قوله: (مسألة: الأعيان المنتفع بها قبل السمع على الإباحة عند التميمي وأبي الفرج المقدسي وأبي الخطاب والحنفية، وعلى الحظر عند ابن حامد والحلواني، فعليه يباح تنفس وسَدُّ رمق وذكره بعضهم إجماعًا، وعلى الوقف عند أبي الحسن الجزري (٢) والصيرفي (٣) وهو المذهب عند ابن عقيل وغيره.
_________________
(١) العنوان من الهامش. انظر: هذا المبحث في: مختصر الطوفي ص (٢٩)، شرح الكوكب المنير (١/ ٣٢٢) وما بعدها والمدخل لابن بدران ص (٦٤) والمستصفى للغزالي (١/ ٦٣) واللمع للشيرازي ص (٦٨ - ٦٩)، وإرشاد الفحول للشوكاني ص (٥٨٢).
(٢) في الأصل الخرزي وهو تصحيف وسبق التنبيه عليه ص (٢٠١). انظر: شرح الكوكب المنير (١/ ٣٢٣).
(٣) هو محمد بن عبد الله البغدادي الشافعي (أبو بكر) الملقب بـ "الصيرفي" الإمام الفقيه الأصولي تفقه على أبي العباس بن سريج قال عنه القفال: ما رأيت أحدًا أعلم بالأصول بعد الشافعي من أبي بكر الصيرفي ومن كتبه البيان في دلائل الإعلام على أصول الأحكام وكتاب في الإجماع، وتوفي سنة (٣٣٠ هـ). انظر ترجمته: في الفتح المبين (١/ ١٨٠)، وشذرات الذهب (٢/ ٣٢٥)، ومعجم المؤلفين (١٠/ ٢٢٠).
[ ١ / ٣٠٨ ]
فعليه لا إثم بالتناول كفعل البهيمة، وفي إفتائه بالتناول خلاف لنا.
وفرض ابن عقيل المسألة في الأقوال والأفعال قبل السمع).
ذكر المصنف في هذه المسألة ثلاثة مذاهب:
أحدهما: الإباحة، وممن قال به من غير من ذكره المصنف الظاهرية وابن سريج وأبو حامد (١) المروزي الشافعيان (٢) واختاره القاضي في مقدمة "المجرد" (٣) وقال: أومأ إليه أحمد، لأنه سئل عن قطع النخل؟ قال: لا بأس لم نسمع في قطعه شيئًا (٤).
_________________
(١) كذا في الأصل وصوابه "المَرْوَ الرُّوذي" وهو: أحمد بن بشر بن عامر العامري المَروروذي الفقيه الأصولي الأديب وأحد أئمة الشافعية في عصره وتفقه على أبي إسحاق المروزي ومن كتبه: الإشراف على الأصول في أصول الفقه، والجامع الكبير وشرح مختصر المزني في الفقه، وتوفي سنة (٣٦٢ هـ). انظر ترجمته في الفتح المبين (١/ ١٩٩ - ٢٠٠) وشذرات الذهب (٣/ ٤٠) طبقات الشافعية للأسنوي (٢/ ٣٧٧ - ٣٧٨).
(٢) وهو قول جمهور الحنفية. انظر: التمهيد لأبي الخطاب (٤/ ٢٦٩) وفواتح الرحموت (١/ ٤٩)، الأحكام لابن حزم (١/ ٥٨ - ٦٧)، والمستصفي (١/ ٦٣)، واللمع للشيرازي ص (٦٨ - ٦٩)، والإبهاج بشرح المنهاج (١/ ١٤٢).
(٣) هو كتاب في الفقه الحنبلي لأبي يعلى. انظر: طبقات الحنابلة (١/ ٢٠٥).
(٤) انظر: المسودة ص (٤٧٨)، والقواعد والفوائد الأصولية للبعلى ص (١٠٧).
[ ١ / ٣٠٩ ]
الثاني: الحظر، واختاره القاضي في "العدة"، وقال: أومأ إليه أحمد: "لا يخمس السلب ما سمعنا" (١).
وقال في الحليِّ يوجد لقطة: إنما جاء الحديث في الدراهم والدنانير (٢).
الثالث: الوقف قال أبو الخطاب وأراه أقوى على أصل من يقول: العقل لا يحرم ولا يقبح (٣).
قال في الروضة: هو اللائق بالمذهب (٤).
قال بعضهم: لا يجوز على المذهب غيره.
وهذا قول الصيرفي، وأبي علي (٥) الطبري الشافعيين
_________________
(١) في العدة ص (٤٧٨) "ما سمعنا أن النبي - ﷺ - خمس السلب".
(٢) الأصل في اللقطة حديث زيد بن خالد الجهني - ﵁ - قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فسأله عن اللقطة فقال: اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها، والحديث أخرجه مالك في الموطأ (١٥٢٠) والبخاري (٢٣٧٢) ومسلم وأبو داود (١٧٠٤)، والترمذي (١٣٨٨)، والنسائي مختصرًا وابن ماجه (٢٥٠٤) وأحمد مختصرًا. انظر: موطأ مالك (٤/ ٥٠ - ٥٣) صحيح البخاري (٥/ ١٦) وصحيح مسلم بشرح النووي (١٢/ ٢٠) وسنن أبي داود (٢/ ٣٣١) وجامع الترمذي بتحفة الأحوذي (٤/ ٦١٨) وسنن النسائي (٥/ ٤٤)، وسنن ابن ماجه (٢/ ٨٣٧)، ومسند أحمد (٤/ ١١٦) (٥/ ١٩٣)، ونيل الأوطار للشوكاني (٥/ ٣٣٨) وسبل السلام للصنعاني (٣/ ٩٤)، والمغني لابن قدامة (٥/ ٦٩١).
(٣) انظر: التمهيد لأبي الخطاب (٤/ ٢٧٠ - ٢٧١).
(٤) انظر: روضة الناظر لابن قدامة ص (٢٢).
(٥) هو الحسين بن القاسم (أبو علي الطبري) أحد شيوخ الشافعية ببغداد =
[ ١ / ٣١٠ ]
والأشعرية (١).
قال ابن مفلح: ولا نفتي بالتناول وفيه خلاف لنا.
وقال ابن عقيل أيضًا: الأليق بمذهبه أن يقال: لا ندري ما الحكم؟
وعند المعتزلة: يباح ما يحتاج إليه وما حكم العقل فيه بشيء اتبع، فينقسم إلى الأقسام الخمسة بحسب ترجيح فعله على تركه وذم تاركه وعدمه وعكسه واستوائه (٢).
قال ابن مفلح: وهو معنى كلام التميمي وغيره من أصحابنا.
قالت المعتزلة: وما لم يحكم العقل فيه بشيء فثالثها (٣) الوقف عن الحظر والإباحة وفيه نظر لعدم الدليل.
_________________
(١) = تفقه على علي بن أبي هريرة وله مؤلفات كثيرة منها: "المحرر" وهو أول كتاب صنف في الخلاف و"المجرد" و"الإيضاح" وتوفي سنة (٣٥٠ هـ). انظر ترجمته: في الفتح المبين (١/ ١٩٦ - ١٩٧)، وشذرات الذهب (٣/ ٣)، وطبقات الشافعية للأسنوي (٢/ ١٥٤).
(٢) وهو قول الجويني وبعض الحنفية وأبي إسحاق الشيرازي وغالب أهل الحديث. انظر: البرهان للجويني (١/ ٩٩) تيسير التحرير (٢/ ١٦٨)، التبصرة للشيرازي ص (٥٣٢).
(٣) انظر: مذهب المعتزلة في المعتمد لأبي الحسين البصري (٢/ ٣١٥ - ٣٢٣).
(٤) كذا في الأصل والمعنى أن ما لم يحكم فيه العقل بقبح ولا حسن فللمعتزلة فيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه مباح وهذا مذهب أبي علي وأبي هاشم. الثاني: أنه محظور وإليه ذهب بعض شيوخ المعتزلة البغداديين. الثالث: الوقف. انظر: المرجع السابق (٢/ ٣١٥)، والقواعد والفوائد الأصولية للبعلي ص (١٠٩).
[ ١ / ٣١١ ]
القائل بالحظر (١): تصرف في ملك غيره بلا إذن.
رد: فيمن يلحقه ضرر.
القائل بالإباحة (٢): خلقه وخلق المنتفع به لفائدة وليست إليه فالحكمة تقتضي إباحته، وليس المراد الاستدلال بطعمه على خالقه لحصوله من نفسه فالمراد غيره.
رد: خلق ليصبر فيثاب.
قال القاضي: لا يمتنع أن نقول قبل ورود الشرع إن العقل يحرم ويقبح إلى أن ورد الشرع فمنع ذلك إذ ليس قبل ورود الشرع ما يمنعه (٣).
قال: وقد قيل (٤): علمناه من طريق شرعي وهو إلهام من الله ﷿ لعباده بحظره وإباحته، كما ألهم أبا بكر (٥) (٦) - ﵁ - أشياء.
_________________
(١) هذا استدلال القائلين بأن الأعيان المنتفع بها قبل السمع على الحظر. انظر: روضة الناظر لابن قدامة ص (٢٢).
(٢) هذا استدلال القائلين بالإباحة.
(٣) انظر: المسودة ص (٤٧٧).
(٤) هذا اعتراض على القول السابق. انظر: المرجع السابق.
(٥) هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن مرة التيمي "أبو بكر بن أبي قحافة" خليفة رسول الله - ﷺ - والصديق الأكبر ومناقبه - ﵁ - كثيرة، وتوفي في جمادى الأولى سنة (١٣ هـ) وله ثلاث وستون سنة. انظر ترجمته: في الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ١٦٩ - ٢١٣)، وشذرات الذهب (١/ ٢٤ - ٢٦)، وتقريب التهذيب ص (١٨١).
(٦) هو عمر بن الخطاب بن نافيل بن عبد العزى القرشي العدوي أمير المؤمنين أبو حفص - ﵁ - استشهد - ﵁ - في ذى الحجة سنة (٢٣ هـ). =
[ ١ / ٣١٢ ]
وكذلك قال الحلواني وغيره.
وضعفها بعض الأصحاب على هذا الأصل (١).
والقائلون بالحظر اختلفوا في القدر الذي لا تقوم النفس إلا به، كالتنفس في الهواء وشرب الماء وتناول ما يسد الرمق هل هو مباح أو محظور على قولين: الإباحة دفعًا للحرج المنفي شرعًا، والحظر لأنه من جملة المحظور (٢) لكن من يقول بحظر هذا فإنه من باب تكليف ما لا يطاق، ذكره بعضهم (٣).
القائل بالوقف: للتعارض الواقع في الأدلة.
قيل: إن أراد الأدلة الواقعة من أهل الحظر والإباحة ففاسد وإن أراد لتوقف الحكم على السمع فصحيح.
تنبيهان:
أحدها: قال قوم: لا فائدة لهذه المسألة (٤)، لأنه لم يخل
_________________
(١) = انظر ترجمته: في الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ٢٦٥ - ٣٧٦)، وشذرات الذهب (١/ ٣٣ - ٣٤)، تقريب التهذيب ص (٢٥٣)، الإصابة لابن حجر (٢/ ٣١٨ - ٥١٩)، أسد الغابة (٤/ ١٤٥ - ١٨١).
(٢) وهو القاضي أبو يعلى حيث صرح بأن عدم حكم العقل معلوم بالشرع ولهذا إنما استدل عليه بالنصوص، وحكى في الإلهام هل هو طريق شرعي قولين. أهـ بتصرف. عن المسودة ص (٤٧٨).
(٣) في الأصل "الحضر" و"المحضور".
(٤) انظر: المرجع السابق ص (٤٧٦)، والقواعد والفوائد الأصولية للبعلى ص (١٠٩).
(٥) انظر: المسودة ص (٤٨٥ - ٤٨٨)، والقواعد والفوائد الأصولية للبعلي ص (١٠٩ - ١١٠).
[ ١ / ٣١٣ ]
وقت من شرع، لأنه أول ما خلق الله آدم قال له: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ﴾ (١) الآية أمرهما ونهاهما، وكذا قال أبو الحسن الجزري: لم تخل الأمم (٢) من حجة، واحتج بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا﴾ (٤).
قال القاضي: هذا ظاهر كلام أحمد قال: ويتصور فيمن خلقه ببرية ولم يعرف شرعًا وعنده فواكه (٥).
وكذا قال أبو الخطاب (٦): لو قدرنا خلو شرع من حكمها ما حكمها؟ قال القاضي: ويفيد في الفقه أن من حرم شيئًا أو أباحه فقال بقيت على حكم العقل، هل يصح ذلك، وهل يلزم خصَمه احتجاجُه بذلك؟
وهذا مما يحتاج إليه الفقيه (٧).
وكذا في التمهيد والروضة (٨).
الثاني: ذكر المصنف أن المسألة مفروضة في الأعيان المنتفع بها، وكذا العلامة ابن مفلح.
_________________
(١) سورة البقرة: (٣٥).
(٢) في المسودة (٤٩٧) لم تخل الأمم قط من حجة.
(٣) سورة القيامة: (٣٦) وتمامها ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾.
(٤) ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ من الآية: (٣٦) من سورة النحل.
(٥) انظر: المسودة ص (٤٨٦).
(٦) في التمهيد (١/ ٢٧٢) "وهذه الأشياء لو قدرنا" الخ.
(٧) انظر: المسودة ص (٤٨٦).
(٨) أي في التمهيد والروضة بمعنى ما قاله القاضي. انظر: التمهيد لأبي الخطاب (١/ ٢١٧)، وروضة الناظر ص (٢٢).
[ ١ / ٣١٤ ]
قال القاضي أبو يعلى: إنما يتصور الخلاف في الشرعيات من تحريم لحوم الخيل وإباحة الأنعام، فأما ما لا يجوز حظره بحال كمعرفة الله تعالى ووحدانيته وما لا يجوز عليه الإباحة كالكفر وجحد التوحيد فلا يقع فيه خلاف، بل هو على صفة واحدة" (١).
وأما ابن عقيل فطرد الخلاف في الجميع.
وأما العقود والمعاملات فظاهر ما قدمه المصنف وابن مفلح أنها غير داخلة في المسألة وإنما هي داخلة في قول ابن عقيل.
وأما ابن قاضي الجبل فإنه قال: العقود والمعاملات قبل الشرع حكمها حكم الأعيان، بل قد دخلت في كلام الجمهور.
* * *
_________________
(١) هذا كلام القاضي بتصرف. انظر: المسودة ص (٤٨٥).
[ ١ / ٣١٥ ]