. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بِفِعْلِهَا حَالَ الْكُفْرِ، وَلَكِنَّهُ مُكَلَّفٌ بِالْجِهَادِ وَالصَّلَاةِ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْفُرُوعِ، بِشَرْطِ تَقْدِيمِ الْإِسْلَامِ. الْفَرْعُ الثَّانِي: وَقَعَ النِّزَاعُ بَيْنَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ فِي سَنَتِنَا هَذِهِ - وَهِيَ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسَبْعِمِائَةٍ لِلْهِجْرَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى مُنْشِئِهَا - فِي أَنَّ الْجِنَّ مُكَلَّفُونَ بِفُرُوعِ الدِّينِ أَمْ لَا؟ وَاسْتُفْتِيَ فِيهَا شَيْخُنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَةَ بِالْقَاهِرَةِ - أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَأَجَابَ فِيهَا بِمَا مُلَخَّصُهُ أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِهَا بِالْجُمْلَةِ، لَكِنْ لَا عَلَى حَدِّ تَكْلِيفِ الْإِنْسِ بِهَا، لِأَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِلْإِنْسِ بِالْحَدِّ فَبِالضَّرُورَةِ يُخَالِفُونَهُمْ فِي بَعْضِ التَّكَالِيفِ. قُلْتُ: مِثَالُهُ، أَنَّ الْجِنَّ قَدْ أُعْطِيَ بَعْضُهُمْ قُوَّةَ الطَّيَرَانَ فِي الْهَوَاءِ، فَهَذَا يُخَاطَبُ بِقَصْدِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ لِلْحَجِّ طَائِرًا. وَالْإِنْسَانُ لِعَدَمِ تِلْكَ الْقُوَّةِ فِيهِ، لَا يُخَاطَبُ بِذَلِكَ، فَهَذَا فِي طَرَفِ زِيَادَةِ تَكْلِيفِهِمْ عَلَى تَكْلِيفِ الْإِنْسِ. وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ نَقْصِ تَكْلِيفِهِمْ عَنْ تَكْلِيفِ الْإِنْسِ، فَكُلُّ تَكْلِيفٍ يَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِ طَبِيعَةِ الْإِنْسِ، يَنْتَفِي فِي حَقِّ الْجِنِّ، لِعَدَمِ تِلْكَ الْخُصُوصِيَّةِ فِيهِمْ. وَالدَّلِيلُ عَلَى تَكْلِيفِ الْجِنِّ بِالْفُرُوعِ، الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ - النَّبِيَّ ﷺ - أُرْسِلَ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ إِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، فَجَمِيعُ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ مُتَوَجِّهَةٌ إِلَى الْجِنْسَيْنِ، وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ
[ ١ / ٢١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) عَلَى الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، نَحْوُ: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٧]، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٤٣] . وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا الدَّلِيلُ، عَلَى أَنَّ كُفَّارَ الْإِنْسِ مُخَاطَبُونَ بِهَا، وَكَذَلِكَ كُفَّارُ الْجِنِّ، لِتَوَجُّهِ الْقُرْآنِ بِجَمِيعِ مَا فِيهِ إِلَى مُؤْمِنِي الْجِنْسَيْنِ وَكُفَّارِهِمْ. الْفَرْعُ الثَّالِثُ: ذَكَرَ الزَّنْجَانِيُّ فِي كِتَابِ «تَخْرِيجِ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ» أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَنَّ الْكُفَّارَ يَمْلِكُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقَهْرِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَكْلِيفِهِمْ بِالْفُرُوعِ. فَإِنْ قُلْنَا: هُمْ مُكَلَّفُونَ بِهَا، لَمْ يَمْلِكُوهَا، لِأَنَّ مِنَ الْفُرُوعِ تَحْرِيمَ أَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ بِالْقَهْرِ، وَالْمَأْخُوذُ بِسَبَبٍ حَرَامٍ لَا يُمْلَكُ، وَهُمْ قَدْ أَخَذُوا أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِهَذَا السَّبَبِ الْمُحَرَّمِ، وَتَحْرِيمُهُ ثَابِتٌ فِي حَقِّهِمْ، فَلَا يَمْلِكُونَهَا بِهِ. وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ بِالْفُرُوعِ، مَلَكُوا الْأَمْوَالَ بِالْقَهْرِ، لِأَنَّ التَّحْرِيمَ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي حَقِّهِمْ، فَيَكُونُ أَخْذُهُمْ لَهَا مُبَاحًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَهَا، وَهُوَ يُنَافِي أَصْلَهُ فِي أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِالْفُرُوعِ، لَكِنَّ مَأْخَذَهُ فِي مِلْكِهِمْ لَهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يُعَوَّضُونَ عَنْ أَمْوَالِهِمُ الْأَجْرَ، فَلَوْ بَقِيَتْ عَلَى مِلْكِهِمْ، لَاجْتَمَعَ لَهُمُ الْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ، وَهُوَ بَاطِلٌ عَقْلًا، وَغَيْرُ مَعْهُودٍ شَرْعًا. قُلْتُ: وَهُوَ تَقْرِيرٌ لَطِيفٌ حَسَنٌ، غَيْرَ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ بِالْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يُؤْجَرُ عَلَى مُصِيبَتِهِ فِي مَالِهِ الْمَغْصُوبِ، مَعَ أَنَّ الْغَاصِبَ لَا يَمْلِكُهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ إِلَّا الْكُفْرُ وَالْإِسْلَامُ وَدَارَاهُمَا، وَلَا يَظْهَرُ تَأْثِيرُهُ فِي الْحُكْمِ، وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْأَجْرَ لَيْسَ عِوَضًا
[ ١ / ٢١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مَالِيًّا، وَامْتِنَاعُ الْعِوَضِ وَالْمُعَوِّضِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَالِيَّاتِ، فَتَخْرِيجُ مِلْكِ الْكُفَّارِ لِأَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَكْلِيفِهِمْ جَيِّدٌ. وَلِهَذَا قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَمْلِكُونَهَا، فَكَانَ قَوْلُهُ أَحْرَى عَلَى أُصُولِ أَحْمَدَ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا -.
[ ١ / ٢٢٠ ]