أحدها: قال القطب. (٢) في "شرح المختصر" "لغة منصوب على المصدر المؤكد لغيره، وليست تمييزًا، وهذا مطرد في قولنا "الدليل لغة" و"الإجماع لغة" وما أشبه ذلك".
الثاني: يقال: فقه بكسر القاف، وضمها، ونصبها،
فالأول (٣) المطلق الفهم، والثاني إذا كان له سجية، والثالث: إذا ظهر بالفقه على غيره (٤).
قوله: (والفهم إدراك معنى الكلام بسرعة، قال ابن عقيل في "الواضح" والأظهر لا حاجة إلى قيد "السرعة" (٥) هذا
_________________
(١) الواضح لابن عقيل (١/ ق ٢ ب). انظر: الأحكام للآمدي (١/ ٥).
(٢) هو محمود بن مسعود بن مصلح الفارسي الشيرازي الشافعي (قطب الدين) ولد سنة (٦٣٤ هـ) وكان علامة ذكيًا فقيهًا أصوليًا مفسرًا حكيمًا بارعًا في فنون كثيرة، وله مؤلفات كثيرة منها: "شرح مختصر ابن الحاجب" في الأصول و"فتح المنان في تفسير القرآن" في نحو ٤٠ مجلدًا وتوفي سنة (٧١٠ هـ). انظر ترجمته: في الفتح المبين (٢/ ١٠٩ - ١١٠)، الدر الكامنة (٥/ ١٠٩)، ومعجم المؤلفين (١٢/ ٢٠٢).
(٣) كذا بالأصل ولعله لمطلق الفهم.
(٤) انظر: مادة "فقه" في لسان العرب (١٣/ ٥٢٢ - ٥٢٣)، وشرح تنقيح الفصول ص (٢٠).
(٥) الواضح (١/ ق ٦ أ).
[ ١ / ٥٩ ]
الأظهر قاله الطوفي في شرح مختصره تفقها فقال: "قلت لا حاجة إلى قيد "السرعة" لأن من سمع كلامًا ولم يدرك معناه إلا بعد شهر أو أكثر قيل فهمه".
و(لذلك) (١) يقال: الفهم إما بطيء أو سريع، فينقسم إليهما ومورد القسمة مشترك بين الأقسام، نعم السرعة قيد في الفهم الجيد (٢).
قوله: (وحد الفقه شرعًا العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال) "العلم" كالجنس للحد، و"الأحكام الشرعية الفرعية" قد تقدم الكلام عليها في حد أصول الفقه، و"الأدلة التفصيلية" هي المذكورة على جهة التفصيل، وهو تمييز أفراد الأحكام بعضها عن بعض. كقولنا في النوم هل ينقض الوضوء أم لا؟ لا يخلو إما أن يكون كثيرًا أو يسيرًا، فإن كان كثيرًا نقض، وإن كان يسيرًا لا يخلو إما أن يكون على حالة من حالات الصلاة أولا، فإن كان على حالة من حالات الصلاة لم ينقص وإلا نقض (٣).
_________________
(١) في الأصل: "كذلك".
(٢) شرح مختصر الروضة للطوفي (١/ق ٣٢ ب)، وعرف الجرجاني "الفهم" بأنه: "تصور المعنى من لفظ المخاطب". انظر: التعريفات ص (١٦٩)، وشرح الكوكب الني ص (١/ ٤٠)، والأحكام للآمدي (١/ ٥).
(٣) النوم الكثير ينقض الوضوء، سواء كان النائم مضطجعًا أو قاعدًا، أو على أي حالة كان، أما النوم اليسير فإن كان النائم مضطجعًا انتقض وضوءه وأما إن كان قاعدًا لم ينتقض، وبهذا قال مالك والثوري والإمام أحمد=
[ ١ / ٦٠ ]
واحترز بقوله (عن أدلتها التفصيلية) عن الأحكام الحاصلة عن أدلة إجمالية، كقولنا "الإجماع حجة" و"القياس وخبر الواحد حجة" و"عن" متعلقة بمحذوف وتقديره "الصادرة" أو "الحاصلة" عن أدلتها (١) وأما قوله (بالاستدلال) فقال بعض الأصوليين: هو احتراز عن علم الله سبحانه وعلم رسوليه جبريل ومحمد ﵉، لأن علم الله تعالى عام التعلق بالأشياء مخالف لعلومنا، ليس ضروريًا ولا نظريًا (٢)، وعلم جبريل ﵇ وحي تلقاه من الله تعالى، وعلم محمد - ﷺ - وحي تلقاه عن جبريل ﵇، فلا يحتاجان فيه إلى الاستدلال، لأن القطع لهما
_________________
(١) = وأصحاب الرأي، أما الشافعي فقال: "لا ينقض وإن كثر إذا كان القاعد متمكنًا مفضيًا بمحل الحدث إلى الأرض، وأما ما عدا هاتين الحالتين كالنوم في حالة القيام أو الركوع أو السجود" فعن أحمد روايتان: أ- ينقص وبه قال الشافعي. ب- لا ينقض إلا إذا كثر. وذهب أبو حنيفة إلا أن النوم لا ينقض في حال من أحوال الصلاة وإن كثر. انظر: بداية المجتهد (١/ ٣٥ - ٣٧)، والمغني لابن قدامة (١/ ١٧٣ - ١٧٥)، والمجموع للنووي (٢/ ١٢) وما بعدها، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣٠ - ٣٢).
(٢) قال الطوفي في المختصر ص (٧): "لو علقت "عن" بالعلم لكان أولى وتقديره "العلم بالأحكام عن الأدلة" وعلى هذا إن جعلت "عن" بمعنى "من" كان أدل على المقصود إذ يقال: علمت الشيء من الشيء، ولا يقال علمته عنه إلا بالتأويل المذكور".
(٣) يأتي قريبًا إن شاء الله تعريف "الضروري" "والنظرى" حيث سيعرفها الشارح ﵀.
[ ١ / ٦١ ]
بكونه من الله تعالى وبمراده منه حاصل، ومع القطع تبطل فائدة الاستدلال.
وقال بعض الأصوليين: بل علم الله تعالى ورسوليه ﵉ استدلالي، لأنهم يعلمون الشيء على حقيقته، أي على ما هو به، وحقائق الأحكام تابعة لأدلتها وعللها، فكما يعلمون حقيقة الحكم يعلمون كونه تابعًا لدليله وعلته وأنها كذا (١) فكما يعلمون مثلًا وجوب الكفارة على الواطئ في نهار رمضان، يعلمون أن علة الوجوب عموم إفساد الصوم أو خصوصه بالوطء (٢)، فعلى هذا القول يكون "بالاستدلال" محترزًا به عن المقلد، لأنه يعلم بعض الأحكام الشرعية ومع ذلك لا يسمى علمه بها فقها، لأن علمه بها للنقل المجرد عن المجتهد لا عن نظر واستدلال (٣).
وقال النجم (٤) في حده: "هو معرفة أحكام جمل كثيرة عرفا من مسائل الفروع العملية بأدلتها الخاصة بها".
_________________
(١) انظر: مختصر الروضة للطوفي ص (٩).
(٢) ومن قال إن علة إيجاب الكفارة عموم إفساد الصوم أوجبها على المفطر بالأكل والشرب متعمدًا قياسًا على المفطر بالجماع، وبهذا قال مالك وأصحابه وأبو حنيفة والثوري، ومن قال إن العلة هي خصوص الوطء لأن انتهاك حرمة الصوم فيه أشد مناسبة لم يوجب عليه الكفارة وبهذا قال الشافعي وأحمد وأهل الظاهر. إلا أن أهل الظاهر لم يوجبوها لعدم قولهم بالقياس. انظر: بداية المجتهد لابن رشد (١/ ٣٠٣ - ٣٠٤).
(٣) قال الطوفي: "وفيه نظر إذ المقلد يخرج بقوله عن أدلتها التفصيلية لأن معرفته ببعض الأحكام ليس عن دليل أصلًا". انظر: مختصر الروضة له ص (٨).
(٤) هو أحمد بن حمدان كما سيصرح بذلك الشارح عند تعريف "الفقيه".
[ ١ / ٦٢ ]
وقال الآمدي: "هو العلم الحاصل بجملة من الأحكام الشرعية الفرعية بالنظر والاستدلال".
و"العلم" احتراز (من) (١) الظن بالأحكام الشرعية، فإنه وإن تُجوِّزَ بإطلاق اسم الفقه في العرف العامي فليس فقها في العرف اللغوي والأصولي، بل الفقه العلم بها، أو العلم بالعمل بها، بناء على المدرك القطعي (٢)، وإن كانت ظنية في نفسها.
وقولنا: "بجملة من الأحكام الشرعية" احتراز عن العلم بالحكم الواحد، أو الاثنين لا غير، فإنه الا يسمى في عرفهم "فقها" وإنما لم نقل بـ "الأحكام" لأن ذلك يشعر بكون الفقه هو العلم بجملة الأحكام، ويلزم منه أن لا يكون العلم بما في دون ذلك فقها وليس كذلك (٣).