وَالظَّاهِرُ: حَقِيقَةً، هُوَ الِاحْتِمَالُ الْمُتَبَادِرُ، وَاسْتِعْمَالًا، اللَّفْظُ الْمُحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ فَأَكْثَرَ، هُوَ فِي أَحَدِهَا أَظْهَرُ، أَوْ مَا بَادَرَ مِنْهُ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ مَعْنًى مَعَ تَجْوِيزِ غَيْرِهِ، وَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ إِلَّا بِتَأْوِيلٍ، وَهُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ لِدَلِيلٍ يَصِيرُ بِهِ الْمَرْجُوحُ رَاجِحًا.
_________________
(١) قَوْلُهُ: «وَالظَّاهِرُ حَقِيقَةً» أَيْ: فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، هُوَ الشَّاخِصُ الْمُرْتَفِعُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِأَشْرَافِ الْأَرْضِ: ظَوَاهِرُ. وَالظَّاهِرُ خِلَافُ الْبَاطِنِ، وَلِذَلِكَ قَابَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي صِفَاتِهِ الْكَرِيمَةِ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الْحَدِيدِ: ٣]، وَكَمَا أَنَّ الْمُرْتَفِعَ مِنَ الْأَشْخَاصِ هُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي تُبَادِرُ إِلَيْهِ الْأَبْصَارُ، فَكَذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُتَبَادِرُ مِنَ اللَّفْظِ، هُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي تُبَادِرُ إِلَيْهِ الْبَصَائِرُ وَالْأَفْهَامُ. أَمَّا إِطْلَاقُ الظَّاهِرِ عَلَى اللَّفْظِ الْمُحْتَمَلِ أُمُورًا، هُوَ فِي أَحَدِهَا أَرْجَحُ، فَهَذَا اصْطِلَاحٌ لَا حَقِيقَةٌ. قَوْلُهُ: «وَاسْتِعْمَالًا»، أَيْ: وَالظَّاهِرُ فِي اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ «اللَّفْظُ الْمُحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ فَأَكْثَرَ هُوَ فِي أَحَدِهَا أَظْهَرُ» وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: هُوَ فِي أَحَدِهَا أَرْجَحُ دَلَالَةٍ، لِئَلَّا يَصِيرَ تَعْرِيفًا لِلظَّاهِرِ بِنَفْسِهِ، كَمَا سَبَقَ فِي تَعْرِيفِ الْعِلْمِ، بِأَنَّهُ مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ. فَقَوْلُنَا: هُوَ اللَّفْظُ الْمُحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: احْتِرَازٌ مِنَ اللَّفْظِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدًا، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ النَّصُّ كَمَا سَبَقَ. وَقَوْلُنَا: فَأَكْثَرَ. لِأَنَّ اللَّفْظَ قَدْ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ وَمَعَانِيَ، وَلِهَذَا قُلْنَا: هُوَ فِي أَحَدِهَا
[ ١ / ٥٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أَرْجَحُ، لِأَنَّ الْمَعْنَيَيْنِ فَأَكْثَرَ جَمْعٌ لَا تَثْنِيَةٌ، فَكَانَ ذَلِكَ أَجْوَدَ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ: مَا احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ هُوَ فِي أَحَدِهِمَا أَظْهَرُ. قَوْلُهُ: «أَوْ مَا بَادَرَ مِنْهُ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ مَعْنًى، مَعَ تَجْوِيزِ غَيْرِهِ» . هَذَا تَخْيِيرٌ بَيْنَ التَّعْرِيفَيْنِ، أَيِ: الظَّاهِرُ هُوَ اللَّفْظُ الْمُحْتَمَلُ، إِلَى آخِرِهِ، أَوِ اللَّفْظُ الْمُتَبَادِرُ مِنْهُ مَعْنًى، مَعَ تَجْوِيزِ غَيْرِهِ، بِأَيِّهِمَا شِئْتَ عَرِّفْهُ، لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ. فَقَوْلُنَا: «مَا بَادَرَ مِنْهُ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ» احْتِرَازٌ مِمَّا لَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ مَعْنًى، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُجْمَلُ، كَالْقُرْءِ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ، لَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ حَيْضٌ وَلَا طُهْرٌ. وَقَوْلُنَا: عِنْدَ إِطْلَاقِهِ: احْتِرَازٌ مِمَّا كَانَتْ مُبَادَرَةُ الْمَعْنَى مِنْهُ لَا عِنْدَ إِطْلَاقِهِ فَقَطْ، بَلْ مَعَ قَرِينَةٍ أَوْ دَلِيلٍ آخَرَ، فَإِنَّ ذَلِكَ، وَإِنَّ سُمِّي ظَاهِرًا بِاعْتِبَارِ ظُهُورِ الْمُرَادِ مِنْهُ، إِلَّا أَنَّهُ مَجَازٌ، إِذْ لَيْسَ ظَاهِرًا بِذَاتِهِ، بَلْ بِالدَّلِيلِ الْخَارِجِ، وَنَحْنُ كَلَامُنَا فِي الظَّاهِرِ بِذَاتِهِ. فَلَوْ قِيلَ: مَا بَادَرَ مِنْهُ لِذَاتِهِ مَعْنًى مَعَ تَجْوِيزِ غَيْرِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ النَّصُّ كَمَا سَبَقَ. قَوْلُهُ: «وَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ»، أَيْ: عَنِ الظَّاهِرِ «إِلَّا بِتَأْوِيلٍ»، أَيْ: حُكْمُ الظَّاهِرِ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّ حُكْمَ النَّصِّ ذَلِكَ أَيْضًا، فَإِنَّ تَرْكَ الِاحْتِمَالِ الظَّاهِرِ الرَّاجِحِ إِلَى الِاحْتِمَالِ الْخَفِيِّ الْمَرْجُوحِ كَتَرْكِ النَّصِّ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَقْبَحَ وَأَفْحَشَ، إِلَّا أَنَّهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي قَدْرٍ مِنَ الْقُبْحِ وَالْفُحْشِ وَالتَّحْرِيمِ، وَهَذَا كَمَنْ يَقُولُ: إِنَّ قَوْلَهُ ﷾ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالْأَنْصَابِ وَالْأَزْلَامِ: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾
[ ١ / ٥٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فَاجْتَنِبُوهُ، هَذَا الْأَمْرُ عَلَى النَّدْبِ، وَقَوْلُهُ ﷾ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٩١]، هُوَ صِيغَةُ اسْتِفْهَامٍ لَا يُفِيدُ الْأَمْرَ، فَيَكُونُ الْخَمْرُ عَلَى هَذَا مَكْرُوهًا لَا حَرَامًا، فَإِنَّ هَذَا مُرَاغَمَةٌ لِخِطَابِ الشَّرْعِ، إِذِ الْأَمْرُ بِاجْتِنَابِ ذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي الْإِيجَابِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَوَامِرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَصِيغَةُ: هَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ: هِيَ فِي عُرْفِ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ بِمَعْنَى: انْتَهُوا، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي، يَعْنِي الصِّدِّيقَ ﵁، أَيِ: اتْرُكُوهُ وَلَا تُؤْذُوهُ. وَلَا فَرْقَ عِنْدَنَا فِي هَذَا بَيْنَ الْفُرُوعِ الْعَمَلِيَّةِ، وَالْأُصُولِ الْعِلْمِيَّةِ الِاعْتِقَادِيَّةِ. فَالظَّوَاهِرُ الْوَارِدَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي صِفَاتِ الْبَارِئِ ﷻ، لَنَا أَنْ نَسْكُتَ عَنْهَا، وَلَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ فِيهَا، فَإِنْ سَكَتْنَا عَنْهَا قُلْنَا: تَمُرُّ كَمَا جَاءَتْ، كَمَا نُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ وَسَائِرِ أَعْيَانِ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، وَإِنْ تَكَلَّمْنَا فِيهَا، قُلْنَا: هِيَ عَلَى ظَوَاهِرِهَا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ يَتَرَجَّحُ عَلَيْهَا بِالتَّأْوِيلِ، لَكِنَّ الْكَلَامَ يَبْقَى فِي ظَوَاهِرِهَا مَا هِيَ؟ فَالْجَهْمِيَّةُ لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ بِالْأَحْكَامِ الْإِلَهِيَّةِ، لَمْ يَفْهَمُوا مِنْهَا إِلَّا الظَّاهِرَ الْمُشَاهَدَ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، مِنْ يَدٍ، وَقَدَمٍ وَوَجْهٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ حَرَّفُوهَا عَنْ ظَوَاهِرِهَا إِلَى مَجَازَاتٍ بَعِيدَةٍ. وَنَحْنُ نَقُولُ: الْمُرَادُ بِظَوَاهِرِ النُّصُوصِ مَعَانٍ، هِيَ حَقَائِقُ فِيهَا، ثَابِتَةٌ لِلَّهِ
[ ١ / ٥٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ﷾، مُخَالِفَةٌ لِلْمَعَانِي الْمَفْهُومَةِ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الِاشْتِرَاكِ. فَإِنْ قِيلَ: الْأَصْلُ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ، قُلْنَا: وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمَجَازِ. فَإِنْ قِيلَ: إِذَا تَعَارَضَ الْمَجَازُ وَالِاشْتِرَاكُ، فَالْمَجَازُ أَوْلَى، قُلْنَا: هَذَا تَرْجِيحٌ ظَنِّيٌّ، أَيْ: إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الظَّنِّيَاتِ، فَإِنْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ ظَنِّيَّةً، فَلِمَ يَغْلُونَ فِي الدِّينِ، وَيَكْفُرُونَ بِهَا، أَوْ يَفْسُقُونَ، ثُمَّ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَجَازَ أَوْلَى، بَلِ الِاشْتِرَاكُ. سَلَّمْنَاهُ، لَكِنَّ الْمَجَازَ أَوْلَى مِنَ الِاشْتِرَاكِ الْمُطْلَقِ، أَوْ مِنَ الِاشْتِرَاكِ الْمُقْتَرِنِ بِقَرِينَةٍ؟ الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ، وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ، وَنَحْنُ قَدْ دَلَّتْنَا قَرِينَةُ إِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى عَدَمِ التَّأْوِيلِ، وَكَثْرَةُ الظَّوَاهِرِ وَنُصُوصِيَّةُ بَعْضِهَا فِي الْمَقْصُودِ عَلَى أَنَّهَا مَقُولَةٌ عَلَى اللَّهِ ﷾ وَخَلْقِهِ بِالِاشْتِرَاكِ، وَرُبَّمَا تَعَرَّضْنَا لِلْكَلَامِ فِي هَذَا فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: «وَهُوَ»، يَعْنِي التَّأْوِيلَ الَّذِي لَا يُتْرَكُ الظَّاهِرُ إِلَّا بِهِ، هُوَ «صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ لِدَلِيلٍ يَصِيرُ بِهِ الْمَرْجُوحُ رَاجِحًا»، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الشَّرْعِ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ، وَالْحَقُّ قَدْ يَكُونُ دَلِيلُهُ قَاطِعًا لَا نِزَاعَ فِيهِ، فَيُوصِلُ إِلَى الْحَقِّ قَطْعًا، كَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ وَتَوْحِيدِهِ، وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَنَحْوِهِ. وَقَدْ يَكُونُ دَلِيلُهُ غَيْرَ قَاطِعٍ، فَلَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَى الْحَقِّ قَطْعًا، فَيَكُونُ الْمَطْلُوبُ هُوَ الْأَرْجَحَ فَالْأَرْجَحَ، وَذَلِكَ هُوَ الْغَالِبُ فِي أَحْكَامِ الْفُرُوعِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الضَّعِيفَ قَدْ يَقْوَى بِغَيْرِهِ، حَتَّى يَصِيرَ أَقْوَى مِمَّا كَانَ
[ ١ / ٥٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أَقْوَى مِنْهُ، كَمَا قِيلَ فِي الْمَثَلِ: لَا تُخَاصِمْ بِوَاحِدٍ أَهْلَ بَيْتٍ فَضَعِيفَانِ يَغْلِبَانِ قَوِيَّا وَهَذَا أَمْرٌ مُدْرَكٌ بِالْحِسِّ، فَكَذَلِكَ فِي دَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ، قَدْ يَكُونُ أَحَدُ مَدْلُولَيِ اللَّفْظِ أَرْجَحَ مِنَ الْآخَرِ، لَكِنَّ ذَلِكَ الْمَدْلُولَ الْمَرْجُوحَ قَدْ يُوَافِقُهُ دَلِيلٌ مِنْ خَارِجٍ، فَإِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ صَارَا جَمِيعًا مُسَاوِيَيْنِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى الرَّاجِحِ، فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ عَلَى الْمُرَجَّحِ أَوِ الرَّاجِحَيْنِ عَلَيْهِ، فَيَجِبُ تَرْكُهُ وَالْعُدُولُ إِلَيْهِمَا. وَمِثَالُهُ قَوْلُهُ ﷺ: الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ الْمُلَاصِقِ وَالْمُقَابِلِ أَيْضًا، مَعَ احْتِمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَارِ الشَّرِيكُ الْمُخَالِطُ، إِمَّا حَقِيقَةً، أَوْ مَجَازًا، لَكِنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ ضَعِيفٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الظَّاهِرِ، فَلَمَّا نَظَرْنَا إِلَى قَوْلِهِ ﵇: إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، صَارَ هَذَا الْحَدِيثُ مُقَوِّيًا لِذَلِكَ الِاحْتِمَالِ الضَّعِيفِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، حَتَّى تَرَجَّحَا عَلَى ظَاهِرِهِ، فَقَدَّمْنَاهُمَا، وَقُلْنَا: لَا شُفْعَةَ إِلَّا لِلشَّرِيكِ الْمُقَاسِمِ. وَحَمَلْنَا عَلَيْهِ الْجَارَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ سَائِغٌ فِي اللُّغَةِ.
[ ١ / ٥٦٢ ]
ثُمَّ قَدْ يَبْعُدُ الِاحْتِمَالُ، فَيَحْتَاجُ فِي حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ إِلَى دَلِيلٍ قَوِيٍّ، وَقَدْ يَقْرُبُ، فَكَيْفِيَّةُ أَدْنَى دَلِيلٍ، وَقَدْ يَتَوَسَّطُ، فَكَيْفِيَّةُ مِثْلِهِ. وَالدَّلِيلُ قَرِينَةٌ، أَوْ ظَاهِرٌ آخَرُ، أَوْ قِيَاسٌ.
_________________
(١) قَوْلُهُ: «ثُمَّ قَدْ يَبْعُدُ الِاحْتِمَالُ، فَيَحْتَاجُ فِي حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ إِلَى دَلِيلٍ قَوِيٍّ، وَقَدْ يَقْرُبُ، فَيَكْفِيهِ أَدْنَى دَلِيلٍ، وَقَدْ يَتَوَسَّطُ فَيَكْفِيهِ مِثْلُهُ» . مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الِاحْتِمَالَ الْمَرْجُوحَ الْمُقَابِلَ لِلرَّاجِحِ الظَّاهِرِ، قَدْ يَكُونُ بَعِيدًا عَنِ الْإِرَادَةِ، وَقَدْ يَكُونُ قَرِيبًا مِنْهَا، وَقَدْ يَكُونُ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْبَعِيدِ عَنْهَا وَالْقَرِيبِ مِنْهَا، فَالِاحْتِمَالُ الْبَعِيدُ يَحْتَاجُ فِي حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ إِلَى دَلِيلٍ قَوِيٍّ، لِتَجْبُرَ قُوَّةُ الدَّلِيلِ ضَعْفَ الِاحْتِمَالِ، فَيَقْوَيَانِ عَلَى الِاسْتِيلَاءِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَالِاحْتِمَالُ الْقَرِيبُ يَكْفِيهِ فِي ذَلِكَ أَدْنَى دَلِيلٍ، وَهَذَا إِطْلَاقٌ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، بَلْ يَكْفِيهِ دُونَ مَا يَكْفِي الِاحْتِمَالَ الْبَعِيدَ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الدَّلِيلُ الَّذِي إِذَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ الْقَرِيبِ تَرَجَّحَا جَمِيعًا عَلَى الظَّاهِرِ، وَإِلَّا، فَأَدْنَى دَلِيلٍ قَدْ لَا يَكُونُ إِذَا انْضَمَّ إِلَى الِاحْتِمَالِ الْقَرِيبِ مُؤَثِّرًا فِي اسْتِيلَائِهِمَا عَلَى الظَّاهِرِ، فَيَكُونُ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءً، وَالِاحْتِمَالُ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الِاحْتِمَالَيْنِ قُرْبًا وَبُعْدًا يَكْفِيهِ دَلِيلٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ قُوَّةً وَضَعْفًا. وَبِالْجُمْلَةِ: فَالْغَرَضُ مِنْ دَلِيلِ التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ إِذَا انْضَمَّ إِلَى احْتِمَالِ اللَّفْظِ الْمُؤَوَّلِ اعْتَضَدَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، وَاسْتَوْلَيَا عَلَى الظَّاهِرِ، وَقُدِّمَا عَلَيْهِ، فَمَا
[ ١ / ٥٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) كَانَ فِي احْتِمَالِ اللَّفْظِ مِنْ ضَعْفِ جَبْرٍ بِاعْتِبَارِ قُوَّةٍ فِي الدَّلِيلِ، وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ قُوَّةٍ سُومِحَ بِقَدْرِهِ فِي الدَّلِيلِ، وَالْمُعْتَمَدُ قُبَالَةَ الْمُعْتَدِلِ فَهُمَا يُحَصِّلَانِ الْغَرَضَ، وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْمَكَانِ كَالْمِيزَانِ، فَلَوْ فَرَضْنَا مِيزَانًا فِي إِحْدَى كِفَّتَيْهِ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ، وَفِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى ثَلَاثَةُ أَرْطَالٍ، احْتَجْنَا لِتَعْدِيلِهِمَا إِلَى سَبْعَةِ أَرْطَالٍ، وَهُوَ نَظِيرُ الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ مَعَ الدَّلِيلِ الْقَوِيِّ، وَإِنْ كَانَ فِي الْكِفَّةِ الْمَرْجُوحَةِ سَبْعَةُ أَرْطَالٍ، احْتَجْنَا فِي تَعْدِيلِهِمَا إِلَى ثَلَاثَةِ أَرْطَالٍ، وَهُوَ نَظِيرُ الِاحْتِمَالِ الرَّاجِحِ مَعَ الدَّلِيلِ اللَّيِّنِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْكِفَّةِ الْمَرْجُوحَةِ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ أَوْ سِتَّةُ أَرْطَالٍ احْتَجْنَا فِي التَّعْدِيلِ إِلَى خَمْسَةٍ أَوْ أَرْبَعَةِ أَرْطَالٍ، فَالتَّفَاوُتُ هَاهُنَا مُتَوَسِّطٌ، وَهُوَ نَظِيرُ الِاحْتِمَالِ الْمُتَوَسِّطِ مَعَ الدَّلِيلِ الْمُتَوَسِّطِ، وَسَيَأْتِي لِهَذَا أَوْ بَعْضِهِ أَمْثِلَةٌ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: «وَالدَّلِيلُ قَرِينَةٌ، أَوْ ظَاهِرٌ آخَرُ، أَوْ قِيَاسٌ» أَيْ: دَلِيلُ التَّأْوِيلِ الَّذِي يَقْوَى بِهِ الِاحْتِمَالُ الْمَرْجُوحُ عَلَى الظَّاهِرِ، قَدْ تَكُونُ قَرِينَتُهُ مُتَّصِلَةً بِالظَّاهِرِ، أَوْ مُنْفَصِلَةً، وَقَدْ يَكُونُ ظَاهِرًا آخَرَ، أَوْ نَصًّا يُوَافِقُ الِاحْتِمَالَ الْمَرْجُوحَ، وَقَدْ يَكُونُ قِيَاسًا، لِأَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا أَدِلَّةٌ تَصْلُحُ لِلتَّرْجِيحِ، إِذْ مَقْصُودُهُ حَاصِلٌ بِهَا. فَالْقَرِينَةُ الْمُتَّصِلَةُ، كَالْمُنَاظَرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ بَيْنَ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ ﵄. قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَحَنْبَلٍ: كَلَّمْتُ الشَّافِعِيَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، يَعْنِي أَنَّ الْوَاهِبَ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا وَهَبَ، لِقَوْلِهِ ﵇: الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ
[ ١ / ٥٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فِي قَيْئِهِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ - وَكَانَ يَرَى أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ -: لَيْسَ بِمُجْرِمٍ عَلَى الْكَلْبِ أَنْ يَعُودَ فِي قَيْئِهِ قَالَ أَحْمَدُ: فَقُلْتُ لَهُ: فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، فَسَكَتَ، يَعْنِي الشَّافِعِيَّ. قُلْتُ: فَالشَّافِعِيُّ تَمَسَّكَ بِالظَّاهِرِ، وَهُوَ أَنَّ الْكَلْبَ لَمَّا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ فِي قَيْئِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاهِبَ إِذَا رَجَعَ مِثْلُهُ فِي عَدَمِ التَّحْرِيمِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ التَّشْبِيهِ اسْتِوَاءُ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَفْتَرِقَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ احْتِمَالًا قَوِيًّا جِدًّا، فَضَعُفَ حِينَئِذٍ جَانِبُ أَحْمَدَ فِي الِاسْتِدْلَالِ جِدًّا، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا احْتِمَالٌ ضَعِيفٌ جِدًّا، فَقَوَّاهُ بِالْقَرِينَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ ﵇ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ: لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ وَهِيَ دَلِيلٌ قَوِيٌّ، وَجُعِلَ ذَلِكَ مُقَدَّمًا عَلَى الْمَثَلِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ دَلِيلُ الِاهْتِمَامِ بِهِ، فَأَفَادَ ذَلِكَ لُغَةً وَعُرْفًا، أَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ مَثَلُ سَوْءٍ، وَقَدْ نَفَاهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ، وَمَا نَفَاهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ يَحْرُمُ إِثْبَاتُهُ، فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ جَوَازَ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ يَحْرُمُ إِثْبَاتُهُ، فَيَجِبُ نَفْيُهُ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَمِثَالُ الْقَرِينَةِ الْمُنْفَصِلَةِ: مَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ جَاءَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ بِمُشْرِكٍ، فَادَّعَى أَنَّهُ أَمَّنَهُ، فَأَنْكَرَهُ الْمُسْلِمُ، وَادَّعَى أَسْرَهُ، فَفِيهِ أَقْوَالٌ: ثَالِثُهَا: الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ ظَاهِرُ الْحَالِ صِدْقُهُ، فَلَوْ كَانَ الْكَافِرُ أَظْهَرَ قُوَّةً وَبَطْشًا وَشَهَامَةً مِنَ الْمُسْلِمِ، جُعِلَ
[ ١ / ٥٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ذَلِكَ قَرِينَةً فِي تَقْدِيمِ قَوْلِهِ، مَعَ أَنَّ قَوْلَ الْمُسْلِمِ لِإِسْلَامِهِ وَعَدَالَتِهِ رَاجِحٌ، وَقَوْلَ الْكَافِرِ مَرْجُوحٌ، لَكِنَّ الْقَرِينَةَ الْمُنْفَصِلَةَ عَضَّدَتْهُ، حَتَّى صَارَ أَقْوَى مِنْ قَوْلِ الْمُسْلِمِ الرَّاجِحِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَمِثَالُ الظَّاهِرِ: أَنَّ قَوْلَهُ ﷾: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣]، ظَاهِرٌ فِي تَحْرِيمِ جِلْدِهَا، دُبِغَ أَوْ لَمْ يُدْبَغْ، مَعَ احْتِمَالِ أَنَّ الْجِلْدَ غَيْرُ مُرَادٍ بِالْعُمُومِ احْتِمَالًا مُتَرَدِّدًا، لَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ إِضَافَةَ التَّحْرِيمِ إِلَى الْمَيْتَةِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْأَكْلِ، وَالْجِلْدُ غَيْرُ مَأْكُولٍ، فَيَقْتَضِي عَدَمَ تَنَاوُلِ الْجِلْدِ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ قَوِيٌّ، مُتَنَاوِلٌ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، يَقْتَضِي تَنَاوُلَ الْجِلْدِ، فِي نَظَرِنَا فِي قَوْلِهِ ﵇: أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ فَهُوَ عُمُومٌ وَظَاهِرُهُ، يَتَنَاوَلُ إِهَابَ الْمَيْتَةِ، فَكَانَ هَذَا الظَّاهِرُ مُقَوِّيًا لِاحْتِمَالِ عَدَمِ إِرَادَةِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ مِنَ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي التَّحْرِيمِ. وَمِثَالُ النَّصِّ: قَوْلُهُ ﵇ فِي شَاةِ مَوْلَاةِ مَيْمُونَةَ: أَلَا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ، فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، قَالَ: إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا، فَهَذَا نَصٌّ فِي طَهَارَةِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ. وَمِثَالُ الْقِيَاسِ: أَنَّ تَرْكَهُ ﷾ ذِكْرَ الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ وُجُوبِهِ، إِذْ لَوْ وَجَبَ، لَذَكَرَهُ كَمَا ذَكَرَ التَّحْرِيرَ وَالصِّيَامَ. هَذَا مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا مَسْكُوتًا عَنْهُ، يَسْتَخْرِجُهُ الْمُجْتَهِدُونَ، ثُمَّ رَأَيْنَا إِثْبَاتَ الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ،
[ ١ / ٥٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بِالْقِيَاسِ عَلَى إِثْبَاتِهِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالصِّيَامِ وَالْيَمِينِ مُتَّجِهًا، لِأَنَّ الْكَفَّارَاتِ حُقُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَحُكْمُ الْأَمْثَالِ وَاحِدٌ، فَثُبُوتُ الْإِطْعَامِ فِي تِلْكَ الْكَفَّارَاتِ تَنْبِيهٌ عَلَى ثُبُوتِهِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَقَدْ ذُكِرَ هَذَا فِي بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِيَاسِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَا شَكَّ.
[ ١ / ٥٦٧ ]