قوله: (وهو في القرآن عند أكثر أصحابنا وغيرهم، قال إمامنا في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾ (٢): هذا من مجاز اللغة، وأَوَّله أبو العباس على الجائز في اللغة، ومنع منه بعض الظاهرية وابن حامد (٣) وحكاه الفخر إسماعيل رواية، وحكاه أبو الفضل
_________________
(١) العنوان من الهامش. والقول بجواز وقوع المجاز في القرآن مما تذرع، به أهل التعطيل إلى نفي كثير من صفات الله - ﷿ - وذلك بدعوى أنها مجاز وأن المجاز يجوز نفيه، لذلك سمي الإمام ابن القيم المجاز طاغوتًا وكسره في كتابه الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة كما ألف الشيخ محمد الأمين الشنقيطي كتابًا سماه "منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز" راجع كتاب الإيمان لابن تيمية ص (٨٣ - ١١٤)، ومختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٢ و١٠٦) وما بعدها، ومذكرة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ص (٥٧) وما بعدها.
(٢) سورة الحجر: (٩).
(٣) هو الحسن بن حامد بن علي بن مروان البغدادي الحنبلي (أبو عبد الله الوراق) شيخ الحنابلة وإمامهم في عصره وكان ورعًا عفيفًا عما في أيدي الناس متبحرًا في المذهب وله مؤلفات كثيرة منها "الجامع في المذهب" و"أصول الفقه" وتوفي عطشًا وهو في طريقه لأداء فريضة الحج سنة (٤٠٣ هـ). =
[ ١ / ١٩٩ ]
التميمي (١) عن أصحابنا، وحكي عن ابن دواد منعه في الحديث أيضًا) في القرآن مجاز وفاقًا للأئمة.
قال القاضي وجماعة (٢): نص عليه في قوله: ﴿إِنَّا﴾ (٣) و﴿نَعْلَمُ﴾ (٤) و﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ (٥): هذا من مجاز اللغة يقول الرجل: إنا سنجري عليك رزقك (٦).
قال أبو العباس: مقصوده يجوز في اللغة (٧).
_________________
(١) = انظر: الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ١٧١ - ١٧٧)، وشذرات الذهب (٣/ ١٦٦)، والفتح المبين للمراغي (١/ ٢١٩)، المدخل لابن بدران ص (٤١٢).
(٢) هو عبد الواحد بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد التميمي (أبو الفضل) الفقيه الحنبلي وقد أثنى عليه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، ومن كتبه "الاعتقاد المروي عن أحمد بن حنبل" وتوفي سنة (٤١٠ هـ). انظر ترجمته: في طبقات الحنابلة (٢/ ١٧٩)، وتاريخ بغداد (١١/ ١٤)، ومعجم المؤلفين (٦/ ٢٠٨ - ٢٠٩).
(٣) منهم أبو الخطاب وابن عقيل وغيرهم. انظر: العدة (٢/ ٦٩٥) والواضح لابن عقيل (١/ ٢١٢ أ) والتمهيد لأبي الخطاب (٢/ ٢٦٥)، ومختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٤).
(٤) سورة الشعراء: (١٥). قال تعالى: ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾.
(٥) سورة الأنعام: (٣٣) قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾.
(٦) سورة السجدة: (٢٢) قال تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾.
(٧) انظر: كتاب الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد ص (١٠١).
(٨) انظر: المسودة ص (١٦٤ - ١٦٥)، ومجموع الفتاوى (٧/ ٨٨).
[ ١ / ٢٠٠ ]
وحكى إسماعيل البغدادي فيه روايتين.
ومنع منه ابن حامد والتميمي (١) والخرزي (٢) من الحنابلة، وحكاه أبو الفضل التميمي عن أصحابنا، وقاله بعض الظاهرية (٣) وحكاه ابن برهان (٤)
_________________
(١) هو أبو الحسن انظر: المسودة ص (١٦٥).
(٢) كذا في الأصل وفي المسودة ص (١٦٥)، وتحرير المنقول (١/ ١١٥)، (الخرزي) وهو تصحيف وصوابه الجزري بالجيم لأن الخرزي هو عبد العزيز بن أحمد (أبو الحسن) فقيه ظاهري توفي سنة (٣١٠ هـ) وليس من الحنابلة. انظر ترجمته: في طبقات الفقهاء للشيرازي ص (١٧٨)، ومعجم المؤلفين (٥/ ٣٤٠). وأما الجزري فهو: أحمد بن نصر بن محمد الجزري البغدادي الحنبلي (أبو محمد) وكان له قدم في المناظرة على معرفة بالأصول وكانت له حلقة في جامع القصر ومن اختياراته أنه لا مجاز في القرآن وأنه يجوز تخصيص عموم الكتاب والسنة بالقياس وتوفي سنة (٣٨٠ هـ). انظر ترجمته: في طبقات الحنابلة (٢/ ١٦٧)، والمنهح الأحمد (٢/ ٩٢ - ٩٣).
(٣) هو أبو بكر محمد بن داود الأصفهاني الظاهري الآتي اسمه، وقد خالف ابن حزم فقال بوقوع المجاز في القرآن. انظر: الأحكام له (٤/ ٥٣١ - ٣٤١).
(٤) هو أحمد بن علي بن محمد الوكيل البغدادي الشافعي (أبو الفتح) والمشهور بـ "ابن برهان" ولد سنة (٤٤٤ هـ) وكان حنبليًا ثم انتقل إلى المذهب الشافعي كما كان فقيهًا أصوليًا حاد الذهن حافظًا ومن كتبه "الوصول إلى الأصول" و"الوجيز" في الأصول وتوفي سنة (٥٢٠ هـ). انظر ترجمته: في الفتح المبين (١٦١٢)، وشذرات الذهب (٤/ ٦١ - ٦٢)، ومعجم المؤلفين (٢/ ٢٢)، ومقدمة كتاب الوصول إلى الأصول لعبد الحميد أبو زنيد (١/ ٩ - ٣٧).
[ ١ / ٢٠١ ]
عنهم وعن الإمامية (١) من الشيعة (٢) وأبي بكر الأصبهاني و(محمد) (٣) بن خويز مندار (٤) وغيره من المالكية، وحكى ابن أبي موسى (٥) خلافًا لنا، واختار الأول، وكذا اختاره في الروضة (٦) وهو ظاهر اختيار أبي بكر (٧) في قوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي
_________________
(١) الإمامية إحدى فرق الروافض وهم القائلون بإمامة علي - ﵁ - بعد النبي - ﷺ - نصًا ظاهرًا ويقينًا، ومن فضائحهم أنهم وقعوا في كبار الصحابة طعنًا وتكفيرًا ظلمًا وعدوانًا، وهم فرق كثيرة. انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٢١٨) وما بعدها اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص (٥٣) وما بعدها التعريفات للجرجاني ص (٣٧).
(٢) انظر: الوصول إلى الأصول لابن برهان (١/ ١٠١).
(٣) ما بين المعكوفين تكرر في الأصل.
(٤) هو محمد بن أحمد بن علي أبو بكر بن خويز منداد المالكي الفقيه الأصولي له كتاب في أصول الفقه وتوفي تقريبًا سنة (٣٩٠ هـ). انظر: الديباج المذهب (٢٢٩١٢) الشجرة الزكية ص (١٥٣)، والوافي بالوفيات (٥٢١٢).
(٥) هو محمد بن أحمد بن أبي موسى الحنبلي (أبو علي الهاشمي) كان رفيع القدر سامي الذكر ولد سنة (٣٤٥) وكانت له حلقة في جامع المنصور يفتي ويشهد ومن كتبه "الإرشاد في المذهب" توفي سنة (٤٢٨ هـ). انظر ترجمته: في طبقات الحنابلة (٢/ ١٨٢ - ١٨٦)، المنهج الأحمد (٢/ ٩٥ - ٩٨)، المدخل لابن بدران (٤١٧).
(٦) انظر: الروضة للموفق (٣٤ - ٣٥).
(٧) هو عبد العزيز بن جعفر بن أحمد الحنبلي (أبو بكر) الفقيه المفسر المحدث والمعروف بـ "غلام الخلال" وشيخ الحنابلة في عصره ولد سنة (٢٨٢ هـ) وله مصنفات كثيرة منها "الشافي" و"المقنع" و"تفسير القرآن"، وتوفي سنة (٣٦٣ هـ). =
[ ١ / ٢٠٢ ]
قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (١) أي حبه، وانتصر له ابن عقيل في "الواضح" (٢).
وذكر التاج السبكي أن الظاهرية منعوه في الكتاب والسنة (٣).
وللتابعين قولان (٤):
وزعم الأصفهاني أن ابن داود الظاهري تفرد بنقله في الحديث (٥).
احتج المثبتون بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٦) فإنه مجاز بالزيادة، لأن "الكاف" صلة إذ لو ثبت لكان معناه نفي مثل مثله، وهو مخالف المعنى، فإن المراد نفي مثله بالكلية، وقد تقدم الكلام على هذا في الثاني من علاقة المجاز بما فيه كفاية.
_________________
(١) = انظر ترجمته: في طبقات الحنابلة (٢/ ١١٩ - ١٢٧)، وشذرات الذهب (٣/ ٤٥ - ٤٦)، المدخل لابن بدران (٤١٤ - ٤١٥)، ومعجم المؤلفين (٥/ ٢٤٤).
(٢) سورة البقرة: (٩٣).
(٣) انظر: الواضح لابن عقيل (٢/ ٢٦٠ ب).
(٤) انظر: جمع الجوامع بشرح المحلى (١/ ٣٠٨).
(٥) لم يعبر أحد من الصحابة ولا التابعين بلفظ "المجاز" وإنما هذا اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة الأولى. انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٧/ ٨٧) وما بعدها.
(٦) وترجع الأقوال في مسألة جواز وقوع المجاز إلى أربعة أقوال:
(٧) القول بالمنع مطلقًا.
(٨) القول بالمنع في القرآن خاصة.
(٩) القول بالمنع في القرآن والحديث خاصة.
(١٠) الجواز مطلقًا. انظر: الإبهاج بشرح المنهاج (١/ ٢٩٧).
(١١) سورة الشورى: (١١).
[ ١ / ٢٠٣ ]
واحتجوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١) أي أهلها، وقد تقدم أيضًا في العلاقة الكلام عليه (٢).
قال النافون: المجاز من ضرورة اللفظ، والباري -﷾- لا تتطرق عليه الضرورة.
ورد: بأن العرب تعتمده لتحسين كلامها (وتزيينه) (٣) وتعده من القدرة على النطق، ويعدون (٢٤/ أ) المقتصر على الحقائق من غير توسع ضيق العبارة وقصير اللسان، والقرآن نزل بلغتهم فجاء بطريقتهم، ولأن الموضوعات في الأصل كلها منا حاجات وضرورات، وليست من الله تعالى كذلك (٤).
قالوا: يلزم (٥) التسمية بتجوز، قيل: المتجوز (٦) من فعل المجاز لا من نظر به وأيضًا الأسماء توقيفة.
* * *
_________________
(١) سورة يوسف: (٨٢).
(٢) انظر: مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٩٨ - ١٠١).
(٣) في الأصل "وتربيته" وهو تصحيف،
(٤) انظر: التمهيد لأبي الخطاب (٢/ ٢٧١).
(٥) بيان الملازمة أن من قام بفعل اشتق له منه اسم الفاعل وأطلق عليه فمن قام بالمجاز أطلق عليه المتجوِّز.
(٦) انظر: بيان المختصر للأصبهاني (١/ ٢٢٦).
[ ١ / ٢٠٤ ]