الثَّانِي: تَثْبُتُ الْأَسْمَاءُ قِيَاسًا، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ.
لَنَا، مُعْتَمَدُهُ فَهْمُ الْجَامِعِ، كَالتَّخْمِيرِ فِي النَّبِيذِ، كَالشَّرْعِيِّ، فَيَصِحُّ حَيْثُ فُهِمَ.
_________________
(١) قَوْلُهُ: «الثَّانِي»، أَيِ: الْبَحْثُ الثَّانِي مِنْ أَبْحَاثِ اللُّغَةِ: «تَثْبُتُ الْأَسْمَاءُ قِيَاسًا» وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي يَعْقُوبَ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَبِي الْخَطَّابِ مِنْ أَصْحَابِنَا. قُلْتُ: وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِي أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ، كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَلَا فِي أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ، كَعَالِمٍ وَقَادِرٍ، إِذْ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَى امْتِنَاعِ الْقِيَاسِ فِيهِ، لِأَنَّ الْأَعْلَامَ ثَابِتَةٌ بِوَضْعِ الْوَاضِعِ لَهَا بِاخْتِيَارِهِ، فَلَيْسَ لَهَا ضَابِطٌ، وَأَسْمَاءُ الصِّفَاتِ لِأَجْلِ الْمَعَانِي الصَّادِرَةِ مِنْهَا، وَالْقَائِمَةِ بِهَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: زَيْدٌ إِنْسَانٌ، فَأَنَا أَحْكُمُ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ بِأَنَّ اسْمَهُ زَيْدٌ، وَلَا أَنْ يَقُولَ: عَمْرٌو عَالِمٌ، وَهُوَ رَجُلٌ، فَأَنَا أَحْكُمُ بِأَنَّ كُلَّ رَجُلٍ عَالِمٌ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْأَسْمَاءِ الْكُلِّيَّةِ، أَعْنِي أَسْمَاءَ الْأَجْنَاسِ وَالْأَنْوَاعِ الَّتِي وُضِعَتْ لَمَعَانٍ فِي مُسَمَّيَاتِهَا تَدُورُ مَعَهَا وُجُودًا وَعَدَمًا، كَالْخَمْرِ الَّذِي دَارَ اسْمُهُ مَعَ التَّخْمِيرِ هَلْ يَجُوزُ إِطْلَاقُهُ عَلَى النَّبِيذِ قِيَاسًا بِعِلَّةِ التَّخْمِيرِ وَالْإِسْكَارِ؟ قَالَ الْآمِدِيُّ: أَثْبَتَ ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ سُرَيْجٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَنَفَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَفِيَّةُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأَدَبِ، وَهَذَا النَّقْلُ كَالتَّفْصِيلِ لِنَقْلِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ.
[ ١ / ٤٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قَوْلُهُ: «لَنَا، مُعْتَمَدُهُ فَهْمُ الْجَامِعِ»، كَالتَّخْمِيرِ الْجَامِعِ بَيْنَ الْخَمْرِ وَالنَّبِيذِ، وَإِذَا وُجِدَ الْمَعْنَى الْجَامِعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي الْأَسْمَاءِ اللُّغَوِيَّةِ، وَجَبَ أَنْ يَجُوزَ الْقِيَاسُ، كَالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، لَمَّا كَانَ مُعْتَمَدُهُ فَهْمَ الْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ جَازَ، كَقِيَاسِ الْأُرْزِ وَالذُّرَةِ عَلَى الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ فِي الرِّبَا بِجَامِعِ الْكَيْلِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ مُعْتَمَدَ الْقِيَاسِ فَهْمُ الْمَعْنَى الْجَامِعِ، لِمَا سَيَأْتِي فِي الْقِيَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: «فَيَصِحُّ حَيْثُ فُهِمَ»، أَيْ: فَيَصِحُّ الْقِيَاسُ لُغَةً حَيْثُ فُهِمَ الْجَامِعُ، كَمَا فِي الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، وَلَا أَثَرَ لِكَوْنِ هَذَا قِيَاسًا لُغَوِيًّا وَهَذَا قِيَاسًا شَرْعِيًّا، لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْقٌ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِلتَّأْثِيرِ.
[ ١ / ٤٧٧ ]
قَالُوا: إِنْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْجَامِعَ التَّخْمِيرُ، فَالنَّبِيذُ خَمْرٌ بِالْوَضْعِ، وَإِلَّا فَإِلْحَاقُ مَا لَيْسَ مِنْ لُغَتِهِمْ بِهَا.
قُلْنَا: لَيْسَ النَّصُّ مِنْ شُرُوطِ الْجَامِعِ، بَلْ يَثْبُتُ بِالِاسْتِقْرَاءِ.
قَالُوا: سَمَّوُا الْفَرَسَ أَدْهَمَ لِسَوَادِهِ، وَكُمَيْتًا لِحُمْرَتِهِ، وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمَا غَيْرُهُمَا.
قُلْنَا: مَوْضُوعٌ لِلْجِنْسِ وَالصِّفَةِ، فَالْعِلَّةُ ذَاتُ وَصْفَيْنِ، فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِأَحَدِهِمَا، ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ فِي الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ.
قَالُوا: الشَّرْعِيُّ يَثْبُتُ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا إِجْمَاعَ هُنَا.
_________________
(١) قَوْلُهُ: «قَالُوا: إِنْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْجَامِعَ التَّخْمِيرُ»، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ نُفَاةِ الْقِيَاسِ فِي الْأَسْمَاءِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْعَرَبَ فِي تَسْمِيَتِهِمْ لِلْخَمْرِ لَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونُوا نَصُّوا عَلَى أَنَّ التَّخْمِيرَ هُوَ عِلَّةُ تَسْمِيَتِهِمْ لَهَا خَمْرًا أَوْ لَمْ يَنُصُّوا، فَإِنْ نَصُّوا عَلَى ذَلِكَ، فَالنَّبِيذُ خَمْرٌ بِالْوَضْعِ لَا بِالْقِيَاسِ، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ حِينَئِذٍ فِي لُغَتِهِمْ أَنَّ كُلَّ مَائِعٍ قَامَ بِهِ التَّخْمِيرُ، فَهُوَ خَمْرٌ، فَإِذَا رَأَيْنَا النَّبِيذَ مَائِعًا قَامَ بِهِ التَّخْمِيرُ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ خَمْرًا بِنَصِّ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى جِنْسِهِ وَوَضْعِهِمْ لَهُ، كَمَا إِذَا قَالُوا: كُلُّ ذَكَرٍ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَهُوَ رَجُلٌ، وَكُلُّ أُنْثَى مِنْهُمْ، فَهِيَ امْرَأَةٌ، فَيُقَالُ: هَذَا الشَّخْصُ ذَكَرٌ مِنْ بَنِي آدَمَ أَوْ أُنْثَى، فَهُوَ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ بِالْوَضْعِ لَا بِالْقِيَاسِ. وَإِنْ لَمْ يَنُصُّوا عَلَى أَنَّ عِلَّةَ تَسْمِيَةِ الْخَمْرِ التَّخْمِيرُ، كَانَ تَسْمِيَتُنَا لِلنَّبِيذِ خَمْرًا خَارِجًا عَنْ لُغَتِهِمْ، وَإِلْحَاقًا لِمَا لَيْسَ مِنْهَا بِهَا فَقَدْ دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ أَنَّ الْأَسْمَاءَ الَّتِي ادَّعَيْتُمْ إِثْبَاتَهَا بِالْقِيَاسِ إِمَّا وَضْعِيَّةٌ أَوْ خَارِجَةٌ عَنِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَثْبُتُ الْقِيَاسُ فِي الْأَسْمَاءِ، إِمَّا لِلْخُرُوجِ عَنِ اللُّغَةِ، أَوْ لِعَدَمِ مُصَادَفَةِ الْقِيَاسِ
[ ١ / ٤٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قَابِلًا. قَوْلُهُ: «قُلْنَا: لَيْسَ النَّصُّ مِنْ شَرْطِ الْجَامِعِ»، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابٌ عَنْ دَلِيلِهِمْ بِمَنْعِ الْحَصْرِ. وَتَقْرِيرُهُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ شَرْطَ الْجَامِعِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْوَاضِعِ، بَلْ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِالنَّصِّ أَوِ التَّنْبِيهِ، وَنَسْتَخْرِجُهُ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَوِ الِاسْتِدْلَالِ، كَمَا أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ تَثْبُتُ بِالنَّصِّ وَالْإِيمَاءِ، وَتُسْتَخْرَجُ بِالِاسْتِدْلَالِ وَتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ وَنَحْوِهِ. وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَنَحْنُ اسْتَقْرَأْنَا كَثِيرًا مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ، فَوَجَدْنَاهُمْ يَضَعُونَ الِاسْمَ الْكُلِّيَّ لِمَعْنًى قَائِمٍ بِمُسَمَّاهُ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ ذَلِكَ الْمَعْنَى إِذَا قَامَ بِذَاتٍ، سَمَّيْنَا تِلْكَ الذَّاتَ بِذَاكَ الِاسْمِ، كَمَا أَنَّ الشَّرْعَ لَمَا نَصَّ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ، وَفَهِمْنَا مِنْ تَحْرِيمِهِ عِلَّةَ الْوَزْنِ، حَكَمْنَا بِأَنَّ كُلَّ مَوْزُونٍ رِبَوِيٍّ يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ إِذَا بِيعَ بِجِنْسِهِ. قَوْلُهُ: «قَالُوا: سَمَّوُا الْفَرَسَ أَدْهَمَ لِسَوَادِهِ»، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا نَقْصٌ مِنَ الْخَصْمِ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ وَعَلَى أَصْلِ الدَّلِيلِ. وَتَقْرِيرُهُ: لَوِ اسْتَقَلَّ فَهْمُ الْجَامِعِ بِصِحَّةِ الْقِيَاسِ فِي الْأَسْمَاءِ، لَجَازَ أَنْ يُسَمَّى كُلُّ أَسْوَدَ أَدْهَمَ، وَكُلُّ أَحْمَرَ كُمَيْتًا، لِأَنَّ الْعَرَبَ سَمَّتِ الْفَرَسَ أَدْهَمَ لِسَوَادِهِ، وَكُمَيْتًا
[ ١ / ٤٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) لِحُمْرَتِهِ، ثُمَّ لَمْ يَلْحَقْ بِهِمَا غَيْرُهُمَا فِي تَسْمِيَتِهِ أَدْهَمَ وَكُمَيْتًا. وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِقْلَالِ فَهْمِ الْجَامِعِ بِالْقِيَاسِ، فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ فِي الْأَسْمَاءِ. قَوْلُهُ: «قُلْنَا: مَوْضُوعٌ لِلْجِنْسِ وَالصِّفَةِ»، إِلَى آخِرِهِ. أَيِ: الْأَدْهَمُ وَالْكُمَيْتُ مَوْضُوعٌ لِلْجِنْسِ وَالصِّفَةِ، أَيْ: لِجِنْسِ الْفَرَسِ وَصِفَةِ السَّوَادِ وَالْكُمْتَةِ «فَالْعِلَّةُ ذَاتُ وَصْفَيْنِ، فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِأَحَدِهِمَا» وَتَحْقِيقُ هَذَا أَنَّهُ شَبِيهٌ بِبَابِ الِاشْتِقَاقِ حَيْثُ يُوجَدُ فِي الْمُشْتَقِّ خُصُوصُ الْمَحَلِّ مَعَ الْمَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ، كَمَا سُمِّيَ الْأَسَدُ ضَيْغَمًا مُشْتَقًّا مِنَ الضَّغْمِ، وَهُوَ الْعَضُّ الشَّدِيدُ، وَلَمْ يُسَمَّ الْجَمَلُ ضَيْغَمًا، وَإِنْ كَانَ الْعَضُّ الشَّدِيدُ مَوْجُودًا فِيهِ، لِأَنَّ خُصُوصِيَّةَ الْأَسَدِيَّةِ مُرَادَةٌ فِي الضَّغْمِ، وَالْبَعِيرُ لَيْسَ بِأَسَدٍ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا خُصُوصِيَّةُ الْفَرَسِيَّةِ مَوْجُودَةٌ فِي الْأَدْهَمِ مَعَ السَّوَادِ. فَإِذَا قِيلَ لَنَا: لِمَ لَمْ تُسَمُّوا زَيْدًا الْأَسْوَدَ أَوِ الثَّوْرَ الْأَسْوَدَ أَدْهَمَ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَرَسٍ، فَانْتَفَى فِيهِ أَحَدُ الْوَصْفَيْنِ فِي الْمُسَمَّى، وَأَحَدُ جُزْئَيِ الِاسْمِ، وَكُلُّ عِلَّةٍ كَانَتْ ذَاتَ وَصْفَيْنِ، أَوْ حُكْمٍ عُلِّقَ عَلَى شَرْطَيْنِ، لَمْ يُوجَدِ الْحُكْمُ بِأَحَدِهِمَا، لِأَنَّ الْعِلَّةَ وَالشَّرْطَ لَا يُؤَثِّرَانِ إِلَّا كَامِلَيْنِ. قَوْلُهُ: «ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ فِي الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ»، أَيْ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ أَنَّهُمْ
[ ١ / ٤٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) سَمَّوُا الْفَرَسَ أَدْهَمَ لِسَوَادِهِ، وَلَمْ يُسَمُّوا كُلَّ أَسْوَدَ أَدْهَمَ، غَايَتُهُ أَنَّ الْقِيَاسَ فِي الْأَسْمَاءِ لَمْ يَطَّرِدْ، فَيَرْجِعُ إِلَى تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ مُعَارَضٌ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ فِي الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، فَكَمَا يَتَخَلَّفُ الْحُكْمُ عَنِ الْعِلَّةِ فِي الْقِيَاسِ شَرْعًا، وَلَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ بُطْلَانَ أَصْلِ الْقِيَاسِ، كَذَلِكَ يَتَخَلَّفُ الْحُكْمُ عَنِ الْعِلَّةِ فِي الْقِيَاسِ لُغَةً، وَلَا يَقْتَضِي بُطْلَانَ أَصْلِ الْقِيَاسِ، فَحَصَلَ الْجَوَابُ عَنْ سُؤَالِهِمُ الْمَذْكُورِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَنَعَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَسْمِيَتِهِمُ الْفَرَسَ أَدْهَمَ مُجَرَّدُ السَّوَادِ، بَلْ مَعَ خُصُوصِيَّةِ الْفَرَسِيَّةِ. الثَّانِي: بِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِ ذَلِكَ هُوَ تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ اللُّغَوِيَّةِ، فَهُوَ كَتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ. قَوْلُهُ: «قَالُوا: الشَّرْعِيُّ يَثْبُتُ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا إِجْمَاعَ هُنَا» . هَذَا مَنْعٌ مِنْهُمْ لِلْأَصْلِ فِي قِيَاسِنَا الْقِيَاسَ اللُّغَوِيَّ عَلَى الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ يَثْبُتُ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْلَاهُ لَمَا اسْتَقَلَّ وُجُودُ الْجَامِعِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِجَوَازِهِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِجْمَاعِ لَمْ يَصِحَّ قِيَاسُ اللُّغَوِيِّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِالْإِجْمَاعِ.
[ ١ / ٤٨١ ]
قُلْنَا: بَلْ بِالْعَقْلِ، كَمَا سَيَأْتِي. ثُمَّ مُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ اسْتِقْرَاءُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَاسْتِقْرَاءُ اللُّغَةِ مِثْلُهُ. ثُمَّ قَدْ نَصَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ عَلَى جَوَازِهِ، وَقَوْلُهُمْ حُجَّةٌ، وَهُوَ إِثْبَاتٌ، فَيُقَدَّمُ.
_________________
(١) قَوْلُهُ: «قُلْنَا: بَلْ بِالْعَقْلِ»، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابٌ عَمَّا ذَكَرُوهُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِجْمَاعِ فَقَطْ، بَلْ وَبِالْعَقْلِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْقِيَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّ الْأُصُولِيِّينَ يَذْكُرُونَ فِي إِثْبَاتِهِ مَدَارِكَ عَقْلِيَّةً وَشَرْعِيَّةً، وَإِذَا كَانَ لِلْعَقْلِ تَصَرُّفٌ فِي إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، فَكَذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ اللُّغَوِيِّ. الْوَجْهُ الثَّانِي: سَلَّمْنَا أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِجْمَاعِ، لَكِنَّ مُسْتَنَدَ صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ اسْتِقْرَاءُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاسْتِخْرَاجُ أَدِلَّتِهِ مِنْهُمَا كَمَا سَيَأْتِي فِي أَدِلَّةِ الْإِجْمَاعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَاسْتِقْرَاءُ اللُّغَةِ مِثْلُهُ، أَيْ: هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقِيَاسِ اللُّغَوِيِّ، كَاسْتِقْرَاءِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ. وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ مُسْتَنَدَ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ هُوَ اسْتِقْرَاءُ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ، فَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ اللُّغَوِيُّ مُسْتَنَدُهُ اسْتِقْرَاءُ الْأَسْمَاءِ اللُّغَوِيَّةِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ كَابْنِ جِنِّيٍّ فِي كِتَابِهِ «الْمُنْصِفِ» وَغَيْرِهِ نَصُّوا عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ، وَقَوْلُهُمْ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ هَذَا الشَّأْنِ،
[ ١ / ٤٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِمْ. قَوْلُهُ: «وَهُوَ»، يَعْنِي قَوْلَ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، «إِثْبَاتٌ، فَيُقَدَّمُ» . هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ قَدْ نَصَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ فِيهَا، فَقَدْ نَصَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ غَيْرُ هَؤُلَاءِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ، فَلِمَ كَانَ قَوْلُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْأُخْرَى؟ وَالْجَوَابُ بِمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ الَّذِينَ نَصُّوا عَلَى الْجَوَازِ مُثْبِتُونَ، وَالَّذِينَ نَصُّوا عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ نَافُونَ، وَإِذَا اجْتَمَعَ الْإِثْبَاتُ وَالنَّفْيُ، كَانَ الْإِثْبَاتُ مُقَدَّمًا. الْوَجْهُ الرَّابِعُ فِي الْجَوَابِ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي «الْمُخْتَصَرِ»، بَلْ خَطَرَ لِيَ الْآنَ، فَذَكَرْتُهُ: وَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقِيَاسَ اللُّغَوِيَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الشَّرْعِيِّ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، بَلْ هَذَا شَأْنُ الْقِيَاسِ، وَهُوَ إِلْحَاقُ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَلَوْ صَحَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ، لَبَطَلَ الْقِيَاسُ الشَّرْعِيُّ مِنْ أَصْلِهِ، لِأَنَّ مَحَالَّ الْوِفَاقِ لَا حَاجَةَ فِيهَا إِلَى الْقِيَاسِ، وَمَحَالَّ الْخِلَافِ عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ لَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى مَحَلِّ الْوِفَاقِ، فَيَبْطُلُ الْقِيَاسُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ. تَنْبِيهٌ: مِنْ فُرُوعِ هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ اللَّائِطَ يُحَدُّ قِيَاسًا عَلَى الزَّانِي بِجَامِعِ الْإِيلَاجِ الْمُحَرَّمِ، وَشَارِبَ النَّبِيذِ يُحَدُّ قِيَاسًا عَلَى شَارِبِ الْخَمْرِ بِجَامِعِ السُّكْرِ وَالتَّخْمِيرِ، وَنَبَّاشَ الْقُبُورِ يُحَدُّ قِيَاسًا عَلَى سَارِقِ أَمْوَالِ الْأَحْيَاءِ بِجَامِعِ أَخْذِ الْمَالِ فِي خُفْيَةٍ عِنْدَنَا، وَلَا حَدَّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ.
[ ١ / ٤٨٣ ]