١ - الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مِنْ نِعْمَتِهِ … أَنْ بَثَّ فِي المَشْرُوعِ سِرَّ حِكْمَتِهِ
٢ - وَهَيَّأَ العُقُولَ لِلتَّصْرِيفِ … بِمُقْتَضَى الخِطَابِ بِالتَّكْلِيفِ
٣ - وَأَرْسَلَ الرُّسْلَ مُبَشِّرَينَا … بِمَا أَعَدَّهُ وَمُنْذِرَيْنَا
٤ - وَخَصَّنَا بِمِسْكَةِ الخِتَامَ … وَالرَّحْمَةِ المُهْدَاةِ لِلْأَنَامِ
٥ - وَمَنْ بِنُورِ الوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ … أَنْقَذَنَا مِنْ ظُلْمَةِ الجَهَالَةِ
٦ - مُحَمَّدٍ صَفْوَةِ الأَنْبِيَاءِ … المُجْتَبَى بِالمِلَّةِ السَّمْحَاءِ
الخطبة
"الحَمْدُ للهِ" إخبار صيغة، إنشاء معنى والله اسم للذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد "الذِي" كان"مِنْ نِعْمَتِه" على "أَنْ بَثَّ؛ أي نشر وأودع "فِي المَشْرُوعِ" أي الشريعة "سِرَّ حِكْمَتِه" البالغة سبحانه. "وَهَيَّأ" أي أعد بعظيم قدرته "العُقُولَ" وفطرها "لِلتَّصْرِيفِ" أي النظر على أوجه مختلفة "بِمُقْتَضَى" يعني في مقتضى ومدلول "الخِطَابِ" الشرعي المتعلق "بِالتَّكْلِيفِ" للعباد "و"الذي من نعمته - كذلك - أن "أَرْسَلَ" وبعث "الرُّسْلَ" إلى الناس "مُبَشِّرِينَا" - الألف للإطلاق - من آمن "بِمَا أَعَدَّهُ" وهيأه لهم من الثواب والنعيم المقيم "وَمُنْذِرِينَا" أي مخوفين من كفر بالعذاب الأليم "وَ" كذلك من نعمته سبحانه أن "خَصَّنَا" بين خلقه "بِمِسْكَةِ" - بكسر الميم - واحدة المسك - الطيب المعروف "الخِتَامِ" للرسل "وَالرَّحْمَةِ المُهْدَاةِ" - بضم الميم - المعطاة على وجه الهدية "لِلْأنَامِ" أي الخلق "وَمَنْ بِنُورِ" وضوء وإنارة "الوحي"الرباني "وَالرَّسَالَة أَنْقَذَنَا" وأخرجنا "مِنْ ظُلْمَةِ الجَهَالَة" - بفتح الجيم - الجهل - ضد العلم -.
"مُحَمَّدٍ" بالجر بدل من الصفات المتقدمة - مسكة الختام والرحمة المهداة - ومن بنور الوحي أنقذنا - أو عطف بيان لها، ويصح رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره وهو، "صَفْوَةِ" - بفتح الصاد وكسرها وسكون الفاء - أي خالص وخيار "الأَنْبِيَاءِ" عليهم الصلاة والسلام "المُجْتَبَى" بضم الميم وسكون الجيم وفتح التاء - المثناة فوق - أي المصطفى المختار المفضل "بِالمِلَّةِ السَّمْحَاءِ" التي لا إصر فيها ولا حرج ولا ضيق فيها
[ ١ / ٧٥ ]
٧ - أَرْسَلَهُ لِلْخَلْقِ أَجْمَعِينَا … فَبَادَرُوا إِلَيْهِ مِهْطِعِينَا
٨ - وَدَخَلُوا فِي دِينِهِ أَفْوَاجًا … وَاتَّخَذُوا شِرْعَتَهُ مِنْهَاجًا
٩ - وَلَمْ يَحِدْ عَنْ ذَاكَ إِلَّا حَاسِدُ … أَوْ جَاحِدٌ لِحَقِّهِ مُعَانِدُ
١٠ - فَانْتَسَخَتْ بِشَرْعِهِ الشَّرَائِعُ … وَانْقَطَعَتْ عَنْ غَيْرِهِ المَطَامِعُ
١١ - وَاخْتَصَّهُ اللَّهُ بِمُعْجِزَاتِ … مِنْهَا الكِتَابُ الوَاضِحُ الآيَاتِ
ولا شدة. وقوله السمحاء هكذا بالمد، والمعروف في صيغة هذا الوصف السمحة - بالهاء - يقال الحنيفية السمحة. وهو الوارد في كتب اللغة المتداولة.
"أرسله" سبحانه "للخلق" الإنس والجن "أجمعينا" فكلهم أمة دعوته "فبادروا" يعني فبادر منهم من وفقهم الله - تعالى - للخير، وهداهم إلى الصراط المستقيم أي أسرعوا "إليه" يعني إلى الإيمان به واتباعه "مهطعينا" أي منطلقين في صمت أو مسرعين فيكون حالا مؤكدا لقوله "بادروا" "ودخلوا" في دينه الذي أرسل هبة من رب العالمين "أفواجا" أي جماعات "واتخذوا" أي صيروا وجعلوا "شرعته" بكسر الشين وسكون الراء - أي شريعته - ما شرعه الله - تعالى - لعباده من الدين "منهاجا" - بكسر الميم - طريقًا واضحًا يمشون عليه "ولم يحد" أي يمل ويعدل "عن ذاك" البدار واتخاذ الشريعة منهاجا "إلا حاسد" أعماه حسده وأضله عن سواء السبيل، كما هو حال اليهود "أو جاحد" منكر "لحقه" ﷺ في الإيمان به وفي وجوب إتباعه وطاعته "معاند" يعرف الحق، وينكره. "فانتسخت؛ أي أزيلت "بشرعه" الذي أرسل به جميع "الشرائع" السابقة وأضاف الشرع إليه باعتبار أنه الذي هو عليه في عقيدته وعبادته - "و" بذلك الانتساخ لتلك الشرائع "انقطعت" فانفصمت عن "غيره" أي عن غير شرعه - ويحتمل أن يكون عن غير الرسول - ﷺ - "المطامع"، يعني مطامع الخلق في التعبد والتقرب إلى الباري - ﷾ - لأنَّهُ لا غناء فيما سواه من الشرائع بعد أن نسخت، أو لا غناء في إتباع غير الرسول - ﷺ - من الرسل من غير إتباعه، بعد أن كان إتباعه شرطا في صحة الإيمان وقبول الأعمال.
"واختصه؛ أي أفرده "الله" تعالى "بمعجزات" باهرة كثيرة "منها" القرآن الكريم وهو "الكتاب الواضح" البين "الآيات" جمع آية سميت بذلك لأنها جماعة من حروف
[ ١ / ٧٦ ]
١٢ - أَنْزَلَهُ مُفَصَّلَ الأَحْكَامِ … مُبَيَّنَ الحَلَالِ وَالحَرَامِ
١٣ - صَادِعَةً آيَاتُهُ بِصِدْقِهِ … وَفَضْلِهِ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ
١٤ - فَأَكْمَلَ الدِّينَ بِهِ لِلْأُمَّةِ … مُتَمِّمًا عَلَيْهِمُ بِالنِّعْمَةِ
١٥ - وَإِنَّ فِي العَجْزِ عَنِ الإِتْيَانِ … بِمِثْلِهِ لأَعْظَمُ البُرْهَانِ
١٦ - وَإِذْ أَقَرَّ الشَّرْعَ أَصْلًا أَصْلَا … خُيِّرَ فَاخْتَارَ الرَّفِيقَ الأَعْلَى
القرآن، أو سميت بذلك لأنها علامة لانقطاع كلام من كلام "أنزله" ﷾ "مفصل" - بفتح الصاد وكسرها - فهو بالفتح بمعنى موضح مبين "الأحكام" فيكون فيه إضافة الصفة للموصوف - يعني أن أحكامه مبينة لا خفاء فيها ولا إجمال ولا انبهام - وبالكسر بمعنى أنه موضح ومبين للأحكام الشرعية على صفاء تام لا يعتريه غبش ولا يخالطه كدر "مبين" - بالفتح والكسر - "الحلال" فهو بالفتح بمعنى مبين ما حكم عليه فيه بأنه الحلال المباح "و" كذلك ما حكم عليه فيه بأنه "الحرام" المحظور، وبالكسر بمعنى أنه مبين ما هو الحلال وما هو الحرام موضح له على صفاء ونقاء. "صادعة" ناطقة بجهر "آياته" أي الكتاب - القرآن الكريم - "بصدقه" - ﵊ - "و" شاهدة "فضله" العظيم" على جميع خلقه" تعالى ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وغير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى وهي كثيرة جدًّا.
"فأكمل" سبحانه "الدين به" يعني بإرساله وبعثه "لـ" هذه "الأمة" المسلمة "متمما" ومكملا "عليهم للنعمة" قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. هذا "وإن في العجز" القائم بالثقلين "عن الإتيان" والمجيء "بمثله؛ أي بمثل هذا القرآن"لأعظم"ما يصح أن يطلق عليه لفظ القرآن "البرهان" وأجله. "وإذ" أي وحين "أقر" ﷺ أي ثبت قواعد وأركان "الشرع" ورسخ أصوله "أصلا أصلا" وبين أحكامه حكما حكما "خير" - بضم الخاء مبنيا للمفعول - أي خيره الله ﷾ - بين الحياة والموت "فاختار" ﵊ - "الرفيق الأعلى" وهو الجنة لأنها المحل الذي تحصل له فيه المرافقة مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، أو مع جبريل وميكائيل وإسرافيل.
[ ١ / ٧٧ ]
١٧ - وَبَقِيَ الهُدَى لِبَاقِي أُمَّتِهِ … فِي مُقْتَضَى كِتَابِهِ وَسُنَّتِهِ
١٨ - عَلَيْهِ مِنْ بَاعِثِهِ بِالحِكْمَةِ … أَزْكَى الصَّلَاةِ وَأَعَمُّ الرَّحْمَةِ
١٩ - وَبَعْدُ فَالعِلْمُ حَيَاةٌ ثَانِيَةْ … لَهَا دَوَامٌ وَالجُسُومُ فَانِيةْ
قال الحافظ ابن حجر: "وزعم بعض المغاربة أنه يحتمل أن يراد بالرفيق الأعلى الله - ﷿ - لأنَّهُ من أسمائه كما أخرج أبو داود من حديث عبد الله بن مغفل رفعه "أن الله رفيق يحب الرفق" كذا اقتصر عليه، والحديث عند مسلم عن عائشة فعزوه إليه أولى. قال والرفيق يحتمل أن يكون صفة ذات كالحكيم، أو صفة فعل، قال: ويحتمل أن يراد به حضرة القدس، ويحتمل أن يراد به الجماعة المذكورون في آية النساء. ومعنى كونهم رفيقا تعاونهم على طاعة الله وارتفاق بعضهم ببعض، وهذا الثالث هو المعتمد. وعليه اقتصر أكثر الشراح. وقد غلط الأزهري القول الأول، ولا وجه لتغليطه من الجهة التي غلطه بها وهو قوله: مع الرفيق الأعلى، لأن تأويله على ما يليق بالله سائغ" (^١).
وأصل ما ذكره الناظم من الحديث الذي أخرجه البخاري وغيره عن عائشة - ﵂ - قالت: كان النَّبِيّ ﷺ - يقول وهو صحيح - أنه لم يقبض نبي حتَّى يرى مقعده من الجنة، ثم يخير فلما نزل به ورأسه على فخذي غشي عليه، ثم أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت ثم قال: اللهم الرفيق الأعلى، فقلت إذا لا يختارنا، وعرفت أنه الحديث الذي يحدثنا وهو صحيح. قالت: فكان آخر كلمة تكلم بها: اللهم الرفيق الأعلى.
"و" بعد وفاته - ﵊ - "بقي الهدى" والرشد "لباقي" وسائر "أمته" متضمنا مودعا "في مقتضى" آيات "كتابه" تعالى ومقتضى "سنته عليه" الصلاة والسلام "من باعثه" ومرسله ﷾ "بالحكمة" والحق المبين "أزكى" أي أطيب "الصلاة وأعم" أي أكمل وأشمل "الرحمة" والسلام. "وبعد" ظرف مقطوع عن الإضافة لفظًا لا معنًى - أي وبعد هذا الذي ذكر من الثناء على الله تعالى والصلاة والسلام على نبيه الكريم "فـ" إن "العلم" الذي به عبادة رب العالمين ومعرفته "حياة ثانية" مستمرة "لها دوام" وبقاء وأما "الجسوم" والذوات فإنها على كل حال"فانية" زائلة إذ تصير
_________________
(١) فتح الباري ٨ - ١٧٤.
[ ١ / ٧٨ ]
٢٠ - وَمُذْ غَدَا ظِلُّ الشَّبَابِ زَائِلَا … وَلَمْ أَنَلْ مِنَ الزَّمَانِ طَائِلَا
٢١ - جَعَلْتُ فِي كُتْبِ العُلُومِ أُنْسِي … وَعَنْ سِوَى العِلْمِ صَرَفْتُ نَفْسِي
٢٢ - فَالعِلْمُ أَوْلَى مَا انْقَضَى بِهِ الزَّمَنُ … وَكُتْبُهُ هِيَ الجَلِيسُ المُؤْتَمَنُ
٢٣ - وَالمَوْرِدُ المُسْتَعْذَبُ الفُرَاتُ … وَمِنْ أَجَلِّهَا المُوَافَقَاتُ
٢٤ - لِشَيْخِنَا العَلَّامَةُ المُرَاقِبِ … ذَاكَ أَبُو إِسْحَاقَ نَجْلُ الشَّاطِبِي
رمما بالية وعظاما نخرة "ومذ غدا" أي صار "ظل" نعيم وقوة "الشباب" شيئًا فانيا "زائلا" عني أي ذاهبا وخلف محله ظل الكهولة "ولم أنل" أي أدرك "من" إفنائي هذا "الزمان" الذي مضى من عمري شيئًا "طائلا" رفيع القدر نفيسا "جعلت" وهو جواب قوله لما "في كتب العلوم" - بسكون التاء - جمع كتاب - "أنسي" - بضم الهمزة وسكون النون - أي طمأنينتي "وعن سوى" أي غير "العلم" يعني الاشتغال به "صرفت نفسي" أي كففتها ورددتها "فالعلم أولى" وأفضل"ما انقضى" وفني "به" أي فيه "الزمن "والوقت "وكتبه" بسكون التاء "هي الجليس" أي المجالس وهو الذي يجالسك في المجلس - وهو هنا بقيد دراسته وقراءته - "الموتمن" - بفتح الميم - أي الأمين الحافظ.
قال المتنبئ:
أعز مكان في الدنى سرج سابح … وخير جليس في الزمان كتاب
"و" هو كذلك "المورد" - بفتح الميم وكسر الراء بينهما واو ساكنة - وهو المنهل: العين التي يشرب منها ويستقى "المستعذب" الذي يعد عذبا حلوا "الفرات" - بضم الفاء - الأشد عذوبة وفي قوله "المورد المستعذب الفرات" التشبيه البليغ - "ومن أجلها" أي أعظمها قدرا كتاب "الموافقات" وهو "لشيخنا العلامة" - التاء فيه للمبالغة - "المراقب" بضم الميم - القائم بحقوق الله - تعالى - سرا وجهرا المراقبة - عند المتصوفة -: القيام بحقوق الله تعالى سرا وجهرا، خالصا من الأوهام صادقا في الاحترام (^١) "ذاك" هو "أبو إسحاق" إبراهيم "نجل" أي ولد موسى "الشاطبي" المتوفى
_________________
(١) ابن عجيبة - معراج التشوف ص ٣٠.
[ ١ / ٧٩ ]
٢٥ - فَهْوَ كِتَابٌ حَسَنُ المَقَاصِدِ … مَا بَعْدَهُ مِنْ غَايَةٍ لِقَاصِدِ
٢٦ - وَكَانَ قَدْ سَمَّاهُ بِالعُنْوَانِ … وَاخْتَارَ مِنْ رُؤْيَا ذَا الاِسْمِ الثَّانِي
٢٧ - وَقَدْ سَمَعْتُ بَعْضَهُ لَدَيْهِ … وَمِنْهُ فِي تَرَدُّدِي إِلَيْهِ
سنة سبعمائة وتسعين من الهجرة "فهو كتاب حسن" البيان والإيضاح والإظهار لعلم "المقاصد" أي الغايات والحكم والأسرار التشريعية المتعلقة بالأحكام وقد بلغ في ذلك المنتهى فـ "ما بعده" فيما تضمنه"من" ذلك "غاية" تكون مطمعا "لقاصد" العلم الشرعي الطالب له وقد يكون معنى "لقاصد" أي طالب علم المقاصد وهذا وإن كان احتمالا بعيدا فإنه غير ساقط بالكلية. "وكان" الشاطبي "قد سماه" أي سمى كتاب الموافقات هذا "بالعنوان" يعني "عنوان التعريف بأسرار التكليف". "و" أي وبعد ذلك ترك تسميته بهذا "اختار من "أجل "رؤيا" رآها "ذا الاسم الثاني" أي الموافقات وفي ذلك قال - رحمه الله تعالى -: (ولأجل ما أودع فيه من الأسرار التكليفية المتعلقة بهذه الشريعة الحنيفية سميته بعنوان التعريف بأسرار التكليف ثم انتقلت عن هذه السيماء لسند غريب يقضي العجب منه الفطن الأريب، وحاصله أني لقيت يوما بعض الشيوخ الذين أحللتهم محل الإفادة وجعلت مجالسهم العلمية محلا للرحال ومناخا للوفادة، وقد شرعت في ترتيب الكتاب وتصنيفه، ونابذت الشواغل دون تهذيبه وتأليفه، فقال لي: رأيتك البارحة في النوم، وفي يدك كتاب ألفته، فسألتك عنه فأخبرتني أنه (كتاب الموافقات) قال: فكنت أسألك عن معنى هذه التسمية الظريفة، فتخبرني أنك وفقت به بين مذهبي ابن القاسم وأبي حنيفة، قلت له: الغرض بسهم من الرؤيا الصالحة مصيب، وأخذتم من المبشرات النبوية بجزء صالح ونصيب، فإني شرعت في تأليف هذه المعاني، عازما على تأسيس تلك المباني، فإنها الأصول المعتبرة عند العلماء، والقواعد المبني عليها عند القدماء فعجب الشيخ من غرابة هذا الإتقان، كما عجبت أنا من ركوب هذه المفازة وصحبة هذه الرفاق (^١).
"و" كنت "قد سمعت بعضه" وأنا "لديه" أي عنده "و" قد سمعته "منه في" الأوقات التي كان "ترددي إليه" فيها.
_________________
(١) الموافقات ج ١ / ص ١٨.
[ ١ / ٨٠ ]
٢٨ - لَاكِنَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ اخْتِلَافِي … إِلَّا يَسِيرَ القَدْرِ غَيْرَ شَافِ
٢٩ - لأَنْ ثَنَى التَّقْصِيرُ مِنْ عِنَانِي … وَصَدَّنِي عَنْ قُرْبِهِ زَمَانِي
٣٠ - حَتَّى غَدَتْ حَيَاتُهُ مُنْقَضِيَه … فِي عَامِ تِسْعِينَ إِلَى سَبْعِ مَائَه
٣١ - وَالآنَ مُذْ نَبَذَتْ عَنِّي شُغُلِي … وَصَارَ نَيْلُ العِلْمِ أَقْصَى أَمَلِي
٣٢ - جَدَّدْتُ عَهْدِي بَاجْتِنَاءِ زَهْرِهِ … وَرُضْتُ فِكْرِي فِي اقْتِفَا أَثَرِهِ
٣٣ - فَجُلْتُ مِنْهُ فِي مَدَى بَيَانِ … بَلْ رَوْضَةٍ مِنْ ثَمْرِهَا المَعَانِي
٣٤ - فُنُونُهَا تَشَعَّبَتْ أَفْنَانُهَا … وَاخْتَلَفَتْ بِأُكْلِهَا صِنْوَانُهَا
" لاكن" ذلك لم يطل إذ "لم يكن له" أي إليه "اختلافي "وترددي "إلا" زمنا "يسير" أي قليل "القدر غير شاف" لقلة الطلب والرغبة في العلم بمكونات هذا الكتاب ومتضمناته الجليلة القدر، وقصر ذلك الزمان قد حصل "ل" أجل "أن ثنى" أي كف وصرف "التقصير" أي التواني "من عناني" يعني جموحي ورغبتي "وصدني" أي منعني "عن قربه" ومجاورته أحوال "زماني" وتقلباته "حتَّى غدت حياته منقضية" رحمه الله تعالى "في عام تسعين" يزاد "إلى سبع مائة" من الهجرة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم وكانت وفاته يوم الثلاثاء الثامن من شعبان من السنة المذكورة. "والآن" بل "مذ نبذت" أي اطرحت "عني شغلي" - بضم الغين المعجمة - "وصار نيل" أي إدراك وتحصيل "العلم أقصى أملي" أي رجائي.
"جددت عهدي" واشتغالي "باجتناء" واقتطاف "زهره" جمع زهرة - يعني فوائده - شبه ما يستفيده منه من الفوائد بالزهر المأخوذ من النبات بجامع الحسن والبهاء ثم استعار لفظ المشبه به وهو الزهر للمشبه وهو الفوائد على سبيل الاستعارة التصريحية "ورضت" أي ذللت ووطأت "فكري" وحالة نظري في "اقتفاء" أي إتباع "اثره" وما سنه من سنن نظرية وطرق فكرية قد يهتدي بها إلى قطف أثمار فقهية وعلمية اخرى دقيقة مختلفة "فجلت" أي طفت "منه" يعني فيه - في هذا الكتاب - وأنا في فهمه والعلم بمضامينه "في مدى" أي غاية ومنتهى "بيان" ووضوح "بل" جلت فيه وأنا منه في "روضة" أي بستان حسن "من ثمرها" وغلاتها "المعاني فنونها" أي أنواعها "تشعبت" تفرقت "أفنانها" أغصانها "واختلفت بأكلها" أي في أكلها - بضم الهمزة - أي طعمها - بفتح الطاء - وذواقها "صنوانها" والصنوان
[ ١ / ٨١ ]
٣٥ - فَمَوْرِدُ الصَّادِي بِهَا رَحِيقُ … وَمُجْتَلَاهُ زَهْرُ أَنِيقُ
٣٦ - لَاكِنْ رَأَيْتُ مُرْتَقَاهُ صَعْبَا … وَمُنْتَدَاهُ فِي المَقَالِ رَحْبَا
٣٧ - فَمَالَتِ النَّفْسُ إِلَى تَحْرِيرِهِ … فِي رَجَزٍ قَصْدًا إِلَى تَيْسِيرِهِ
٣٨ - بِضَمِّ مَا انْتَشَرَ مِنْ فَوَائِدِهِ … وَنَظْمِ مَا انْتَثَرَ مِنْ فَرَائِدِهِ
- بكسر الصاد وحكي فيه الضم - ما له عرق واحد من نخلتين أو ثلاث أو أكثر "فمورد" أي مشرب "الصادي" أي العطشان "بها" أي بتلك الروضة "رحيق" أي شراب صاف "ومجتلاه" أي منظره "زهر" - بفتح الهاء - أي النبات، أو جمع زهرة وهي النور، فيكون محركا للضرورة "أنيق" - بفتح الهمزة، وزن عظيم - أي معجب حسنه وتشبيهه الكتاب بالروضة يقرر على سبيل الاستعارة التصريحية - "لاكن" في "رأيت" عن دراية واطلاع "مرتقاه" - بضم الميم، مصدر ميمي - يعني إرتقاءه والصعود عليه "صعبا" أي أمرا صعبا شاقا "و" كذلك رأيت "منتداه" بضم الميم وسكون النون - أي ناديه "في" الحديث و"المقال" منتدى "رحبا" - بضم الراء وسكون الحاء - واسعا.
شبه الكتاب بجبل عال جدا لكنه أضمره ورمزه له بشيء من لوازمه وهو "المرتقى الصعب" على سبيل الاستعارة المكنية والقرينة إثبات صعوبة الصعود للكتاب كما شبهه بقبيلة أهلها ذوو نظر واسع عميق وبيان محيط شامل فيما هم متناقشون، لكنه أضمره ورمز له بشيء من لوازمه وهو "المنتدى الرحب المقال" على طريقة الاستعارة المكنية والقرينة إثبات المنتدى له. وقد يكون شبهه بأمر عظيم الكلام فيه واسع، والمقال فيه رحب، على طريقة الاستعارة المذكورة "فمالت النفس" لأجل ذلك وتاقت "إلى تحريره"من هذا الذي يتصف به من الصعوبة والإطناب الزائد فيه على المطلوب - أحيانا - "في" نظم من بحر الـ "رجز" وهو بحر من بحور الشعر معروف، يكون كل مصراع منه مفردا، وتسمى القصائد المنظومة فيه أراجيز، واحدتها أرجوزة، وإنما مالت نفسي إلى هذا "قصدا" مني "إلى تيسيره" وتسهيله للحفظ والفهم على طلبة العلم، وذلك "بضم" أي جمع "ما انتشر" وتفرق "من فوائده" في مجاري تقريرات المصنف واستدلالاته واحتجاجاته، ولم بعضها إلى بعض "و" كذلك بـ "نظم" أي جمع ولم "ما انتثر" أي تفرق "من فرائده" - جمع فريدة وهي - لغة - الجوهرة النفيسة التي تفصل بين
[ ١ / ٨٢ ]
٣٩ - بَنَيْتُ فِيهِ عَلَى الاِقْتِضَابِ … وَمِلْتُ لِلْإِيجَازِ لَا الإِطْنَابِ
٤٠ - مُنْتَخِبًا مِنَ الفُصُولِ مَا نَحَا … وَمَا بِهِ الفِكْرُ الكَلِيلُ سَمَحَا
٤١ - مِنِ اعْتِرَاضَاتٍ وَتَنْبِيهَاتِ … وَمِنْ أَدِلَّةٍ وَتَوْجِيهَاتِ
٤٢ - وَجَاعِلًا لَهُ مِنْ السِّمَاتِ … نَيْلَ المُنَى مِنَ المُوَافَقَاتِ
٤٣ - فَعَدُّهُ لَمْ يَعْدُ فِي المَسْطُورِ … سِتَّةَ آلَافٍ مِنَ المَشْطُورِ
اللؤلؤ والذهب سميت بذلك كأنها مفردة في نوعها - والمراد بها الفوائد الجليلة القدر المنيرة سبل النظر والفهم، وأثمار النظر المجتناة بعمق تأمل ودقة في أعمال الأذهان "بنيت" منهجي "فيه" أي في هذا النظم "على" الأخذ بمقتضى "الاقتضاب" أي الاختصار وهو الاكتفاء بلب الموضوع وأهم ما ينبغي ذكره فيه وإسقاط ما سوى ذلك "وملت" فيه - كذلك - "للإيجاز" وهو جمع المعاني المتكاثرة تحت اللفظ القليل مع الإبانة والإفصاح "لا الإطناب" وهو زيادة اللفظ على المعنى - التطويل - "منتخبا" بكسر الخاء، حال من ضمير المتكلم المتقدم - أي مختارا ومنتقيا من الكلام الوارد فيه "من الفصول ما نحا" أي قصد المصنف ذكره "وما به الفكر" - أل فيه نائبة عن الضمير - أي فكري "الكليل" أي الضعيف في النظر والإدراك، - وصف فكره بذلك تواضعا "سمحا" وجاد "من اعتراضات" تورد على تقريرات لقضايا وأحكام وأثمار أنظار "وتنبيهات" على أمور قد تكون الغفلة على استحضارها أو عن تصورها على الوجه الصحيح حصلت "ومن أدلة" وحجج سيقت لبيان وتقرير صحة ما استدل عليه بها "وتوجيهات" لآراء فقهية وأصولية وأعمال ومناهج اختيرت في شأن التعبد "وجاعلا" أي واضعا "له" أي لهذا النظم"من السمات" أي الأسماء اسم "نيل المنى" - بضم الميم - جمع منية، وهي ما يتمنى ويرغب فيه "من الموافقات" ومقتضى هذا الاسم أن هذا النظم يمكنك تحصيله حفظا وفهما - من إدراك ما يتمنى ويرغب في إدراكه من كتاب "الموافقات" هذا، "فعده" يعني عدد أبيات هذا النظم "لم يعد" ولم يتخط"في المسطور" المكتوب منه خالصا "ستة آلاف" بيت "من" النوع "المشطور" وما هو فيه كل شطر بيتا.
[ ١ / ٨٣ ]