فِي أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ
وَهِيَ خَمْسَةٌ كَمَا سَيَأْتِي قِسْمَتُهَا. وَالْحُكْمُ، قِيلَ: خِطَابُ الشَّرْعِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ. وَقِيلَ: أَوِ الْوَضْعِ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: مُقْتَضَى خِطَابِ الشَّرْعِ، فَلَا يَرِدُ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ: الْخِطَابُ قَدِيمٌ، فَكَيْفَ يُعَلَّلُ بِالْعِلَلِ الْحَادِثَةِ؟ وَأَيْضًا فَإِنَّ نَظْمَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ لَيْسَ هُوَ الْحُكْمُ قَطْعًا، بَلْ مُقْتَضَاهُ، وَهُوَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ، وَتَحْرِيمُ الزِّنَى عِنْدَ اسْتِدْعَاءِ الشَّرْعِ مِنَّا تَنْجِيزُ التَّكْلِيفِ.
_________________
(١) أَحْكَامُ التَّكْلِيفِ قَوْلُهُ: «الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ، وَهِيَ خَمْسَةٌ، كَمَا سَيَأْتِي قِسْمَتُهَا» . الْأَحْكَامُ: جَمْعُ حُكْمٍ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْحُكْمُ مَصْدَرُ قَوْلِكَ: حَكَمَ بَيْنَهُمْ يَحْكُمُ حُكْمًا، إِذَا قَضَى. قُلْتُ: وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: الْمَنْعُ، وَإِلَيْهِ تَرْجِعُ تَرَاكِيبُ مَادَّةِ «ح ك م»، أَوْ أَكْثَرُهَا، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُكَ: حَكَّمْتُ الرَّجُلَ تَحْكِيمًا، إِذَا مَنَعْتَهُ مِمَّا أَرَادَ، وَحَكَمْتُ السَّفِيهَ - بِالتَّخْفِيفِ - وَأَحْكَمْتُهُ، إِذَا أَخَذْتَ عَلَى يَدِهِ. أَنْشَدَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ لِجَرِيرٍ: أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ أَنْ أَغْضَبَا وَسُمِّي الْقَاضِي حَاكِمًا، لِمَنْعِهِ الْخُصُومَ مِنَ التَّظَالُمِ.
[ ١ / ٢٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أَمَّا بَيَانُ حَقِيقَةِ الْحُكْمِ فِي الِاصْطِلَاحِ، فَقَدْ ذُكِرَتْ بَعْدُ. وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي، نَحْوُ: الْوُجُوبُ وَالْحَظْرُ وَغَيْرُهُمَا أَحْكَامًا، لِأَنَّ مَعْنَى الْمَنْعِ مَوْجُودٌ فِيهَا، إِذْ حَقِيقَةُ الْوُجُوبِ مُرَكَّبَةٌ مِنَ اسْتِدْعَاءِ الْفِعْلِ وَالْمَنْعِ مِنَ التَّرْكِ، وَالْحَظْرُ مُرَكَّبٌ مِنَ اسْتِدْعَاءِ التَّرْكِ وَالْمَنْعِ مِنَ الْفِعْلِ. أَمَّا النَّدْبُ وَالْكَرَاهَةُ، فَمَعْنَى الْمَنْعِ فِيهِمَا مَوْجُودٌ، لَكِنَّهُ أَضْعَفُ مِنْهُ فِي الْوُجُوبِ وَالْحَظْرِ، وَلِهَذَا، أَوْ نَحْوِهِ، اخْتُلِفَ فِي تَنَاوُلِ التَّكْلِيفِ لَهُمَا لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ فِيهِمَا. أَمَّا النَّدْبُ، فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَرْكِهِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى طَلَبِ ثَوَابِهِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ، إِذْ لَيْسَ ثَوَابُ مَنْ تَرَكَ الْمَنْدُوبَاتِ كَثَوَابِ مَنْ فَعَلَهَا، وَحَافَظَ عَلَيْهَا، عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِين﴾ َ لَا يَعْلَمُونَ [الزُّمَرِ: ٩]، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِعَائِشَةَ - ﵂ -: ثَوَابُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ. وَالْإِجْمَاعُ عَلَى هَذَا، وَهُوَ مِنْ
[ ١ / ٢٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ضَرُورِيَّاتِ الشَّرِيعَةِ إِلَّا مَا نَدَرَ مِنْ إِلْحَاقِ بَعْضِ الْقَاصِرِينَ بِالْمُجْتَهِدِينَ بِحَسَبِ السَّابِقَةِ، وَالسَّعَادَةِ اللَّاحِقَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ، فَلَا بُدَّ مِنْ سَبَبٍ، أَوْ شُبْهَةِ سَبَبٍ. فَحِينَئِذٍ نَقُولُ: الْعَقْلُ وَالشَّرْعُ يَمْنَعَانِ مِنْ تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ اسْتِصْلَاحًا وَنَظَرًا، لَا عَزْمًا وَجَزْمًا، وَإِذَا ثَبَتَ مَعْنَى الْمَنْعِ فِي فِعْلِ الْمَنْدُوبِ، فَافْهَمْ مِثْلَهُ فِي تَرْكِ الْمَكْرُوهِ، لِأَنَّهُمَا مُتَقَابِلَانِ وَسِيَّانِ فِي الْوَزْنِ، فَكَمَا يُمْنَعُ الْمُكَلَّفُ الْمُفْطِرُ مِنْ تَرْكِ السِّوَاكِ مَنْعًا غَيْرَ جَازِمٍ، كَذَلِكَ يُمْنَعُ الصَّائِمُ مِنَ السِّوَاكِ بَعْدَ الزَّوَالِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ مَنْعًا غَيْرَ جَازِمٍ، لِأَنَّ تَرْكَ السِّوَاكِ لِلْأَوَّلِ مَكْرُوهٌ، وَلِلثَّانِي مَنْدُوبٌ، فَبِالنَّظَرِ إِلَى وُجُودِ مُطْلَقِ مَعْنَى الْمَنْعِ فِي النَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ، لَحِقَا بِالْوُجُوبِ وَالْحَظْرِ، فِي تَنَاوُلِ التَّكْلِيفِ لَهُمَا، وَبِالنَّظَرِ إِلَى [أَنَّ] الْمَنْعَ فِيهِمَا اصْطِلَاحٌ لَا عَزْمَ وَجَزْمَ قَصْرًا، فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُمَا التَّكْلِيفُ. وَإِضَافَةُ الْأَحْكَامِ إِلَى التَّكْلِيفِ، فِي قَوْلِنَا: «أَحْكَامُ التَّكْلِيفِ» هِيَ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى سَبَبِهِ، لِأَنَّ التَّكْلِيفَ سَبَبُ ثُبُوتِ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَقِّنَا، لِأَنَّا لَمَّا أُلْزِمْنَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ تَرْكَ الْمَعَاصِيَ، وَفِعْلَ الطَّاعَاتِ، ثَبَتَ فِي حَقِّنَا تَحْرِيمُ الْمَحْظُورَاتِ، وَوُجُوبُ الْوَاجِبَاتِ.
[ ١ / ٢٤٩ ]