قوله: (وفي تعارض الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح أقوال، ثالثها مجمل، واللفظ لحقيقته حتى يقوم دليل المجاز).
أحدها (٢): تقديم الحقيقة تمسكا بالأصل، وهو قول أبي حنيفة (٣).
والثاني: المجاز لغلبته وهو قول أبي يوسف (٤) وعلمائنا،
_________________
(١) العنوان من الهامش. وراجع هذا البحث في شرح الكوكب المنير (١/ ١٩٥).
(٢) شرح الشارح في ذكر الأقوال الثلاثة التي أشار إليها البعلى.
(٣) هو النعمان بن ثابت بن زوطي الكوفي الإمام المجتهد المشهور، ولد سنة (٨٠ هـ) وقال عنه الشافعي: "إن الناس عيالى عل أبي حنيفة في الفقه" وتوفي سنة (١٥٠ هـ). انظر ترجمته: في الفتح المبين (١/ ١٠١)، وشذرات الذهب (٢٢٧ - ٢٢٩)، ومعجم المؤلفين (١٣/ ١٠٤)، وتاريخ التشريع الإسلامي للخضري ص (٢٣٠ - ٢٣٣).
(٤) هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري (أبو يوسف) أخذ الفقه عن أبي حنيفة وهو أول من لقب بـ "قاضي القضاة" ولد سنة ١١٣ وقد اتفق الإمام أحمد وابن معين على توثيقه في النقل ومن كتبه "كتاب الخراج" و"كتاب الجوامع"، وتوفي سنة ١٨٢ هـ. =
[ ١ / ٢١٨ ]
واختاره القرافي لأن الظهور هو المكلف به (١).
والثالث: يحصل التعارض لأن كل واحد راجح على الآخر من وجه، فإن قوة الحقيقة قد عارضها كثرة الاستعمال المجازي فيتعادلان ولا يحمل على أحدهما إلا بالنية، وهذا ما اختاره البيضاوي والتاج السبكي، قال الهندي: وعزي ذلك إلى الشافعي وتوقف الرازي (٢).
مثاله حلف لأشرب من هذا النهر - فالحقيقة المتعاهدة الكرع منه بفيه كما يفعل كثير من الرِّعَاء (٣) والمجاز الغالب الشرب بما يغترف به (منه) (٤) كالإناء - ولم ينو شيئًا، فهل يحنث بالأول دون الثاني أو العكس أولًا يحنث بواحد منهما؟ الأقوال (٥).
_________________
(١) = انظر ترجمته: في الفتح المبين (١/ ١٠٨ - ١٠٩)، وشذرات الذهب (٢٨٢ - ٣٠١)، ومعجم المؤلفين (١٣/ ٢٤٠ - ٢٤١)، وتاريخ التشريع للخضري (٢٣٤).
(٢) انظر: فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت (١/ ٢٢٠)، وأصول السرخسي (١/ ١٨٤)، وشرح تنقيح الفصول للقرافي ص (١١٩ - ١٢١).
(٣) انظر: منهاج الوصول بشرحه نهاية السول (١/ ١٧٠) وما بعدها، الإبهاج بشرح المنهاج (١/ ٣١٥ - ٣١٧)، المحصول للرازي (١/ ١/ ٤٧٦).
(٤) كتب فوق السطر.
(٥) الرعاء جمع راعي كجائع وجياع. انظر: الصحاح للجوهري (٦/ ٢٣٥٨).
(٦) انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص (١٢٢ - ١٢٥)، التمهيد للأسنوي ص (٢٠٠ - ٢٠٤)، وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص (٣٨٧ - ٣٨٩).
[ ١ / ٢١٩ ]
فإن هجرت الحقيقة قدم المجاز عليها اتفاقًا، كمن حلف لا يأكل من هذه النخلة فيحنت بثمرها دون خشبها الذي هو الحقيقة المهجورة حيث لا نية.
وأما قوله: (واللفظ لحقيقته حتى يقوم دليل المجاز) فمراده لو كان معنا لفظ له حقيقة ومجاز فهو لحقيقته ولا يستعمل في المجاز إلا بدليل، كالأسد للحيوان المفترس والشجاع لكن لا يستعمل في الشجاع إلا بدليل.
وإنما قلنا اللفظ لحقيقته لأننا لو لم نقل ذلك لكنا إما أن فحين حمله على مجازه أو نجعله مجملًا لتردده بين احتمال الحقيقة والمجاز، والأول باطل باتفاق لم يقل به أحد، والثاني يوجب اختلاف مقصود الواضع وهو التفاهم، لأن الحكمة في وضع الألفاظ إنما هو إفهام معانيها ودلالتها عليها، فلو جعلت مترددة بين الحقائق والمجاز لصارت مجملة واحتاجت إلى بيان ولم يحصل المقصود بها.
* * *
[ ١ / ٢٢٠ ]