قوله: (مسألة: يجوز أن يحرم واحد لا بعينه عند الأكثر خلافًا للمعتزلة) يجوز النهي عن واحد من أشياء كقوله: "إلا تكلم زيدًا أو عمرًا" فقد حرمت عليك (٢) كلام أحدهما لا بعينه فصح ما ذكرناه.
وقد قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾ [الإنسان: ٢٤] (٣)
_________________
(١) العنوان من الهامش. راجع هذا المبحث في العدة (١/ ٤٢٨ - ٤٣٠)، التمهيد لأبي الخطاب (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩)، الواضح لابن عقيل (٢/ ٧٣ أ)، شرح مختصر الروضة للطوفي (١/ ١٢٠ أ)، المسودة ص (٨١ - ٨٢)، القواعد والفوائد الأصولية للبعلي ص (٦٩)، تحرير المنقول للمرداوي (١/ ١٦٢)، شرح الكوكب المنير (١/ ٣٨٧ - ٣٨٩). انظر: المحصول (١/ ٥٠٧ - ٥١٠)، بيان المختصر للأصبهاني (١/ ٣٧٧)، جمع الجوامع بشرح المحلى ٠١/ ١٨١ - ١٨٢)، التقرير والتحبير على التحرير (٢/ ١٣٨ - ١٣٩)، فواتح الرحموت (١/ ١١٠ - ١١١).
(٢) كذا في الأصل وصوابه: "حرم".
(٣) سورة الإنسان: (٢٤) وهذه الآية استدل بها المخالفون للجمهور ووجه استدلالهم بها من حيث إن حرف "أو" ورد في النهي مقتضيًا الجمع دون التخيير؛ لأن المراد بالنهي النهي عن الطاعة لكل واحد منهما لا النهي عن أحدهما. =
[ ١ / ٣٧٧ ]
وبه قال الشافعية (١) وقاسوه على الأمر بواحد من أشياء، فإنه لا يقتضي وجوب الجميع، وكذلك الأمر بالترك في أحد شيئين لا يقتضي وجوب تركهما وإلحاقهما بالمخير ذكره الآمدي وابن الحاجب (٢).
لكن المعتزلة لم يوجبوا فعل الجميع هناك (٣) وهاهنا أوجبوا اجتناب الجميع (٤) فلا يجوز له فعل واحد منها، وبنوا هذا على أصلهم الفاسد أن النهي لا يرد إلا عن قبيح فإذا نهى عنهما - ثبت قبحهما فكانا منهيين، وإن ورد النهي بلفظ التخيير، اللهم إلا أن يدل الدليل على أن كل واحد منهما منهي عنه بشرط وجود فيكون الآخر فيكون للتخيير.
هناك فائدة بأن يقال "لا تأكل ولا تشرب" ويدل الدليل على أنه إنما نهى عن الأكل بعد وجود الشرب، وكذا إنما نهى
_________________
(١) = والجواب: أن مقتضى الآية إنما هو التخيير، وتحريم أحد الأمرين لا بعينه، والجمع في التحريم هاهنا مستفاد من دليل آخر. عن الأحكام للآمدي (١/ ٨٦ - ٨٧٦) بتصرف. انظر: العدة (١/ ٤٤٩).
(٢) انظر: اللمع للشيرازي ص (١٤).
(٣) انظر: الأحكام للآمدي (١/ ٨٦ - ٨٧)، ومختصر ابن الحاجب بشرح العضد (٢٠٢).
(٤) أي في الواجب المخير.
(٥) وهو قول أبي عبد الله الجرجاني والقرافي ومال إليه ابن قاضي الجبل. انظر: المعتمد لأبي الحسين (١/ ١٦٩ - ١٧٠)، وتحرير المنقول للمرداوي (١/ ١٦٢).
[ ١ / ٣٧٨ ]
عن الشرب بعد وجود الأكل، فيكونان منهيين على طريقة التخيير على هذا الوجه (١). هذا تحرير مذهب المعتزلة على ما قاله ابن السمعاني وغيره، وحينئذ فلا يصح إطلاق إلحاقها بالمخير.
* * *
_________________
(١) للنحاة في مثل لا تأكل السمك وتشرب اللبن ثلاثة وجوه. الأول: جزم الفعلين ويكون كل واحد منهما متعلق النهي. الثاني: جزم الأول ونصب الثاني، ويكون متعلق النهي هو الجمع بينهما فقط وكل واحد منهما على حده غير منهي عنه. الثالث: جزم الأول ورفع الثاني ويكون متعلق النهي فقط في حال ملابسة الثاني للأول، أي لا تأكل السمك في حالة شربك اللبن، فالحال ليس منهيًا عنها، كما إذا قلت لا تسافر والبحر هائج فلست تنهى عن هيجان البحر بل عن الأول فقط. أ. هـ. بتصرف عن تنقيح الفصول ص (١٧٣)، وانظر شرح ابن عقيل على الألفية (٢/ ٣٥٢ - ٣٥٥).
[ ١ / ٣٧٩ ]