قوله: (مسألة: شكر المنعم: من قال العقل يحسن ويقبح أوجبه عقلًا، ومن نفاه أوجبه شرعًا، ذكره أبو الخطاب ومعناه لابن عقيل) الإيمان بالله: الشكر له.
قال الأرديبلي (٢) في شرح البيضاوي: ليس المراد من شكر
_________________
(١) العنوان من الهامش. ومسألة شكر المنعم مبنية على مسألة التحسين والتقبيح العقليين. فمن نفاهما قال لا يجب شكر المنعم عقلًا، وعكسه بعكسه على رأي المعتزلة، والجمهور قالوا على التسليم بقول المعتزلة فلا يوجب العقل شكر المنعم. انظر: هذا المبحث في المسودة ص (٤٧٣)، وتحرير المنقول للمرداوي (١/ ١٣٩)، وشرح الكوكب المنير (١/ ٣٠٨) وما بعدها، والمستصفى للغزالي (١/ ٦١)، المحصول للرازي (١/ ١/ ١٨١) وما بعدها، الأحكام للآمدي (١/ ٦٧ - ٦٩)، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد (١/ ٢١٦) وما بعدها، المحلى على جمع الجوامع (١/ ٦٠) وما بعدها إرشاد الفحول للشوكاني ص (٢٨٦ - ٢٨٧)، فواتح الرحموت (١/ ٤٧) وما بعدها.
(٢) هو فرج بن محمد بن أحمد بن أبي الفرج الأرديبلي التبريزي الدمشقي الشافعي (نور الدين) كان فقيهًا أصوليًّا مفسرًا فاضلًا من كتبه: "شرح منهاج الأصول للبيضاوي" و"شرح منهاج النووي" ووصل فيه إلى باب البيوع، وتوفي سنة (٧٤٩ هـ). =
[ ١ / ٣٠٥ ]
المنعم قول القائل "الحمد لله" و"الشكر لله" فإن العقل لا يوجب التلفظ بكلمة من الكلمات، وليس عبارة عن معرفة الله تعالى، لأن الشكر مسبوق بالمعرفة، بل المراد منه: توجه العبد إلى الله تعالى بجميع ما أنعم الله عليه من السمع والبصر وجميع الجوارح والقلب بأن ينظر بالبصر إلى مخلوقاته ويستدل منها على الخالق، وكذا حكم سائر الجوارح والحواس، ويدرك بالقلب ذاته وصفاته (١).
وفسر الشكر بعبارة أخرى وهي الإتيان بمراضي الله تعالى والاجتناب عن سواخطه.
وأما كونه غير واجب عقلًا خلافًا للمعتزلة ومن وافقهم فلأنه لو وجب عقلًا لعذب تاركه قبل الشرع، لكنه لا يعذب لقوله تعالي: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢)، فإنه نفي التعذيب مطلقًا إلى البعثة.
فإن قيل: التعذيب ليس بلازم لترك الواجب لجواز العفو.
قلنا: ترك الواجب يلزمه التعذيب قبل التوبة عندهم والعفو غير جائز قبلها.
فإن قيل كيف يستدل عليهم بالآية والتفريع على تسليم الحسن والتقبيح العقليين؟
_________________
(١) = انظر ترجمته: في الفتح المبين (٢/ ١٢٩)، طبقات الشافعية للأسنوي (١/ ١٧٥ - ١٧٦)، ومعجم المؤلفين (٨/ ٥٨ - ٥٩).
(٢) انظر: الإبهاج بشرح المنهاج (١/ ١٣٩ و١٤٢).
(٣) سورة الإسراء: (١٥).
[ ١ / ٣٠٦ ]
قيل: لأن عندهم لا يجوز ورود الشرع بخلاف العقل.
وصارت المعتزلة (١) ومن وافقهم إلى وجوبه بالعقل.
وأورد عليهم أبو إسحاق الشيرازي مناقضة، فإنهم قالوا يجب على الله أن يثيب المطيعين وأن ينعم على الخلق، وإذا كان الثواب واجبًا فلا معنى للشكر، لأن من قضى دينه لا يستحق الشكر ففي الجمع بين هذين القولين تناقض (٢).
* * *
_________________
(١) انظر: المعتمد لأبي الحسين البصري (٢/ ٣١٥).
(٢) انظر: التبصرة له ص (٥٣٣ و٥٣٤).
[ ١ / ٣٠٧ ]