وَكُلُّ مُتَأَوِّلٍ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ وَعَاضِدِهِ. وَقَدْ يَدْفَعُ الِاحْتِمَالَ مَجْمُوعُ قَرَائِنِ الظَّاهِرِ، دُونَ آحَادِهَا، كَتَأْوِيلِ الْحَنَفِيَّةِ الْمُفَارَقَةَ فِي قَوْلِهِ ﵇ لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ حَيْثُ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ: «أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ»، عَلَى تَرْكِ نِكَاحِهِنَّ ابْتِدَاءً، وَعَضَّدُوهُ بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ عَدَمُ أَوْلَوِيَّةِ بَعْضِهِنَّ بِالْإِمْسَاكِ دُونَ بَعْضٍ، أَوْ نَحْوِهِ.
_________________
(١) قَوْلُهُ: «وَكُلُّ مُتَأَوِّلٍ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ وَعَاضِدِهِ» أَيْ: وَكُلُّ مَنْ أَرَادَ تَأْوِيلَ ظَاهِرٍ مِنَ الظَّوَاهِرِ، فَعَلَيْهِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: بَيَانُ الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ مَعَ الظَّاهِرِ. الثَّانِي: بَيَانُ عَاضِدِهِ، أَيْ: عَاضِدِ الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ، أَيْ: لِدَلِيلِ الَّذِي يُعَضِّدُهُ وَيُقَوِّيهِ، حَتَّى يُقَدَّمَ عَلَى الظَّاهِرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُبَيِّنِ الِاحْتِمَالَ الْمَرْجُوحَ، لَمْ يَكُنْ بَيَانُ الدَّلِيلِ الْعَاضِدِ لِلِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ وَلَمْ نَتَحَقَّقِ التَّأْوِيلَ، إِذْ شَرْطُهُ الدَّلِيلُ، فَيَبْقَى الِاحْتِمَالُ الْمَرْجُوحُ مُجَرَّدًا، وَهُوَ لَا يُقَاوِمُ الظَّاهِرَ. قَوْلُهُ: «وَقَدْ يَدْفَعُ الِاحْتِمَالَ مَجْمُوعُ قَرَائِنِ الظَّاهِرِ دُونَ آحَادِهَا»، يَعْنِي أَنَّ الظَّاهِرَ وَالِاحْتِمَالَ الْمَرْجُوحَ إِذَا تَقَابَلَا، فَقَدْ يَحْتَفُّ بِالظَّاهِرِ قَرَائِنُ تَدْفَعُ ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ وَتُبْطِلُهُ، ثُمَّ قَدْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَرَائِنِ دَافِعَةً لِلِاحْتِمَالِ وَحْدَهَا، وَقَدْ لَا يَنْدَفِعُ إِلَّا بِمَجْمُوعِ تِلْكَ الْقَرَائِنِ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْقَرَائِنِ وَظُهُورِهَا، وَمُقَاوَمَتِهَا
[ ١ / ٥٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) لِذَلِكَ الِاحْتِمَالِ، وَقُصُورِهَا عَنْهُ، فَقَدْ تُقَاوِمُهُ قَرِينَةٌ وَاحِدَةٌ، أَوْ قَرِينَتَانِ، فَتَدْفَعُهُ، وَقَدْ لَا تُقَاوِمُهُ إِلَّا جَمِيعُهَا، فَلَا يَنْدَفِعُ بِدُونِهَا. قَوْلُهُ: «كَتَأْوِيلِ الْحَنَفِيَّةِ الْمُفَارَقَةَ»، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا مِثَالٌ لِدَفْعِ الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ بِالْقَرَائِنِ الْمُحْتَفَّةِ بِالظَّاهِرِ، وَذَلِكَ أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ ﵁ أَسْلَمَ وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَخَيَّرَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَفِي لَفْظٍ يَتَدَاوَلُهُ الْفُقَهَاءُ قَالَ لَهُ: أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ، وَعَلَيْهِ اتَّجَهَ النِّزَاعُ: فَالْحَنَفِيَّةُ قَالُوا: إِنَّ مَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ بَطَلَ نِكَاحُهُنَّ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ شَيْئًا، وَإِنْ تَزَوَّجَهُنَّ مُتَعَاقِبَاتٍ، اخْتَارَ مِنَ الْأَوَّلِ أَرْبَعًا، وَتَرَكَ الْبَاقِيَ. وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ: عَلَى أَنَّهُ يَخْتَارُ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا مُطْلَقًا. وَلَمَّا كَانَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ مُخَالِفًا لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، إِذْ ظَاهِرُ الْإِمْسَاكِ فِيهِ اسْتِدَامَةُ نِكَاحِ أَرْبَعَةٍ، وَظَاهِرُ الْمُفَارَقَةِ تَسْرِيحُ الْبَاقِيَاتِ، احْتَاجُوا إِلَى تَأْوِيلِهِ، فَحَمَلُوا الْإِمْسَاكَ عَلَى ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَمْسِكْ أَرْبَعًا بِأَنْ تَبْتَدِئَ نِكَاحَهُنَّ، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ بِأَنْ لَا تَبْتَدِئَ الْعَقْدَ عَلَيْهِنَّ، وَلَوْ ثَبَتَ لَهُمْ هَذَا التَّأْوِيلُ، لَوَافَقَ الْحَدِيثَ مَذْهَبُهُمْ، إِذْ
[ ١ / ٥٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يَصِيرُ التَّقْدِيرُ أَنَّ بِإِسْلَامِ غَيْلَانَ يَبْطُلُ نِكَاحُ زَوْجَاتِهِ، فَإِمْسَاكُهُ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ يَكُونُ بِابْتِدَاءِ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ، وَفِرَاقُهُ لِلْبَوَاقِي يَكُونُ بِتَرْكِ نِكَاحِهِنَّ، وَعَضَّدُوا هَذَا التَّأْوِيلَ بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ النِّسْوَةِ لَيْسَ بِأَوْلَى بِالْإِمْسَاكِ مِنْ بَعْضٍ، إِذْ هُوَ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجَّحٍ، أَوْ بِنَحْوِ هَذَا الْقِيَاسِ.
[ ١ / ٥٧٠ ]
وَرُدَّ بِأَنَّ السَّابِقَ إِلَى فَهْمِنَا وَفَهْمِ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنَ الْمُفَارَقَةِ التَّسْرِيحُ، لَا تَرْكُ النِّكَاحِ، وَبِأَنَّهُ فَوَّضَ إِلَيْهِ ذَلِكَ مُسْتَقِلًّا بِهِ، وَابْتِدَاءُ النِّكَاحِ لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ رِضَى الْمَرْأَةِ، وَبِأَنَّ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ لَا يَخْتَصُّ بِهِنَّ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: انْكِحْ أَرْبَعًا مِمَّنْ شِئْتَ، فَهَذِهِ قَرَائِنُ تَدْفَعُ تَأْوِيلَهُمْ.
_________________
(١) قَوْلُهُ: «وَرُدَّ»، أَيْ: تَأْوِيلُ الْحَنَفِيَّةِ الْمَذْكُورُ بِوُجُوهٍ دَلَّ عَلَيْهَا الْحَدِيثُ: أَحَدُهَا: أَنَّ السَّابِقَ إِلَى فَهْمِنَا وَفَهْمِ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنَ الْإِمْسَاكِ الِاسْتِدَامَةُ، لَا ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ، وَمِنَ الْمُفَارَقَةِ التَّسْرِيحُ، لَا تَرْكُ النِّكَاحِ، فَيَكُونُ هَذَا مَدْلُولَ اللَّفْظِ وَمُقْتَضَاهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ [هَذَا] السَّابِقُ إِلَى فَهْمِنَا مِنَ الْحَدِيثِ، ذَلِكَ الْوُجْدَانُ مِنَّا، وَالتَّأْوِيلُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا فِيمَا قُلْنَاهُ، لَمَا احْتَاجُوا إِلَى تَأْوِيلِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ السَّابِقَ إِلَى فَهْمِنَا مِنَ الْحَدِيثِ ذَلِكَ الْوُجْدَانُ، ثَبَتَ أَنَّهُ السَّابِقُ إِلَى فَهْمِ الصَّحَابَةِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، وَعَدَمُ التَّغْيِيرِ فِي الْأَلْفَاظِ وَالْمَوْضُوعَاتِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَوَّضَ ذَلِكَ - يَعْنِي الْإِمْسَاكَ وَالْفِرَاقَ - إِلَى غَيْلَانَ مُسْتَقِلًّا بِهِ، حَيْثُ قَالَ: أَمْسِكْ وَفَارِقْ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ ابْتِدَاءً لِنِكَاحٍ، لَمَا اسْتَقَلَّ بِهِ بِالِاتِّفَاقِ، إِذْ لَا بُدَّ مِنْ رِضَى الزَّوْجَةِ، وَمِنَ الْوَلِيِّ عِنْدَنَا، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَقُولَ: أَمْسِكْ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ إِنْ رَضِينَ، وَيُبَيِّنَ لَهُ شَرَائِطَ النِّكَاحِ، لِأَنَّ ذَلِكَ بَيَانٌ فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ، كَمَا قُرِّرَ فِي مَوْضِعِهِ، خُصُوصًا لِمَنْ هُوَ حَدِيثُ عَهْدٍ
[ ١ / ٥٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بِجَاهِلِيَّةٍ، دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ، فَهُوَ أَحْوَجُ إِلَى الْبَيَانِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِمُ: انْكِحْ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ، وَاتْرُكْ نِكَاحَ سَائِرِهِنَّ، أَيْ: وَلَا تَنْكِحْ سَائِرَهُنَّ، وَالْأَمْرُ دَائِرٌ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَالنَّهْيُ دَائِرٌ بَيْنَ الْكَرَاهَةِ وَالْحَظْرِ، وَابْتِدَاءُ النِّكَاحِ لَا يَخْتَصُّ بِالنِّسْوَةِ اللَّاتِي أَسْلَمَ عَلَيْهِنَّ وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا، بَلْ هُنَّ كَغَيْرِهِنَّ فِيهِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: انْكِحْ أَرْبَعًا مِمَّنْ شِئْتَ، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالنِّكَاحِ مِنْهُنَّ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا، وَلَيْسَ الْحُكْمُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَذَلِكَ، فَكَانَ يَكُونُ إِبْهَامًا فِي الدِّينِ، وَتَلْبِيسًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا بُعِثَ لِلْإِيضَاحِ وَالتَّبْيِينِ، وَكَذَلِكَ الْبَوَاقِي بَعْدَ نِكَاحِ الْأَرْبَعِ، لَا اخْتِصَاصَ لَهُنَّ بِالنَّهْيِ عَنْ نِكَاحِهِنَّ، وَهُوَ مُوهِمٌ ذُلَّهُ، خُصُوصًا عِنْدَ مَنْ يَرَى مَفْهُومَ اللَّقَبِ، فَيَكُونُ اخْتِصَاصُهُنَّ بِالنَّهْيِ عَنْ نِكَاحِهِنَّ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ، لِانْعِقَادِهِ عَلَى تَحْرِيمِ مَنْ سِوَى الْأَرْبَعِ اللَّاتِي أُمْسِكْنَ بِالنِّكَاحِ. فَهَذِهِ قَرَائِنُ احْتَفَّتْ بِالْحَدِيثِ تَدْفَعُ تَأْوِيلَ الْحَنَفِيَّةِ الْمَذْكُورَ، وَتُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْحَدِيثِ مَا فَهِمَهُ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّ الْإِمْسَاكَ: الِاسْتِدَامَةُ، وَالْمُفَارَقَةَ: التَّسْرِيحُ. وَمَا يَقُولُونَهُ: مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ بَعْضُ النِّسْوَةِ أَوْلَى بِالْإِمْسَاكِ مِنْ بَعْضٍ مَرْدُودٌ، بِأَنَّ الْأَوْلَى بِهِ مِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَهُ الزَّوْجُ، وَاخْتِيَارُهُ هُوَ الْمُرَجَّحُ، وَمَا فَصَلُوهُ مِنْ أَنَّهُ إِنْ كَانَ عَقَدَ عَلَيْهِنَّ مَعًا بَطَلَ نِكَاحُهُنَّ، وَإِنْ كَانَ عَقَدَ مُتَعَاقِبًا، أَمْسَكَ الْأُولَى فَالْأُولَى مِنْهُنَّ،
[ ١ / ٥٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ ﵇ لِفَيْرُوزٍ الدَّيْلَمِيِّ وَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى أُخْتَيْنِ: أَمْسِكْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ وَفَارِقِ الْأُخْرَى، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِمْسَاكَ ظَاهِرٌ فِي الِاسْتِدَامَةِ، مَعَ الْمَعِيَّةِ فِي الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَ عَقَدَ عَلَيْهِمَا مُتَعَاقِبَتَانِ، فَقَدْ خَيَّرَهُ فِي إِمْسَاكِ أَيَّتِهِمَا شَاءَ، وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الْأُولَى. فَالنُّصُوصُ مُخَالِفَةٌ لِقَوْلِهِمْ بِكُلِّ حَالٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَثَارَ النِّزَاعِ فِي الْمَسْأَلَةِ هُوَ أَنَّ الْإِمْسَاكَ هُوَ الْحِفْظُ لِلشَّيْءِ، لِكَوْنِهِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ آلَةٍ يَحْصُلُ بِهَا الْإِمْسَاكُ، فَالنَّبِيُّ ﷺ أَمَرَهُ بِالْإِمْسَاكِ وَأَمْسَكَ عَنْ آلَتِهِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا، إِذِ الْإِمْسَاكُ - الَّذِي هُوَ هَاهُنَا حِفْظُ نِكَاحِ الْأَرْبَعِ - يَصِحُّ حُصُولُهُ بِالِاسْتِدَامَةِ، وَالِاسْتِبْقَاءِ، وَالِاسْتِصْحَابِ كَمَا قُلْنَاهُ، وَيَصِحُّ حُصُولُهُ بِابْتِدَاءِ النِّكَاحِ كَمَا قَالُوهُ، لَكِنْ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى، لِمَا سَبَقَ، وَلِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ بُطْلَانِ النِّكَاحِ، ثُمَّ تَصْحِيحِهِ بِابْتِدَاءِ عَقْدِهِ عَلَيْهِنَّ، وَعَلَى مَا قَالُوهُ يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ ضَرُورَتِهِ، فَكَانَ مَا قُلْنَاهُ كَاللَّفْظِ الْمُسْتَقِلِّ بِنَفْسِهِ، بِدُونِ إِضْمَارٍ، وَمَا ذَكَرُوهُ كَاللَّفْظِ الَّذِي لَا يَتِمُّ إِلَّا بِإِضْمَارٍ، وَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى، فَكَانَ مَا أَشْبَهَهُ فِي مَسْأَلَتِنَا أَوْلَى، وَهُوَ تَأْوِيلُنَا. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالْإِنْصَافُ أَنَّ ذَلِكَ، يَعْنِي تَأْوِيلَ الظَّوَاهِرِ، يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَإِلَّا فَلَسْنَا نَقْطَعُ بِبُطْلَانِ تَأْوِيلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَعَ هَذِهِ الْقَرَائِنِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ تَذْلِيلُ الطَّرِيقِ لِلْمُجْتَهِدِينَ، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
[ ١ / ٥٧٣ ]
وَكَتَأْوِيلِهِمْ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلَيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» عَلَى الْأَمَةِ، ثُمَّ صَدَّهُمْ: «فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا»، إِذْ مَهْرُ الْأَمَةِ لِسَيِّدِهَا، لَا لَهَا فَتَأَوَّلُوهُ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ، وَهُوَ تَعَسُّفٌ، إِذْ هَذَا عَامٌّ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ.
_________________
(١) قَوْلُهُ: «وَكَتَأْوِيلِهِمْ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلَيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ عَلَى الْأَمَةِ»، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَكَتَأْوِيلِ الْحَنَفِيَّةِ قَوْلَهُ ﵇: أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلَيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ أَيْ: أَيْضًا مِنْ أَمْثِلَةِ دَفْعِ الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ بِقَرَائِنِ الظَّاهِرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ لَمَّا اعْتَقَدُوا أَنَّ الْمَرْأَةَ لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى بَعْضِ مَنَافِعِهَا، فَاسْتَقَلَّتْ بِهِ، كَإِجَارَةِ نَفْسِهَا، وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ صَرِيحًا فِي اشْتِرَاطِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِدُونِهِ، احْتَاجُوا إِلَى دَفْعَةٍ عَنْهُمْ بِالتَّأْوِيلِ، فَحَمَلُوهُ عَلَى الْأَمَةِ، لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِسَيِّدِهَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَتَصَرَّفَ فِي نَفْسِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلَيْسَتِ الْحُرَّةُ مُرَادَّةً مِنَ الْحَدِيثِ «ثُمَّ صَدَّهُمْ» عَنْ إِطْلَاقِ هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ ﵇ فِي تَمَامِ الْحَدِيثِ: فَإِنْ دَخَلَ بِهَا، فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنَّهُ أَضَافَ الْمَهْرَ إِلَيْهَا بِلَامِ التَّمْلِيكِ، فَيَقْتَضِي أَنَّهُ مَلَكَهَا، وَالْأَمَةُ لَا تَمْلِكُ مَهْرَهَا، بَلْ هُوَ مِلْكٌ لِسَيِّدِهَا، فَخَصَّصُوا التَّأْوِيلَ، وَحَمَلُوهُ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ، لِأَنَّ فِيهَا شَوْبًا مِنَ الرِّقِّ، فَلَا تَسْتَقِلُّ بِتَزْوِيجِ نَفْسِهَا، كَالْأَمَةِ
[ ١ / ٥٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الْقِنِّ، وَشَوْبًا مِنَ الْحُرَّةِ، فَيَكُونُ مَهْرُهَا لَهَا كَالْحُرَّةِ. قَوْلُهُ: «وَهُوَ»، أَيْ: هَذَا التَّأْوِيلُ، «تَعَسُّفٌ»، وَهُوَ سُلُوكٌ غَيْرُ الطَّرِيقِ الْمَعْرُوفِ، لِأَنَّ النَّصَّ «عَامٌّ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ هَذَا التَّأْوِيلُ الضَّعِيفُ» وَبَيَانُ قُوَّةِ عُمُومِ النَّصِّ الْمَذْكُورِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ صَدَّرَهُ بِلَفْظَةِ: أَيُّ، وَهِيَ مِنْ أَلْفَاظِ الشَّرْطِ. الثَّانِي: أَنَّهُ أَكَّدَهَا بِمَا فِي قَوْلِهِ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ» وَهِيَ مِنْ مُؤَكِّدَاتِ الْعُمُومِ وَغَيْرِهِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ رَتَّبَ بُطْلَانَ النِّكَاحِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ الْمُفِيدِ لِلْعُمُومِ فِي مَعْرِضِ الْخَبَرِ، وَقَرَائِحُ ذَوِي الْفَصَاحَةِ لَا تَسْمَحُ فِي الْعُمُومِ بِأَبْلَغَ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَلَا أَجْزَلَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ. وَأَمَّا ضَعْفُ تَأْوِيلِهِمْ، فَإِنَّهُ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، لِأَنَّهُمْ خَصُّوا الْعُمُومَ بِالْأُمَّةِ، فَقَصَرُوهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَصَرُوا الْأَمَةَ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ، وَهِيَ صُورَةٌ نَادِرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذَا الْعُمُومِ الْمُؤَكَّدِ، وَإِطْلَاقُ مِثْلِ هَذَا الْعُمُومِ، وَإِرَادَةُ مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ النَّادِرَةِ يُعَدُّ عِنْدَ الْفُصَحَاءِ إِلْغَازًا فِي الْكَلَامِ، وَهَذْرًا مِنَ الْقَوْلِ، بَلْ لَوْ قَالَ الْمُتَكَلِّمُ بِمِثْلِ هَذَا الْعُمُومِ: لَمْ أُرِدِ الْمُكَاتَبَةَ، وَلَمْ تَخْطُرْ بِبَالِي، لَمْ يُسْتَنْكَرْ ذَلِكَ مِنْهُ لِقِلَّتِهَا وَنُدُورِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَدْلُولِ صِيغَةِ الْعُمُومِ، وَهُوَ جَمِيعُ النِّسَاءِ، فَمَا يَبْلُغُ مِنَ الْقِلَّةِ وَالنُّدْرَةِ
[ ١ / ٥٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) إِلَى حَيْثُ لَا يَخْطُرُ عِنْدَ التَّلَفُّظِ بِالْكَلِمِ بِبَالِ الْمُتَكَلِّمِ، كَيْفَ يَجُوزُ قَصْرُ الْعُمُومِ عَلَيْهِ، وَإِلْغَاءُ أَضْعَافِ أَضْعَافِهِ مِنْ مَدْلُولِهِ؟
[ ١ / ٥٧٦ ]
وَقَدْ قِيلَ فِي حَمْلِ: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» عَلَى صَوْمِ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ: إِنَّهُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، لِوُجُوبِهِمَا بِسَبَبٍ عَارِضٍ، فَهُوَ كَالْمُكَاتَبَةِ فِي حَدِيثِ النِّكَاحِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا لَيْسَا مِثْلَهَا فِي النُّدْرَةِ وَالْقِلَّةِ. فَقَصْرُ مَضْمُونِ الْحَدِيثِ عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ، يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ قَوِيٍّ، فَحَصَلَ مِنْ هَذَا، أَنَّ إِخْرَاجَ النَّادِرِ قَرِيبٌ، وَالْقَصْرَ عَلَيْهِ مُمْتَنِعٌ، وَبَيْنَهُمَا دَرَجَاتٌ مُتَفَاوِتَةٌ، بُعْدًا وَقُرْبًا.
وَالْمُجْمَلُ يَأْتِي ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
_________________
(١) قَوْلُهُ: «وَقَدْ قِيلَ فِي حَمْلِ: لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ عَلَى صَوْمِ الْقَضَاءِ»، إِلَى آخِرِهِ. مَعْنَى هَذَا: أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ حَمَلُوا قَوْلَهُ ﵇: لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ عَلَى صَوْمِ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ، فَقَالُوا: يَجِبُ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ لَهُمَا، دُونَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ زَمَنَ رَمَضَانَ مُتَعَيِّنٌ لِصِيَامِهِ فَرْضًا، بِخِلَافِ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ فِي الْبُعْدِ وَالنُّدْرَةِ، كَتَأْوِيلِ حَدِيثِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: «لَا صِيَامَ» صِيغَةُ عُمُومٍ، فَيَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ وَالتَّطَوُّعَ، فَإِذَا خَصَّ مِنْهَا التَّطَوُّعَ بِدَلِيلٍ جَازَ، وَكَانَ قَرِيبًا، لِقِلَّةِ التَّطَوُّعِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى أَصْنَافِ الصِّيَامِ. أَمَّا إِذَا قَصَرَ هَذَا الْعُمُومُ عَلَى الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ، كَانَ بَعِيدًا نَادِرًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّفْلَ يَخْرُجُ مِنَ الْعُمُومِ بِاتِّفَاقٍ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ الَّذِي هُوَ أَعْلَى الصِّيَامِ رُتْبَةً عِنْدَ الْخَصْمِ مُتَعَيِّنٌ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقَضَاءُ، وَالنَّذْرُ، وَصَوْمُ الْكَفَّارَاتِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ بِأَسْبَابٍ عَارِضَةٍ، فَهُوَ لِذَلِكَ نَادِرٌ، كَالْمُكَاتَبَةِ فِي حَدِيثِ النِّكَاحِ، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ عَادَاتِ
[ ١ / ٥٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) النَّاسِ - الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ - أَنَّهُمْ يَهْتَمُّونَ بِمَا هُوَ الْأَصْلُ وَالْأَهَمُّ، فَيُضَمِّنُونَهُ كَلَامَهُمْ، وَيُرِيدُونَهُ مِنْهُ، كَرَمَضَانَ مِنْ عُمُومِ الصِّيَامِ، وَالْحُرَّةِ مِنْ عُمُومِ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ» . أَمَّا إِرَادَةُ الْأُمُورِ الْعَارِضَةِ، وَقَصْرُ الْكَلَامِ عَلَى إِرَادَتِهَا دُونَ الْأُمُورِ الْأَصْلِيَّةِ، فَهُوَ مِمَّا تَأْبَاهُ الْأَفْهَامُ، وَلَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةُ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي الْكَلَامِ. هَذَا تَقْرِيرُ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِنَا: وَقَدْ قِيلَ. قَوْلُهُ: «وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا لَيْسَا مِثْلَهَا فِي النُّدْرَةِ وَالْقِلَّةِ» . أَيِ الصَّحِيحُ أَنَّ الْقَضَاءَ وَالنَّذْرَ، اللَّذَيْنِ قَصَرَ عَلَيْهِمَا حَدِيثُ: لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ لَيْسَا فِي النُّدْرَةِ وَالْقِلَّةِ، كَالْمُكَاتَبَةِ الَّتِي قَصَرَ عَلَيْهَا حَدِيثُ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا لِأَنَّ الْعُمُومَ هُنَاكَ أَقْوَى مِنَ الْعُمُومِ هُنَا، وَالْمُكَاتَبَةَ هُنَاكَ أَقَلُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُمُومِ مِنَ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ هُنَا. أَمَّا أَنَّ الْعُمُومَ هُنَاكَ أَقْوَى، فَلِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فِي قُوَّتِهِ وَتَأَكُّدِهِ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ. وَأَمَّا صِيغَةُ «لَا صِيَامَ» وَنَحْوَهَا، فَالْخِلَافُ فِيهَا مَشْهُورٌ مُتَّجِهٌ، لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ نَفْيَ كَمَالِ الصَّوْمِ لَا صِحَّتَهُ، وَبِتَقْدِيرِ نَفْيِ صِحَّتِهِ، فَأَصْنَافُ الصَّوْمِ خَمْسَةٌ، قَدْ قَصَرَ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهَا: وَهِيَ صَوْمُ الْقَضَاءِ، وَالنَّذْرِ، وَالْكَفَّارَاتِ. وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا التَّطَوُّعُ
[ ١ / ٥٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَلَيْسَ نِسْبَةُ ثَلَاثَةٍ إِلَى خَمْسَةٍ، كَنِسْبَةِ نَوْعِ الْمُكَاتَبَةِ إِلَى جِنْسِ النِّسَاءِ. قَوْلُهُ: «فَقَصْرُ مَضْمُونِ الْحَدِيثِ عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ قَوِيٍّ» . مَضْمُونُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وُجُوبُ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ لِكُلِّ صِيَامٍ، وَقَوْلُهُمْ: لَا يَجِبُ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ لِصَوْمِ رَمَضَانَ، قَصْرٌ لِمَضْمُونِ الْحَدِيثِ عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ، أَيْ: حَبْسٌ لَهُ عَنْهُ حَتَّى لَا يَتَنَاوَلَهُ، فَيَحْتَاجُ ذَلِكَ إِلَى دَلِيلٍ قَوِيٍّ، لِكَوْنِ صَوْمِ رَمَضَانَ أَسْبَقَ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ الصِّيَامِ فِيهِ، لِأَنَّهُ آكَدُ الصَّوْمِ وَأَعْلَى رُتْبَةً، وَلَا يَبْطُلُ بِالْكُلِّيَّةِ، كَبُطْلَانِ قَصْرِ حَدِيثِ النِّكَاحِ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ. قَوْلُهُ: «فَحَصَلَ مِنْ هَذَا»، إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: فَحَصَلَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ فِي أَمْثِلَةِ التَّأْوِيلِ وَالتَّخْصِيصِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ إِخْرَاجَ النَّادِرِ مِنَ الْعَامِّ قَرِيبٌ، كَإِخْرَاجِ الْمُكَاتَبَةِ مِنْ عُمُومِ حَدِيثِ النِّكَاحِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ، وَقَصْرُ الْعُمُومِ عَلَى النَّادِرِ مُمْتَنِعٌ، كَقَصْرِ حَدِيثِ النِّكَاحِ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ، وَبَيْنَهُمَا، أَيْ: بَيْنَ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ دَرَجَاتٌ مُتَفَاوِتَةٌ فِي الْبُعْدِ وَالْقُرْبِ، كَقَصْرِ حَدِيثِ الصِّيَامِ عَلَى النَّذْرِ وَالْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ دُونَ إِخْرَاجِ النَّادِرِ مِنَ الْعَامِّ فِي الْقُرْبِ، وَدُونَ قَصْرِ حَدِيثِ النِّكَاحِ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ فِي الْبُعْدِ. وَبِالْجُمْلَةِ: فَالصُّوَرُ تَتَفَاوَتُ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ فَتَتَفَاوَتُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِخْرَاجِهَا مِنَ الْعُمُومِ، وَقَصْرِهِ عَلَيْهَا فِي الْبُعْدِ وَالْقُرْبِ.
[ ١ / ٥٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قَوْلُهُ: «وَالْمُجْمَلُ يَأْتِي ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» . يَعْنِي أَنَّا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَحْثِ، أَنَّ الْكَلَامَ نَصٌّ وَظَاهِرٌ وَمُجْمَلٌ، وَلَمْ نَتَكَلَّمْ إِلَّا عَلَى النَّصِّ وَالظَّاهِرِ، لِقُرْبِ مَبَاحِثِهِمَا مِنْ مَبَاحِثِ مَبَادِئِ اللُّغَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَحْثِ. وَأَخَّرْتُ الْكَلَامَ فِي الْمُجْمَلِ إِلَى مَوْضِعِهِ فِي عَادَةِ الْأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ بَعْدَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِهِ. وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ اسْتَوْعَبَ الْكَلَامَ عَلَيْهِ مَعَ إِخْوَتِهِ فِي بَابِ تَقَاسِيمِ الْأَسْمَاءِ، وَهُوَ بَابُ اللُّغَاتِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
[ ١ / ٥٨٠ ]