قوله: (فالواجب قيل: ما عوقب تاركه، ورد بجواز العفو.
وقيل: ما توعد على تركه بالعقاب، ورد: بصدق إيعاد الله تعالى.
وقيل: ما يذم تارمه شرعًا مطلقًا ليدخل الموسع والكفاية.
حافظ على عكسه فأخل بطرده إذ يرد النائم والناسي والمسافر.
فإن قيل يسقط الوجوب. قلنا: ويسقط بفعل البعض، فالمختار ما ذم شرعًا تاركه قصدًا مطلقًا).
الواجب لغة (٢): الساقط (فإذا وجبت جنوبها) (٣) والثابت
_________________
(١) العنوان من الهامش.
(٢) وانظر الوجوب لغة في الصحاح للجوهري (١/ ٢٣٢)، والقاموس المحيط (١/ ١٣٦)، شرح مختصر الروضة للطوفي (١ / ق ٨٨ أ - ب).
(٣) سورة الحج: (٣٦).
[ ١ / ٣٢٨ ]
قال - ﷺ - "إذا وجب المريض فلا تبكين باكية" (١) أي إذا ثبت واستقر وزال عنه التزلزل والاضطراب.
واصطلاحا: ما سبق (٢) والواجب: الفعل المتعلَّق للوجوب -بفتح اللام-، وقيل: ما عوقب تاركه، ورد ببطلان عكسه لدلالة "عوقب" على وجود العقاب مع أن العفو جائز بالإجماع.
وقيل: ما توعد على تركه بالعقاب "ليندفع الإيراد المتقدم وهو غير مندفع، لأن إيعاد الله تعالى صدق، فيستلزم العقاب على الترك ويعود ما قلنا.
وقال القاضي أبو بكر: ما يذم تاركه شرعًا بوجه ما (٣).
_________________
(١) هذه قطعة من حديث جابر بن عتيك - ﵁ - وأخرجه الإِمام مالك في الموطأ (٥٥٥) في كتاب الجنائز، وأبو داود (٣١١) في كتاب الجنائز، والنسائي في كتاب الجنائز. وأخرجه الإِمام أحمد عن جابر بن عتيك عن عمر - ﵁ -. انظر: موطأ الإِمام مالك بشرح الزرقاني (٤/ ١٣ - ١٤)، والفتح الرباني (٧/ ١٣٣ - ١٣٥).
(٢) وانظر تعريف الواجب في: العدة لأبي يعلى (١/ ١٥٩ - ١٦٢)، الواضح لابن عقيل (١/ ٢٧ أ - ب)، روضة الناظر ص (١٦) المسودة ص (٥٧٥ - ٥٧٦)، الأحكام للآمدي (١/ ٧٤ - ٧٥)، مختصر ابن الحاجب بشرح العضد (١/ ٢٣٣) وما بعدها، البحر المحيط للزركشي (١/ ٥٤ أ - ٥٥ ب) فواتح الرحموت (١/ ٥٧ - ٥٩).
(٣) هكذا ذكره الغزالي عنه في المستصفى، والرازي ذكر أن العبارة التي اختارها القاضي أبو بكر في تعريفه هي "ما يذم تاركه شرعًا على بعض الوجوه". انظر: المستصفى (١/ ٦٧)، والمحصول للرازي (١/ ١/ ١١٧).
[ ١ / ٣٢٩ ]
والمراد بـ "الذم شرعًا" نص الشارع به أو بدليله، وذلك أنه لا وجوب إلا بالشرع، وقال "بوجه ما" ليدخل من الواجب ما لا يذم تاركه كيف ما تركه، بل تاركه بوجه دون وجه، وهو "الموسع"، فإنه يذم تاركه إذا تركه في جميع وقته، ولو تركه في بعض الوقت وفعله في بعض لا يذم، وكذا الكفاية فإنه يذم تاركه إذا لم يقم به غيره في ظنه، وبهذا القيد حافظ على عكسه فلم يخرج من الحد ما هو من المحدود، أعنى الموسع والكفاية، لكنه أحل بطرده فدخل فيه ما ليس من المحدود وهو صلاة النائم والناسي والمسافر فإنه يذم تاركه بتقدير انتفاء العذر.
فإن قال القاضي: "لا نسلم أن هذه غير واجبة بل واجبة، وسقط الواجب فيها بالعذر".
قلنا: وكذلك في الكفاية يقال: يذم بتركه شرعًا، أي يجب الذم لكنه يسقط وجوب الذم بفعل البعض الآخر، وإذا اعتددت بالوجوب الساقط في الفعل فلم لا تعتد بالوجوب الساقط في الذم ولا يكون إلى قوله بوجه ما حاجة.
قال المصنف: "فالمختار ما ذم شرعًا تاركه قصدًا مطلقًا" (١).
_________________
(١) هذا تعريف الإِمام البيضاوي للواجب واختاره بالإضافة إلى البعلي المرداوي والفتوحي. واختاره الطوفي بدون لفظه "قصدا" لأن الخطاب لا يتوجه إلى النائم والساهي والحالة هذه. انظر: منهاج الوصول للبيضاوي مع نهاية السول (١/ ٧٣)، وتحرير المنقول للمرداوي (١/ ١٤٩)، وشرح الكوكب المنير للفتوحي (١/ ٣٤٥ - ٣٤٤)، ومختصر الروضة للطوفي ص (١٨ - ١٩)، وشرحه له أيضًا (١ /ق ٩٠ ب).
[ ١ / ٣٣٠ ]
الذم (١): هو العيب وقوله "شرعًا" احتراز عما عيب عقلًا أو عرفًا، قوله " قصدا" احتراز من النائم والناسي، وقوله "مطلقًا" احتراز من الواجب الموسع والمخير وفرض الكفاية، لأن الترك يلحقها بالجملة، وهو ترك الموسع في بعض أجزاء وقته، وترك بعض أعيان المخير، وترك بعض المكلفين لفريضة الكفاية، لكن ذلك ليس تركًا مطلقًا، إذ الموسع إن ترك في بعض أجزاء وقته فقد فعل في البعض الآخر، والمخير إن ترك بعض أعيانه فقد فعل البعض الآخر، وفرض الكفاية إن تركه بعض المكلفين فقد فعله البعض الآخر، وكلهم فيه كالشخص الواحد فلا يتعلق بهذا الترك ذم لأنه ليس تركًا مطلقًا.
تنبيه: ليس كل وأخبرنا يثاب على فعله، ولا كل محرم يثاب على تركه.
فالأول: كنفقات الزوجات والأقارب ورد الودائع والغصوب إذا فعلت مع الغفلة عن امتثال أمر الشرع وقعت مجزئة غير مثاب عليها.
والثاني: كالمحرَّمات يخرج المكلف عن عهدتها بمجرد الترك، وإذا لم يكن له شعور فلا يثاب نعم إن اقترنت النية فعلا وكفا وقع الثواب.
* * *
_________________
(١) وانظر شرح التعريف في الإبهاج بشرح المنهاج (١/ ٥١ - ٥٥).
[ ١ / ٣٣١ ]