قوله: (وقد يكون المجاز في الإسناد خلافًا لقوم) المجاز إما أن يكون في مفردات الألفاظ كإطلاق الأسد على الشجاع ونحوه، ويسمى اللغوي، وإما أن يكون في تركيبها، وهو أن يسند الفعل إلى غير من صدر عنه لضرب من التأويل، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٢) ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ (٣) فإنه استعمل كل واحد من ألفاظه المفردة في موضوعه، لكن أسند الزيادة إلى الآيات والإخراج إلى الأرض، فجعل المجاز في التركيب ويسمى "العقلي" لأن التجوز فيه في
_________________
(١) العنوان من الهامش. انظر: وشرح الكوكب المنير (١/ ١٨٤) وما بعدها، ومختصر ابن الحاجب بشرح العضد (١/ ١٥٤)، وشرح المحلى على جمع الجوامع (١/ ٣٢٠ - ٣٢١)، وشرح تنقيح الفصول ص (٤٥ - ٤٦)، ونهاية السول (١/ ١٦٢)، والتمهيد للأسنوي ص (٥١)، الإيضاح في علوم البلاغة للقزويني (٩٧ - ١٠٨) والطراز للعلوي (١/ ٧٤ - ٧٥).
(٢) سورة الأنفال: (٢).
(٣) سورة الزلزلة: (٢).
[ ١ / ٢٠٥ ]
نسبة الفعل إلى غير من صدر عنه (١)، وهو أمر عقلي لا وضعي، وأنكره السكاكي (٢) ورده إلى اللغوي، فيكون المجاز كله لغويًا، وتابعه ابن الحاجب في "أماليه" و"مختصره" الكبير تصريحًا (٣) واستبعده في الصغير لكن اختلفا فيما هو.
ويتلخص في نحو "أنبت الربيع البقل" (٤) أربعة مذاهب:
أحدها: أن المجازي في "أنبت" وهو للتسبب العادي وإن (كان) (٥) وضعه للتسبب الحقيقي، وهو رأي ابن الحاجب فالمجاز عنده في الإفراد.
والثاني: أنه في الربيع، فإنه تصور بصورة فاعل حقيقي، فأسند إليه ما يسند إلى الفاعل الحقيقي، وهو رأي السكاكي أنه من الاستعارة بالكناية.
_________________
(١) ومثلوا بقول الصلتان العبدي: أشاب الصغير وأفنى الكبـ ـير كَرُّ الغداة ومر العشي
(٢) هو يوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي السكاكي الخوارزمي النحوي أبو يعقوب سراج الدين ولد سنة (٥٥٧ هـ) وكان بارعًا في علوم العربية من النحو والتصريف والمعاني والبديع والشعر وغير ذلك، ومن كتبه مفتاح العلوم، توفي سنة (٦٢٦ هـ). انظر ترجمته: في شذرات الذهب (٥/ ١٢٢)، ومعجم المؤلفين (١٣/ ٢٨٢).
(٣) مختصر المنتهى لابن الحاجب (١/ ٥٣) والإيضاح في علوم البلاغة للقزويني ص (٢٠٢).
(٤) المرجع السابق ص (١٠٣)، وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب (١/ ١٥٥).
(٥) تكرر في الأصل.
[ ١ / ٢٠٦ ]
الثالث: أنه في الإسناد، وهو أن كل هيئة تركيبية وضعت بإزاء تأليف معنوي، وهذه وضعت لملابسة الفاعلية فإذا استعملت لملابسة ونحوها كان مجازًا وذلك نحو "صام" نهاره و"قام ليله: وهو رأي عبد القاهر (١).
والرابع: أنه تمثيل فلا مجاز فيه في الإسناد ولا في الإفراد، بل هو كلام أورد (ليتصور) (٢) معناه فينتقل الذهن منه إلى إثبات الله تعالى ليصدق فيه، وهو اختيار فخر الدين في "نهاية الإيحاز" (٣).
قال العضد: والحق أنها تصرفات عقلية ولا حجر فيها والكل ممكن والنظر إلى قصد المتكلم (٤).
* * *
_________________
(١) هو عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجوجاني الشافعي (أبو بكر) النحوي البياني المتكلم المفسر صاحب التصانيف ومن مؤلفاته "إعجاز القرآن" المغني في شرح الإيضاح في ثلاثين مجلدًا ثم لخصه في مجلد سماه "المقتصد" و"المفتاح"، وتوفي سنة (٤٧١ هـ). انظر: شذرات الذهب (٣/ ٣٤٠ - ٣٤١)، ومعجم المؤلفين (٥/ ٣١٠ - ٣١١).
(٢) في الأصل "ليتصوب".
(٣) انظر: نهاية الإيجاز للرازي ص (٤٨)، والمحصول له (١/ ١/ ٤٤٥ - ٤٤٦).
(٤) شرح العضد على ابن الحاجب (١/ ١٥٦).
[ ١ / ٢٠٧ ]