إِذَا مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْمُوَسَّعِ، قَبْلَ فِعْلِهِ وَضِيقِ وَقْتِهِ، لَمْ يَمُتْ عَاصِيًا، لِأَنَّهُ فَعَلَ مُبَاحًا، وَهُوَ التَّأْخِيرُ الْجَائِزُ. لَا يُقَالُ: إِنَّمَا جَازَ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، لِأَنَّا نَقُولُ: ذَلِكَ غَيْبٌ، فَلَيْسَ إِلَيْنَا، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ، الْعَزْمُ وَالتَّأْخِيرُ إِلَى وَقْتٍ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ الْبَقَاءُ إِلَيْهِ، فَلَوْ أَخَّرَهُ مَعَ ظَنِّ الْمَوْتِ قَبْلَ الْفِعْلِ، عَصَى اتِّفَاقًا، فَلَوْ لَمْ يَمُتْ، ثُمَّ فَعَلَهُ فِي وَقْتِهِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ أَدَاءٌ لِوُقُوعِهِ فِي وَقْتِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: هُوَ قَضَاءٌ؛ لِأَنَّهُ تَضَيَّقَ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ الْمَوْتَ قَبْلَ فِعْلِهِ، فَفِعْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ خَارِجٌ عَنِ الْوَقْتِ الْمُضَيَّقِ. وَقَدْ أَلْزَمَ وُجُوبَ نِيَّةِ الْقَضَاءِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، إِذْ لَا قَضَاءَ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ، وَأَنَّهُ لَوِ اعْتَقَدَ قَبْلَ الْوَقْتِ انْقِضَاءَهُ، عَصَى بِالتَّأْخِيرِ وَلَهُ الْتِزَامُهُ وَمَنْعُ وَقْتِ الْأَدَاءِ فِي الْأَوَّلِ، وَتَعْصِيَتُهُ فِي الثَّانِي، لِعُدُولِهِ عَمَّا ظَنَّهُ الْحَقَّ. وَالظَّنُّ مَنَاطُ التَّعَبُّدِ، بِدَلِيلِ عَدَمِ جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ مِثْلَهُ.
"
_________________
(١) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ " " إِذَا مَاتَ " يَعْنِي الْمُكَلَّفَ " فِي أَثْنَاءِ " وَقْتِ الْوَاجِبِ " الْمُوَسَّعِ قَبْلَ فِعْلِهِ، وَضِيقِ وَقْتِهِ " مِثْلَ أَنْ مَاتَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ مَا يَتَّسِعُ لِفِعْلِهَا، وَلَمْ يُصَلِّهَا " لَمْ يَمُتْ عَاصِيًا، لِأَنَّهُ فَعَلَ مُبَاحًا وَهُوَ التَّأْخِيرُ الْجَائِزُ " بِحُكْمِ تَوْسِيعِ الْوَقْتِ. أَمَّا لَوْ أَخَّرَهُ حَتَّى ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ فِعْلِهِ، مِثْلَ أَنْ مَاتَ وَلَمْ يَبْقَ مِنَ الْوَقْتِ مَا يَتَّسِعُ إِلَّا لِأَقَلِّ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، فَإِنَّهُ يَمُوتُ عَاصِيًا. وَالتَّحْقِيقُ: أَنْ يَكُونَ عِصْيَانُهُ مُقَدَّرًا بِقَدْرِ مَا أَخَّرَهُ حَتَّى ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْهُ. إِنْ
[ ١ / ٣٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ضَاقَ عَنْ رَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، كَانَ عَاصِيًا بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَلَا يُجْعَلُ فِي مَعْصِيَتِهِ كَمَنْ فَوَّتَ الْوَاجِبَ كُلَّهُ. قَوْلُهُ: " لَا يُقَالُ " إِلَى آخِرِهِ، هَذَا إِيرَادُ اعْتِرَاضٍ عَلَى مَا ذَكَرَ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنْ يُقَالَ: " إِنَّمَا جَازَ " التَّأْخِيرُ فِي الْمُوَسَّعِ " بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ " وَهُوَ أَنْ يَبْقَى إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ، فَيَفْعَلُ الْوَاجِبَ، أَمَّا مَعَ مَوْتِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَمِنْ أَيْنَ لَنَا جَوَازُ التَّأْخِيرِ؟ وَجَوَابُهُ: " أَنَّا نَقُولُ: ذَلِكَ " يَعْنِي سَلَامَةَ الْعَاقِبَةِ " غَيْبٌ، فَلَيْسَ " يَعْنِي الْغَيْبَ " إِلَيْنَا " أَيْ: لَمْ نُكَلَّفْ عِلْمَهُ، وَلَا بِنَاءَ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ، إِذْ لَا نَعْلَمُ هَلْ يَبْقَى إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ، فَيَفْعَلُ الْوَاجِبَ أَوْ لَا؟ وَلَا يَجُوزُ لَنَا لَوْ سَأَلْنَا أَنْ نُعَلِّقَ الْجَوَابَ، فَنَقُولُ: إِنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّكَ تَعِيشُ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ، جَازَ لَكَ التَّأْخِيرُ، وَإِلَّا فَلَا، لِأَنَّهُ إِحَالَةٌ لَهُ عَلَى الْجَهَالَةِ، وَلَا يَحْصُلُ لَهُ الْبَيَانُ، وَإِنَّمَا سَأَلَ لِيُبَيَّنَ لَهُ. قَوْلُهُ: " وَإِنَّمَا الشَّرْطُ " إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَيْسَتْ سَلَامَةُ الْعَاقِبَةِ بِشَرْطٍ فِي جَوَازِ تَأْخِيرِ الْمُوَسَّعِ، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ " الْعَزْمُ " فِيهِ كَمَا سَبَقَ " وَالتَّأْخِيرُ إِلَى وَقْتٍ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ الْبَقَاءُ إِلَيْهِ " كَأَوَاخِرِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى فِعْلِهَا، وَإِلَى شَعْبَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قَضَاءِ رَمَضَانَ فِي حَقِّ شَابٍّ، أَوْ شَيْخٍ صَحِيحِ الْجِسْمِ، لَيْسَ بِهِ سَبَبُ عِلَّةٍ، وَالسَّنَةِ
[ ١ / ٣٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَالسَّنَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَجِّ فِي حَقِّ الشَّابِّ، وَنَحْوِهِ. وَبِالْجُمْلَةِ: يَخْتَلِفُ الظَّنُّ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَقُوَى الرِّجَالِ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْبَقَاءُ إِلَى وَقْتٍ، جَازَ تَأْخِيرُ الْمُوَسَّعِ إِلَيْهِ بِمُقْتَضَى الظَّنِّ، وَهُوَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، وَمُسْتَنَدٌ مَرْضِيٌّ. قَوْلُهُ: " فَلَوْ أَخَّرَهُ مَعَ ظَنِّ الْمَوْتِ " إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لَوْ أَخَّرَ الْمُوَسَّعَ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهِ، مَعَ ظَنِّهِ أَنَّهُ يَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَهُ، مِثْلَ أَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَمُوتُ بَعْدَ الزَّوَالِ بِقَدْرِ فِعْلِهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَأَخَّرَهُ مَعَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُبَادِرْ بِفِعْلِهِ مِنْ أَوَّلِ وَقْتِهِ، عَصَى بِمُجَرَّدِ هَذَا التَّأْخِيرِ بِاتِّفَاقِ الْأُصُولِيِّينَ، لِأَنَّهُ أَخَّرَ الْوَاجِبَ فِي وَقْتِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى فِعْلِهِ، وَظَنَّ مَوْتَهُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَعَدَمَ اسْتِدْرَاكِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَصَارَ كَمَنْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ، فَتَرَكَ إِزَالَتَهَا مِنْ مَكَانٍ ظَنَّ أَنَّ النَّارَ سَتَأْتِي عَلَيْهَا فِيهِ فَتُحْرِقُهَا، وَمَنَاطُ الْإِثْمِ وَالْمَعْصِيَةِ تَرْكُ إِحْرَازِ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ، مَعَ ظَنِّ فَوَاتِهِ. قَوْلُهُ: " فَلَوْ لَمْ يَمُتْ " إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: فَلَوْ أَخَّرَ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ مَعَ ظَنِّ فَوَاتِهِ بِالْمَوْتِ، ثُمَّ بَانَ خَطَأُ ظَنِّهِ فَلَمْ يَمُتْ، ثُمَّ فَعَلَ الْوَاجِبَ فِي الْوَقْتِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ أَدَاءٌ لِوُقُوعِهِ فِي وَقْتِهِ.
[ ١ / ٣٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) " وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: هُوَ قَضَاءٌ، لِأَنَّهُ تَضَيَّقَ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ الْمَوْتَ قَبْلَ فِعْلِهِ "، أَيْ: لَمَّا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَمُوتُ قَبْلَ فِعْلِهِ، صَارَ مُضَيَّقًا فِي حَقِّهِ بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ ذَلِكَ، وَصَارَ كَأَنَّ آخِرَ وَقْتِهِ هُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ الَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ يَمُوتُ فِيهِ، فَصَارَ فِعْلُهُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ خَارِجًا عَنِ الْوَقْتِ الْمُضَيَّقِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَهُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ الْأَصْلِيِّ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا، وَهُوَ عِنْدَ صَيْرُورَةِ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ فِي الظُّهْرِ. وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ: أَنَّ الْمُلَاحَظَ هَاهُنَا هُوَ تَصَرُّفُ الشَّرْعِ فِي تَقْدِيرِ الْوَقْتِ فِي الْأَصْلِ، أَوْ تَصَرُّفِهِ فِي التَّعَبُّدِ بِالظَّنِّ، لِأَنَّا إِنْ لَاحَظْنَا الْأَوَّلَ، فَالْوَقْتُ الْأَصْلِيُّ بَاقٍ، وَأَلْغَيْنَا ظَنَّ الْمَوْتِ قَبْلَ الْفِعْلِ لِتَبَيُّنِ بُطْلَانِهِ، وَإِنْ لَاحَظْنَا الثَّانِيَ، فَقَدْ عَصَى بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ الْمَذْكُورِ، وَاسْتَقَرَّ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَانْتَقَلَ الْحُكْمُ مِنَ التَّقْدِيرِ الشَّرْعِيِّ إِلَى مُقْتَضَى التَّعَبُّدِ الِاجْتِهَادِيِّ الظَّنِّيِّ. قَوْلُهُ: " وَقَدْ أَلْزَمَ " إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَقَدْ أَلْزَمَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ " نِيَّةَ الْقَضَاءِ، وَهُوَ بَعِيدٌ " أَيْ: أَلْزَمَهُ الْأُصُولِيُّونَ، فَقَالُوا لَهُ. إِذَا قُلْتَ: إِنَّ هَذَا الْفِعْلَ قَضَاءٌ، لَزِمَكَ أَنْ تُوجِبَ إِيقَاعَهُ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، لِأَنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ بَاقٍ، وَلَا قَضَاءَ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ، لِأَنَّ الْأَدَاءَ وَالْقَضَاءَ مُتَنَافِيَانِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي
[ ١ / ٣٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بَيَانِهِمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: " وَأَنَّهُ لَوِ اعْتَقَدَ قَبْلَ الْوَقْتِ انْقِضَاءَهُ " إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَأَلْزَمَ أَبُو بَكْرٍ أَيْضًا عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَوِ اعْتَقَدَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ انْقِضَاءَ الْوَقْتِ، مِثْلَ أَنْ ظَنَّ قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ قَدِ انْقَضَى، أَنْ يَكُونَ عَاصِيًا بِالتَّأْخِيرِ الَّذِي غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ فَعَلَهُ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ إِلَى آخِرِهِ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، إِنَّمَا هُوَ عَلَى شَيْءٍ غَلِطَ فِيهِ وَهْمُهُ، وَوَقْتُ الْعِبَادَةِ لَمْ يَدْخُلْ بَعْدُ، وَلَمْ يُخَاطِبْ بِفِعْلِهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَعْدُ. حَتَّى لَوْ صَلَّى حِينَئِذٍ يَنْوِي فَرِيضَةَ الْوَقْتِ انْقَلَبَتْ نَفْلًا، لِعَدَمِ مُصَادَفَتِهَا وَقْتَهَا، فَالْقَوْلُ بِتَعْصِيَتِهِ مَعَ هَذَا بَعِيدٌ جِدًّا. قَوْلُهُ: " وَلَهُ الْتِزَامُهُ " إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: لِأَبِي بَكْرٍ الْتِزَامُ مَا أَلْزَمَهُ مِنَ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَهُمَا وُجُوبُ نِيَّةِ الْقَضَاءِ فِيمَا يَفْعَلُهُ هَذَا الشَّخْصُ، وَتَعْصِيَتُهُ فِيمَا إِذَا اعْتَقَدَ قَبْلَ الْوَقْتِ انْقِضَاءَهُ. " وَمَنْعُ "، أَيْ: وَلَهُ مَنْعُ الْأَدَاءِ فِي الْأَوَّلِ، وَتَعْصِيَتُهُ فِي الثَّانِي ". أَيْ: لَهُ أَنْ يَقُولَ فِي الْإِلْزَامِ الْأَوَّلِ: لَا أُسَلِّمُ أَنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ بَاقٍ، حَتَّى يَكُونَ إِيجَابِي نِيَّةَ الْقَضَاءِ فِيهِ عَلَيْهِ بَعِيدًا، بَلْ وَقْتُ الْأَدَاءِ خَرَجَ بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ أَنَّ هَذَا
[ ١ / ٣٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الزَّمَنَ الَّذِي بَقِيَ هُوَ آخِرُ حَيَاتِهِ، فَإِذَا كَذَبَ ظَنُّهُ، وَاسْتَمَرَّتْ حَيَاتُهُ، صَارَ كَمَا لَوْ مَاتَ، ثُمَّ عَاشَ فِي الْوَقْتِ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ الصَّلَاةَ بِتَكْلِيفٍ ثَانٍ، مُنْقَطِعٍ عَنِ الْأَوَّلِ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا، يَنْقَطِعُ حُكْمُ الْأَدَاءِ بِظَنِّ الْمَوْتِ، وَيَتَضَيَّقُ الْوَقْتُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَتَكُونُ حَيَاتُهُ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ، كَالْمُسْتَجَدَّةِ فِي زَمَنٍ مُسْتَأْنَفٍ، وَنَشْأَةٍ ثَانِيَةٍ. وَلَهُ أَنْ يَقُولَ فِي الْإِلْزَامِ الثَّانِي: يَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ الَّذِي ظَنَّهُ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ - وَلَمْ يَكُنِ الْوَقْتُ قَدْ دَخَلَ بَعْدُ - لِعُدُولِهِ عَمَّا ظَنَّهُ الْحَقَّ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَهُوَ أَنَّهُ ظَنَّ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى أَنَّ الْوَاجِبَ لَمْ يَبْقَ مِنْ وَقْتِهِ إِلَّا قَدْرُ فِعْلِهِ، فَلَمَّا عَدَلَ عَنْهُ بِالتَّأْخِيرِ، صَارَ مُخَالِفًا، فَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ مَنْ ظَنَّ الْحَقَّ ظَنًّا صَحِيحًا مُطَابِقًا، ثُمَّ عَدَلَ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَخَّرَ الْوَاجِبَ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهُ، فَجَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ مَنْ خَالَفَ الظَّنَّ الْمُطَابِقَ، لِأَنَّ الظَّنَّ مَنَاطُ التَّعَبُّدِ، أَيْ: مُتَعَلِّقُ التَّعَبُّدِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ عَلَّقَ التَّعَبُّدَاتِ بِوُجُودِ الظُّنُونِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُطَابِقَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَقَالَ مَثَلًا: إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّكُمْ أَنَّ هَذِهِ جِهَةُ الْقِبْلَةِ فَصَلُّوا إِلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَهَا، وَلَوْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ لَمْ يَأْثَمْ، وَلَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ يَظُنُّهَا أَجْنَبِيَّةً أَثِمَ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ الْحَدُّ لِمُصَادَفَةِ الْمَحَلِّ الْقَابِلِ، كُلُّ هَذَا تَعْلِيقًا لِلْأَحْكَامِ بِالظَّنِّ وَالِاعْتِقَادِ. وَبِالْجُمْلَةِ، فَقَدْ أُرِيقَتِ الدِّمَاءُ، وَاسْتُبِيحَتِ الْفُرُوجُ، وَمُلِكَتِ الْأَمْوَالُ شَرْعًا، بِنَاءً عَلَى ظَوَاهِرِ النُّصُوصِ، وَالْعُمُومَاتِ وَالْأَقْيِسَةِ وَأَخْبَارِ الْآحَادِ، وَالْبَيِّنَاتِ الْمَالِيَّةِ. وَإِنَّمَا يُفِيدُ ذَلِكَ جَمِيعُهُ الظَّنَّ، وَلَيْسَ الْأَمْرَانِ اللَّازِمَانِ لِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَيَثْبُتَانِ بِمُقْتَضَى ظَنِّ الْمُكَلَّفِ الْمَذْكُورِ، الَّذِي جُعِلَ هُوَ وَحَقِيقَتُهُ مَنَاطًا لِلْأَحْكَامِ شَرْعًا.
[ ١ / ٣٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قَوْلُهُ: " بِدَلِيلِ عَدَمِ جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ مِثْلَهُ " هَذَا تَقْرِيرٌ لِكَوْنِ الظَّنِّ مَنَاطَ التَّعَبُّدِ، أَيْ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الظَّنَّ مَنَاطُ التَّعَبُّدِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ مُجْتَهِدٍ مِثْلِهِ، كَمَا ذَكَرَ فِي آخِرِ " الْمُخْتَصَرِ "، وَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ﷾. وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ ظَنَّ الْمُجْتَهِدِ جُعِلَ مَنَاطًا لِتَعَبُّدِهِ، فَأَيُّ شَيْءٍ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، كَانَ ذَلِكَ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ. وَالَّذِي يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ غَيْرِهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ لَيْسَ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّهِ، بَلْ فِي حَقِّ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ، لِجَوَازِ تَفَاوُتِ الِاجْتِهَادَيْنِ بِأَنْ يُخْطِئَ أَحَدُهُمَا، وَيُصِيبَ الْآخَرُ، فَأُلْزِمَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُقْتَضَى اجْتِهَادِهِ، لِأَنَّهُ كَسْبُهُ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ. لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ. فَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي حَقِّ هَذَا الْمُكَلَّفِ الْمَذْكُورِ: يَلْزَمُهُ مُقْتَضَى ظَنِّهِ، لِأَنَّهُ مَنَاطُ تَكْلِيفِهِ، بِدَلِيلِ شَوَاهِدِ الشَّرِيعَةِ، فَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّهِ، دُونَ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ. وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ فِي الرَّدِّ عَلَى الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ طَرِيقَةً أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ جَمِيعَ الْوَقْتِ كَانَ وَقْتًا لِلْأَدَاءِ قَبْلَ ظَنِّ الْمُكَلَّفِ تَضْيِيقَهُ بِالْمَوْتِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، ثُمَّ ظَنَّ الْمُكَلَّفُ الْمَذْكُورُ إِنَّمَا أَثَّرَ فِي تَأْثِيمِهِ بِالتَّأْخِيرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَأْثِيمِهِ بِالتَّأْخِيرِ مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ بَقَاءُ الْوَقْتِ الْأَصْلِيِّ وَقْتًا لِلْأَدَاءِ فِي حَقِّهِ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ مِنْ غَيْرِ عَزْمٍ، فَإِنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ الْأَصْلِيِّ بَاقٍ فِي حَقِّهِ، وَقَدْ وَافَقَ الْقَاضِي عَلَى ذَلِكَ.
[ ١ / ٣٢٨ ]