الفعل في أول الوقت، وهو المانع من حصول المأثم بالتأخير.
فقيل لهم: لو كان بدلًا لسد مسد المبدل منه، كسائر أبدال الشرع كالماء عن التراب، والإطعام عن الصوم، والصيام عن العتق، والصوم عن الدم في الإحرام، فلما لم يسد مسد المبدل منه بل كان في الذمة بحاله بطل كونه بدلًا.
قالوا: إنما هو بدل عن تقديم الفعل وتعجيله لا عن أصله، فإذا عزم كان عزمه بدلًا عن تقديم الفعل في كل وقت كان فيه عازمًا على الفعل في الوقت الذي يليه، فصار كأن الشرع يقول للمكلف: لك تأخير الفعل عن أول الوقت بشرط أن يكون عازمًا لا مهلًا قال لهم المعترض: فأين لنا بدل عن وصف فعل لا عن أصله؛ لأن التقديم وصف للصلاة، قالوا: لنا مثل ذلك في الفدية الواجبة على الحامل والمرضع إذا خافتا على الجنين والرضيع
_________________
(١) عن الواضح لابن عقيل (١/ ق ٢٨١ ب) بتصرف.
(٢) انظر: العدة لأبي يعلى (١/ ٣١٥).
[ ١ / ٣٦٦ ]
ويجب إطعام مسكين عن كل يوم، والصوم واجب في الذمة فلم تكن الفدية بدلًا عن أصل الصوم لكن عن تأخيره فكما لم يخل الوقت الأول في باب الصلاة عن عزم لم يخل زمان رمضان عن إطعام وهو بدل عن الصوم فيه لا عن أصل الصوم.
تنبيه: قول المصنف: "اختاره ابن عقيل في موضع" أخذها من كلامه في الفصول حيث جعل مسألة الواجب الموسع كالواجب المخير وقاسها عليه.
قال المصنف "فهو موافق لما اختاره أبو البركات" مع ابن عقيل صرح بالفرق.
* * *
[ ١ / ٣٦٧ ]