قوله: (مسألة: مبدأ اللغات توقيف من الله تعالى، بإلهام أو وحي، أو كلام عند أبي الفرج المقدسي وصاحب الروضة وغيرهما.
البهشمية (٢): وضعها البشر، واحد أو جماعة.
_________________
(١) العنوان من الهامش. انظر: هذا المبحث في: العدة (١/ ١٩٠ - ١٩٣)، التمهيد لأبي الخطاب (١/ ٧٢)، وما بعدها، المسودة ص (٥٦٢ - ٥٦٣)، شرح مختصر الطوفي (١/ ق ١٦٢ أ) وما بعدها، تحرير المنقول للمرداوي (١/ ١٣٥ - ١٣٦)، شرح الكوكب المنير (١/ ٢٩٣ - ٢٩٤)، المستصفي للغزالي (١/ ٣١٨ - ٣٢٢)، المحصول للرازي (١/ ١/ ٢٤٣ - ٢٦٥)، الأحكام للآمدي (١/ ٥٦ - ٦٠)، الإبهاج بشرح المنهاج (١/ ١٩٦ - ٢٠٢)، نهاية السول مع سلم الوصول (١/ ٢٢) وما بعدها شرح العضد على ابن الحاجب (١/ ٩٣)، وشرح المحلى على جمع الجوامع (١/ ٢٦٩ - ٢٧٠)، فواتح الرحموت (١/ ١٨٣)، المزهر للسيوطي (١/ ٨ - ٣٠).
(٢) إحدى فرق المعتزلة وهم أتباع أبي هاشم عبد السلام بن أبي علي الجبائي المتوفي سنة ٣٢١ وشاركت البهشمية المعتزلة في غالب ضلالاتهم وانفردوا عنه بفضائح لم يسبقوا إليها منها أنه يجوز أن يعاقب الله تعالى العبد من غير أن يصدر عنه ذنب. انظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص (٤٤)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٩٨ - ١٠٩)، الفرق بين الفرق ص (١٨٤ - ٢٠١).
[ ١ / ٢٨٧ ]
الأستاذ: القدر المحتاج إليه في التعريف توقيف وغيره محتمل.
ابن عقيل: بعضها توقيف وبعضها اصطلاح، وذكره عن المحققين، وعنده الاصطلاح بعد خطابه تعالى، وأبطل القول بسبقه له).
هذه المسألة في البحث عن الواضع وفيها مذاهب (١):
أحدهما: ما قدمه المصنف ونسب إلى الجمهور، وهو قول الأشعري وابن فورك، وأهل الظاهر، واختاره أبو الفرج المقدسي، والشيخ موفق الدين، وجعله ابن حمدان في "مقنعه" الظاهر عندنا (٢).
وإذا قلنا بأنها توقيف، وأن الواضح هو الله تعالى فالتعريف حصل إما بوحي أو إلهام، أو كلام.
أما الوحي فظاهر، وأما الإلهام فبأن يلهم ذلك لخلقه، وأما الكلام فهي المكالمة لمن تولى خطابه (٣).
_________________
(١) انظر: تشنيف المسامع (ق ٤٠ / أ- ب).
(٢) وهو قول ابن فارس. انظر: الأحكام لابن حزم (١/ ٣٤)، روضة الناظر لابن قدامة ص (٨٨)، المسودة لآل تيمية ص (٥٦٢)، بيان المختصر للأصبهاني (١/ ٢٧٨)، منتهى الوصول لابن الحاجب ص (٢٨) الصاحبي في فقه اللغة لابن فارس ص (٦ - ٧).
(٣) راجع مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٢/ ٤٤٦ - ٤٤٧) وص (٤٥٣).
[ ١ / ٢٨٨ ]
الثاني: قول البهشمية -وهم أصحاب أبي هاشم المعتزلي- وجماعة من المتكلمين إنها اصطلاحية، وضعها البشر، واحد، أو جماعة، وحصل التعريف للباقي بالإشارة والقرائن، كتعريف الوالدين لغتهما للأطفال (١).
الثالث: مذهب الأستاذ أبي إسحاق الإسنفرائيني: القدر المحتاج إليه توقيفي، والباقي قيل: ممكن، وقيل اصطلاح (٢).
الرابع: التوقف، بمعنى أن الجميع ممكن لتعارض الأدلة، وعزاه في المحصول للقاضي أبي بكر وجمهور المحققين، وبه قال أبو المعالي وابن برهان واختاره القاضي أبو يعلى وأبو الخطاب، وفي كلامه أيضًا لا يجوز أنَّ شيئًا منها توقيف وحكى عن المعتزلة (٣).
الخامس: أن بعضها توقيف وبعضها اصطلاح اختاره ابن عقيل (٤) وذكره عن المحققين، وعنده الاصطلاح بعد خطابه تعالى، وأبطل القول بسبقه له، لأنه ذكر في الواضح عن طائفة من القائلين بأن الخطاب مواضعة، أن مواضعتهم سابقة
_________________
(١) وبهذا قال ابن جنى من علماء اللغة. انظر: الخصائص له (١/ ٤٠).
(٢) انظر: إرشاد الفحول ص (١٢).
(٣) انظر: المحصول للرازي (١/ ١/ ٢٤٥)، والبرهان للجويني (١/ ١٧٠)، الوصول إلى الأصول لابن برهان (١/ ١٢١ - ١٢٣)، العدة لأبي يعلى (١/ ١٩١)، والتمهيد لأبي الخطاب (١/ ٧٤).
(٤) الواضح لابن عقيل (١/ق ٢٠٧ ب).
[ ١ / ٢٨٩ ]
لخطاب الله سبحانه لهم إذ لو لم يسبق منهم مواضعة لما فهموا خطاب الله سبحانه (١).
قال: والدلالة على فساد قولهم أن الله سبحانه قادر على أن يضطرهم إلى فهم ما يخاطبهم به ويلهمهم فهم معانيه، وآية ذلك أنه سبحانه ألهم من الهداية إلى أشياء لا يخرج بالعلوم الاستدلالية مثلهما، من ذلك إلهام الطفل تناول الثدي ثم إلقامه إياه، لأن ما فيه من اللبن ممتنع عن الجري إلا بنوع جذب ومص، فألهمه الله سبحانه الإلقام ثم المص، وألهم النحل عمل المسدسات التي يعجز عنها كثير من أهل الخبرة بالهندسة، وإلهام البهائم التداوي بالحشائش المنتفع بها في أوقات الفصول التي يختص بمعرفتها بعض الناس من العلماء، وإلهامها زَقَّ (٢) أفراخها زمن العجز عن النهوض وفطامها حين نهضتها، وإلى أمثال ذلك وهذا إلقاء من الله سبحانه، فهذا يوضح أن إلقاء الفهم لمعاني الخطاب لا يغرب عليه سبحانه (٣).
وأطال الكلام في هذا لكن فيما ذكرناه كفاية فلنرجع إلى أصل المسألة القائل بالتوقيف: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ﴾ (٤).
_________________
(١) انظر: الواضح لابن عقيل (١/ ق ٢٠٦ ب).
(٢) الزق: مصدر زق الطائر فرخه يزقه إذا أطعمه بفيه. انظر: الصحاح للجوهري (١٤/ ١٤٩)، والقاموس المحيط (٣/ ٢٤٩).
(٣) كلام ابن عقيل نقله الجراعي عن الواضح (١/ ق ٢٠٦ ب- ٢٠٧ أ) بتصرف يسير.
(٤) سورة البقرة: (٣١) قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ الآية ووجه استدلال القائلين بالتوقيف من الآية من حيث إنها =
[ ١ / ٢٩٠ ]
قالوا: (١) ألهمه أو علمه بعضها أو اصطلاحًا سابقًا، أو حقيقة الشيء وصفته لقوله: (ثم عرضهم).
رد: الأصل اتحاد العلم وعدم اصطلاح سابق وحقيقة اللفظ وقد أكده بـ "كلها".
وفي الصحيحين في حديث الشفاعة وعلمك أسماء كل شيء (٢) وقوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ (٤).
وحمله على اللغة أبلغ من الجارحة، وعلى اختلاف اللغات أولى من الإقدار عليها لقلة الإضمار.
القائل بالاصطلاح: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (٥) فاللغة سابقة لئلا يلزم الدور.
_________________
(١) = دلت على أن التعليم من الله ﷿ وإذا أثبت هذا في الأسماء ثبت أيضًا في الأفعال والحروف لأنه لا قائل بالفرق. راجع الإبهاج بشرح المنهاج (١/ ١٩٨).
(٢) هذا اعتراض على الدليل. انظر: المرجع السابق (١/ ١٩٩).
(٣) هذه الكلمة الكريمة وردت في حديث الشفاعة المشهور وأخرجه البخاري (٤٤٧٦) من حديث أنس في كتاب التفسير وأخرجه أحمد عنه، وأخرج الإمام مسلم الحديث بعدة روايات ولكن لا توجد فيها الكلمة المذكورة. انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري (٨/ ١٦٠)، وصحيح مسلم بشرح النووي (١/ ٥٣ - ٧٢)، الفتح الرباني ترتيب مسند الإمام أحمد (٢٤/ ١٢٣).
(٤) سورة العلق: (٥).
(٥) سورة الروم: (٢٢).
(٦) سورة إبراهيم: (٤).
[ ١ / ٢٩١ ]
رد: لا ينحصر التوقيف في الرسالة، ويجوز تعليم آدم قبل بعثه.
قالوا: التوقيف يتوقف على معرفة أن ذلك اللفظ لذلك المعنى ولا يعرف إلا بأمر خارج، فإن كان توقيفًا لزم التسلسل فتعين الاصطلاح.
رد: بقطع التسلسل بخلق علم ضروري لمن سمع اللفظ أنه لذلك المعنى، ويلزم مثله في الاصطلاح لأن ما يتخاطب به إن كان بالاصطلاح تسلسل، فيتعين التوقيف.
فائدة: تكلفوا في فائدة هذه المسألة فمنهم من نفاها كالإيباري شارح البرهان. وقال: ذكرها في الأصول فضول (١).
ومنهم من قال فائدتها قلب اللغة فلا يجوز تسمية الثوب فرسا إن قلنا توقيفية وإن قلنا اصطلاحية جاز (٢).
تنبيه: ذكر المصنف في أول الكلام على اللغة أنه يتكلم على حدها، وأقسامها وابتداء وضعها وطريق معرفتها. فتكلم على الثلاتة الأول، ولم يتكلم على طريق معرفتها فلعله ذهل عنه.
وطريق معرفتها (٣) إِما بالنقل سواء كان تواترًا كـ "السماء"
_________________
(١) ذكر الطوفي أن إيراد هذه المسالة في الأصول مما يجري مجرى الرياضيات التي يرتاض العلماء بالنظر فيها فتكون فائدتها الرياضة النظرية. انظر: شرح مختصر الروضة له (١/ ١٦٣ أ)، شرح الكوكب المنير (١/ ٢٨٧).
(٢) راجع فروع هذه المسألة في التمهيد للأسنوي ص (١٣٨ - ١٤١).
(٣) انظر: هذا المبحث في المسودة لآل تيمية ص (٥٦٤) تحرير المنقول للمرداوي (١/ ١٣٧)، شرح الكوكب المنير (١/ ٢٩٠) وما بعدها، المحصول للرازي (١/ ١/ ٢٧٦)، الأحكام للآمدي (١/ ٦٠)، مختصر ابن الحاجب بشرح العضد (١/ ١٩٧ - ١٩٨)، المزهر للسيوطي (١/ ٥٧ - ٥٨).
[ ١ / ٢٩٢ ]
و"الحر" و"البرد" مما لا يقبل التشكيك فيفيد القطع، أو آحادًا كالقرء ونحوه مما يفيد الظن فيتمسك به في المسائل الظنية دون القطعية، أو باستنباط العقل من النقل، كما إذا نقل إلينا أن الجمع المعرف بالألف واللام يدخله الاستثناء ونقل إلينا أن الاستثناء إخراج بعض ما تناوله اللفظ، فإن العقل يدرك بذلك أن الجمع المحلى بالألف واللام للعموم ولا يعرف بالعقل الصرف فإنه لا يستقل بالأمور الوضعية (١) والله أعلم.
* * *
_________________
(١) لأن العقل لا مدخل له في معرفة الأوضاع اللغوية إذ هي مبنية على السماع.
[ ١ / ٢٩٣ ]