٤٦ - إِنَّ أُصُولَ الفِقْهِ قَطْعِيَّاتُ … لِأَنَّهَا لِلشَّرْعِ كُلِّيَّاتُ
٤٧ - وَذَا بِالاِسْتِقْرَاءِ يَسْتَبِينُ … وَمَا كَذَا فَشَأْنُهُ اليَقِينُ
" وها أنا بما قصدت"من نظم هذا الكتاب على الوجه الذي تقدم وصفه "آت" أي جاء "مقدما" في الذكر كما يقتضي ذلك الوضع والطبع "حكم المقدممات" يعني ما تدل عليه من قضايا وأحكام - هذا ما يظهر لي من كلامه. ولو قال مقدما ذكر المقدمات لكان أبين وأوضح. "وأسال" أي أطلب "التوفيق والإعانة" على السداد وبلوغ المرام والغرض "في شأنه" أي شأن هذا النظم "من ربنا" الكريم الرحيم "سبحانه" وتعالى.
المقدمات
"المقدمة الأولى"
في أن أصول الفقه كلها قطعية الثبوت وفي هذا يقول الناظم - ﵀ -: "إن أصول الفقه" في الدين من حيث ثبوت كونها أصولا فقهية "قطعيات" لا ظنيات إذ الذي لم يقطع بكونه أصلا قطعيا لا تبنى عليه الاحكام الشرعية، وإنما كانت أصول الفقه هذه قطعية "لأنها للشرع" أي ملة وشريعة الإسلام "كليات" وما كان كذلك فهو قطعي "وذا" أي هذا الذي ذكر من أن أصول الفقه قطعية لأنها راجعة إلى كليات الشريعة "بالاستقراء" التام وهو تتبع جميع جزئيات الشيء المستقرئ وهي - هنا - مسائل علم الأصول أصلية كانت أو فرعية "يستبين" يظهر فإن من تتبع هذه المسائل أدرك على قطع أن هذه الأصول راجعة إلى كليات الشريعة الثلاثة وهي الضروريات والحاجيات والتحسينات، "وما" كان "كذا" أي ثابتًا بهذا السبيل - وهو وهذا الاستقراء - "فشأنه" في الإدراك العقلي "اليقين" أي الجزم بالحكم والقطع به فتحصل
[ ١ / ٨٤ ]
٤٨ - بَيَانُهُ اسْتِقْرَاؤُنَا فِي الشَّرْعِ … لِحُكْمِهِ كَذَاكَ وَهْوَ قَطْعِي
٤٩ - أَوْ مِنْ دَلِيلِ العَقْلِ ذِي لِلْقَطْعِ … أَوْ جِهَةِ المَجْمُوعِ وَهْوَ قَطْعِي
٥٠ - وَمَعَ ذَا لَوْ لَمْ تَكُنْ قَطْعِيَّة … لَاتَّصَفَتْ بِأَنَّهَا ظَنِّيَّة
٥١ - وَلَوْ أُجِيزَ الظَّنُّ فِي كُلِّيَّة … لِجَازَ فِي الكُلِّيَّةِ الأَصْلِيَّة
٥٢ - وَذَاكَ عَادَةً مُحَالٌ أَصْلُهُ … فَكُلُّ مَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ
إن أُصول الفقه قطعية الثبوت بناء على هذا الاستقراء المذكور. وأما كون ما ثبت بهذا الدليل قطعيا فـ "بيانه" من أوجه أحدها "استقراؤنا" يعني الاستقراء الكلي "في الشرع" "لـ" أدلة "حكمه" أي أحكامه وهذا الاستقراء حكمه "كذاك وهو قطعي" لأنَّهُ استقراء تام.
"أو" بيانه "من" جهة "دليلٌ" حكم "العقل" وهو أما الوجوب أو الجواز أو الاستحالة كما سيذكره في المقدمة الثانية. و"ذي" الجهة خذها على أنها مفيدة "للقطع" فهي قاضية به. "أو" من "جهة المجموع" من هاتين الجهتين معا وهما جهة الحكم العقلي وجهة الاستقراء "وهو" أي ما تقتضيه هذه الجهة "قطعي" من باب أولى، لأنَّهُ مركب من مقتضى الجهتين الأوليين هذا هو احد هذه الأوجه. "و" يزاد "مع ذا" الوجه المذكور وجه آخر وهو أنه "لو لم تكن" هذه الأصول "قطعية" الثبوت "لاتصفت بأنها" أدلة "ظنية" ضرورة انحصار حالها في أنها لا تكون إلا قطعية أو ظنية "ولو أجيز الظن في كلية" يعني ولو أجيز أن تكون كلية من هذه الكليات ظنية "لجاز" الظن "في الكلية الأصلية" وهي أصل الشريعة وعلى قطع نعلم أن أصل الشريعة الذي تفرعت عنه هذه الكليات أصل ثابت وهو الأصل الكلي الأول لأنَّهُ عنه تفرعت هذه الكليات الثلاثة الضروريات والحاجيات والتحسينات، ومعنى أنه تفرعت عنه أنه أخذت منه وبنيت على ما تضمنه من أدلة وأحكام، ألا ترى أنه هو المستقرئ لمعرفة هذه الكليات وإدراكها، وإذا تقرر ذلك علم أن هذا الأصل الكلي ثابت لأنَّهُ شرع الله الذي لا تبديل له ولا تغيير.
"و" أن "ذاك" وهو تطرق الظن إلى هذا الأصل "عادة محال أصله" وهو احتمال هذا التطرق "فكل ما" أمر "أدى إليه" أي إلى هذا الاحتمال فإنه "مثله" في كونه أمرا
[ ١ / ٨٥ ]
٥٣ - هَذَا وَلَوْ جَازَ سِوَى اليَقِينِ … فِيهَا لَجَازَ فِي أُصُولِ الدِّينِ
٥٤ - وَمَا كَذَاكَ تِلْكَ بِاتِّفَاقِ … فَلْيُجْرَ حُكْمُ القَطْعِ بِالإِطْلَاقِ
٥٥ - فَهِيَ لَدَى الشَّرْعِ أُصُولٌ مِثْلُهَا … فَشَأْنُهَا مُتَّحِدٌ وَأَصْلُهَا
٥٦ - وَالقَصْدُ كُلِّيَّاتُهُ المَشْهُورَة … تَحْسِينًا أَوْ حَاجَةً أَوْ ضَرُورَة
٥٧ - وَهْيَ الَّتِي قَدْ ضُمِنَ الحِفْظُ لَهَا … وَأَخْبَرَ اللَّهُ بِأَنْ أَكْمَلَهَا
محالا، ومن ذلك القول بأن أصول الفقه ظنية الثبوت، فإنه يؤدي إلى أن الأصل الكلي المذكور - أيضًا - ظني لأن الفرع له حكم الأصل والأصل له حكم الفرع، فعلم أن هذه الأصول قطعية لكون الشريعة أمرا ثابتا على قطع، ولا يتطرق إليها تغيير أو تبديل لأنها كلمة الله ولا تبديل لكلمات الله "هذا" أي اقول هذا وأعضده بوجه آخر، "و" هو أَنَّهُ "لو جاز" حكم آخر "سوى اليقين" والقطع "فيها" يعني في كونها أصولا قطعية "لجاز" مثل ذلك وهو عدم اليقين "في أصول الدين" المعتقدات الدينية - الإسلامية - التي لا تقوم صفة الإسلام بالشخص إلا باعتقادها وهي قطعية الثبوت فلا يتطرق تبديل ولا تغيير إليها على الإطلاق ولهذا قال "وما" يعني وليس "كذاك" الذي ذكر من احتمال جريان غير اليقين في "تلك" الأصول المذكورة وفي أصول الدين بأمر جائز "باتفاق" بين جميع المسلمين وإذا تقرر هذا "فليجر" أي فليوقع "حكم القطع" بالثبوت وعدم التغيير والتبديل "بالإطلاق" في أصول الدين وفي أصول الفقه على السواء لأنك إن تأملت أصول الفقه "فـ" إنك تدرك أنها "هي لدى الشرع أصول مثلها" مثل أصول الدين "فشأنها" أي أصول الفقه وأصول الدين "متحد" لأن نسبة أصول الفقه من أصل الشريعة كنسبة أصول الدين لأنها كلها كليات معتبرة في كل ملة، والكل داخل في حفظ الدين من الضروريات، فيجمع بينها بذلك، هذا مع التفاوت في المراتب "وأصلها" الذي أخذت منه وهو الكلي الذي هو الشريعة - أيضًا - واحد، "والقصد" بقولنا الكليات "كلياته" أي كليات الدين "المشهورة" بين أهل الفقه والنظر في الأدلة الشرعية، "تحسينا أو حاجة أو" قد يكون "ضرورة" كما سيأتي ذلك مفصلا. "و" هذه الكليات" هي التي قد ضمن الحفظ" الإلهي" لها" في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] إنما المراد به حفظ أصول الدين الكلية المنصوصة "وأخبر الله" تعالى "بأن" أي بأنه "أكملها" في قوله - تعالى -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣].
[ ١ / ٨٦ ]
٥٨ - فَالحِفْظُ وَالإِكْمَالُ لِلْكُلِّيِّ … دَلِيلُهُ تَخَلُّفُ الجُزْئِيِّ
٥٩ - وَقَدْ نَفَى القَاضِي عَنِ الأُصُولِ … مَا لَيْسَ قَطْعِيًّا عَلَى التَّفْصِيلِ
٦٠ - مِثْلُ تَفَاصِيلَ الحَدِيثِ وَالعِلَل … وَغَيْرِهَا مِمَّا عَلَى الظَّنِّ اشْتَمَل
" فالحفظ والإكمال" المذكوران إنما هما "للكلي" المذكور - الكليات الثلاثة المذكورة - الضروريات والحاجيات والتحسينات - و"دليله" أي ودليل هذا الذي ذكرناه من اختصاص الحفظ بما ذكر وهو "تخلف" حفظ "الجزئي" إذ لو كان الجزئي داخلا فيما ضمن حفظه لم يتخلف عن الحفظ جزئي من جزئيات الشريعة على الإطلاق، وليس كذلك لأنا نقطع بجواز ذلك التخلف، ويؤيده الوقوع لتعارض الظنون وتطرق الاحتمالات في النصوص الجزئية ووقوع الخطإ فيها قطعا، فقد وجد الخطأ في أخبار الآحاد وفي معاني الآيات فدل على ان المراد بالذكر المحفوظ ما كان منه كليا زائدة "وقد نفى القاضي" أَبُو بكر الباقلاني - ﵀ - "عن الأصول" كل "ما ليس" أصلا "قطعيا" ومراده ما كان "على التفصيل" وهو ما كان جزئيات أصولية والذي يلزم حقا أن يكون كل أصل قطعيا في ثبوته بمقتضى هذا الحفظ الإلهي الذي تزول الراسيات ولا يزول.
وذلك "مثل تفاصيل" أحكام "الحديث" النبوي فيما يتصل بظنية ثبوته، وتفاصيل أقسامه التي تذكر في أصول الفقه والتي يعتمد عليها في اثباته على الظن، "و"مثل تفاصيل الحديث هذه تفاصيل" العلل" المسطورة في باب القياس. ومن ذلك ما يقدح به في العلة من قوادح، فكل ذلك مبتناه على الظن ونص كلام القاضي هذا الذي ذكره المصنف موجزا "فإن قيل: فيدخل في هذا الفن ما لا يلتمس فيه القطع والعلم؟ " قيل: ما ارتضاه المحققون أن ما يبتغي فيه العلم لا يعد من الأصول. فإن قيل: فأخبار الآحاد والمقاييس السمعية لا تفضي إلى العلم وهي من أدلة احكام الشرائع" قيل: إنما يتعلق بالأصول تثبيتها أدلة على وجوب الأعمال وذلك مما يدرك بالأدلة القاطعة، فأما العمل المتلقى منها فمتصل بالفقه دون أصول الفقه (^١) "وغيرها مما" من الجزئيات "على الظن اشتمل" في بنائه.
_________________
(١) إمام الحرمين/ التلخيص/ ص ٧.
[ ١ / ٨٧ ]
٦١ - وَاعْتَذَرَ الإِمَامُ عَنْ إِدْخَالِهِ … فِيهَا لِأَنَّ القَطْعَ مِنْ مَآلِهِ
٦٢ - فَهُوَ إِنَّ أَلْفِيَّ غَيْرٍ قَطْعِيٍّ … يَرْجِعُ فِي المَعْنَى لِحُكْمِ القَطْعِ
٦٣ - قَالَ الإِمَامُ المَازْرِي إِنَّهُ … لَا وَجْهَ أَنَّ حُوشِيَّ ذَا هَنْه
٦٤ - فَهِيَ قَوَانِينُ اسْتَقَرَّ حُكْمُهَا … فِي غَيْرِهَا فَصَحَّ فِيهَا رَسْمُهَا
" واعتذر الإمام" الجويني - إمام الحرمين - في صدر كتابه "البرهان" "عن إدخاله" أي إدخال هذا الذي ذكر من أدلة ظنية "فيها" أي في أصول الفقه وعدها منها "لأن القطع" بكونها أدلة فقهية "من مآله" يعني من مآل ذكرها وبحثها هناك. "فهو "أي ما ذكر من الظنيات "وإن الفي" وجد "غير قطعي" الثبوت فإنه "يرجع في المعنى" باعتبار أن وجوب العمل به قطعي "لحكم القطع" فيكون بذلك الاعتبار قطعيا. ظاهر كلام الناظم - ﵀ - أن ذكر المظنونات المذكورة في كتب أصول الفقه إنما حصل من جهة أن لها حكم القطعيات باعتبار قطعية وجوب العمل بأصلها - القياس - خبر الواحد - في الجملة من غير ملاحظة التفاصيل، لأن الأصل إذا قطع العمل به فكل التفاصيل المبنية عليه داخلة فيه بالمعنى. ظاهر كلام إمام الحرمين في "البرهان" أن الأصولي حظه أن يذكر أن خبر الواحد والقياس - مثلا - مقطوع به في بناء الأحكام الفقهية لكن لما كان بيان حقيقة هذا الذي قطع بأنه تبنى عليه الأحكام الفقهية ذكرت هذه التفاصيل ليتبين المدلول - المعنى المقصود - ويرتبط الدليل - الذي دل على ذلك المعنى - به ونص كلامه "فإن قيل: تفصيل أخبار الآحاد والأقيسة لا يلفى إلا في الأصول وليست قواطع" قلنا حظ الأصولي إبانة القاطع في العمل به، ولكن لا بد من ذكرها ليتبين المدلول ويرتبط به الدليل (^١).
"قال الإمام" أَبُو عبد الله "المازري" بفتح الزاي وكسرها: أحد أئمة المالكية في كتابه "إيضاح المحصول من برهان الأصول" - على ما نقل عنه - "أَنَّهُ" في واقع الأمر"لا وجه" صحيح على طريقة القاضي "أن حوشي" أي استثني واخرج "ذا" أي هذا الذي تقدم من الأدلة الظنية "من هذه" الهاء هاء السكت يعني من هنا وذلك لأنها قواعد تعرض عليها الجزئيات للحكم عليها، ومن ثم "فهي قوانين" كليات جرى و"استقر حكمها"مقتضاها "في غيرها"من الجزئيات التي تعرض عليها "فصح فيها رسمها" أي
_________________
(١) الموافقات ج ١/ ص ٨.
[ ١ / ٨٨ ]
٦٥ - قَالَ وَمِنْ أَبِي الَمْعَالِي يُحَسِّنُ … إِخْرَاجَهَا مِنْهَا وَهَذَا بَيْن
٦٦ - إِذْ الأُصُولِ عِنْدَهُ الأَدِلَّةَ … وَهِيَ بِحُكْمِ القَطْعِ مُسْتَقِلَّةً
٦٧ - كَمَا رَأَى القَاضِي لَا يُحَسِّنُ بِهِ … إِخْرَاجَهَا تَمَسُّكًا بِمَذْهَبِهِ
٦٨ - حَيْثُ أُصُولُ الفِقْهِ لَيْسَتْ عِنْدَهُ … إِلَّا أُصُولَ العِلْمِ فِيمَا حَدُّهُ
حكمها ومقتضاها، ألا ترى أن الأقيسة مثلا قوانين كلية فهي وإن كانت مظنونة، فإنها وضعت لا لأنفسها لكن ليعرض عليها أمر غير معين مما لا ينحصر مما يصح ان يعرض عليها فهي في ذلك كالعموم والخصوص من حيث أنهما أمران ثبوتهما في الألفاظ ظني، حتَّى قيل لا صيغة للعموم تخصه، ومثله الخصوص، وإنما يعلم ذلك بالقرائن، وبذلك فهما ظنيان إلا أَنَّهُ وإن كان مظنونا وجودهما في مدلولات الألفاظ حقيقة فإنهما معياران تعرض ما يصح أن يعرض عليهما من الألفاظ فيرتسم حكمهما فيما يصح أن يرتسم فيه. هذا هو ظاهر كلامه، والله أعلم.
ثم "قال" المازري" ومن أبي المعالي" إمام الحرمين الجويني "يحسن" بمقتضى تعريفه الآتي للأصول "إخراجها" أي إخراج تلك المسائل الأصولية الظنية المذكورة "منها" أي من أصول الفقه وعدم عدها منها، "وهذا" الذي ذكرته من حسن إخراج إمام الحرمين لها من الأصول هذه "بين" واضح جلي يؤخذ مما عرف به أصول الفقه وحدها به "إذ الأصول" أي أصول الفقه "عنده" وفي رأيه "الادلة" يعني أدلة الفقه وهي - عنده - الأدلة السمعية وأقسامها: نص الكتاب ونص السنة المتواترة، والإجماع. ومستند جميعها هو كلام الله - تعالى -. "وهي بحكم" أي بوصف" القطع مستقلة" منفردة عما ليس مقطوعا به، ألا ترى أنه عبّر بلفظة النص ليدلك على ذلك، ثم شرط فيما يكون من السنة دليلا أن يكون نصا ومتواترا. وعلى هذا فإن عده هذه الظنيات من الأصول مخالف لهذا الذي حدها به.
"كما رأى" المازري أن "القاضي" الباقلاني "لا يحسن" ولا ينبغي له "إخراجها" أي هذه الادلة الظنية من الأصول عملا و"تمسكا بمذهبه" في هذا الشأن - تعريف أصول الفقه - "حيث" تعليلية، بمعنى لأن - هنا - "أصول الفقه ليست عنده" أدلة قطعية، وما هي "إلا أصول" أدلة "العلم" الشرعي - الأحكام الشرعية - بناء على ما عرف به أصول الفقه و"فيما حده" به حين قال "أصول الفقه أدلته، فالأدلة الدالة على أحكام
[ ١ / ٨٩ ]
٦٩ - وَلَيْسَ بَيْنَ الأَصْلِ وَالقَانُونِ … فَرْقٌ فَلَا بُدَّ مِنْ اليَقِينِ
٧٠ - وَمَا مِنْ الأُصُولِ ظَنِّيًّا يَقَعُ … مِثْلُ التَّفَاصِيلِ فَآتٍ بَالتَّبَعْ
الشرائع أصولها، والعلم بها هو العلم بالأصول ومقتضى هذا دخول ما تقدم من الظنيات في الأصول لأنها داخلة فيما يدل على الأحكام الشرعية. ولما ذكر المصنف هذا الذي نقله عن المازري قال رادا عليه: "وليس" في واقع الامر "بين الأصل" الذي عبر به بعضهم وبين "القانون" الذي عبر به المازري "فرق" في المعنى وبناء عليه "فـ" أَنَّهُ "لا بد من "حصول "اليقين" أي القطع بثبوتهما، إذ بناء الأحكام الشرعية عليهما يقتضي ذلك فلا يصح بناؤها على ظني "و" أما "ما" أي الذي "من الأصول ظنيا يقع "مذكورا في كتب الأصول، ويقع أساسا لبناء الأحكام الفقهية عليه "مثل التفاصيل" التي تقدم ذكرها - كأخبار الآحاد والإجماع السكوتي والقياس - "فـ" أَنَّهُ "آت" ذكره "بالتبع" كما تقدم نقله عن إمام الحرمين.
هذا ما ذكره المصنف في مسألة قطعية الأصول هذه. وقد اعترض على هذا الذي ذهب إليه هنا بعض الناس منهم محمد بن طاهر بن عاشور إذ رأى أن أصول الفقه ليست على الإطلاق قطعية إلا النادر منها، وذكر أن ما اعتذر به إمام الحرمين من إدخال ما ليس بقطعي في أصول الفقه اعتذار واه، ثم قال: ورأيت في شرح القرافي على المحصول في المسألة الثانية من مسائل اللفظ في الأمر والنهي أن ابن الأبياري قال في شرح البرهان: "مسائل الأصول قطعية ولا يكفي فيها الظن ومدركها قطعي ولكنه ليس المسطور في الكتب بل معنى ذلك أن من كثر استقراؤه واطلاعه على أقضية الصحابة ومناظراتهم وموارد النصوص الشرعية حصل له القطع بقواعد الأصول، ومتى قصر عن ذلك لا يحصل له إلا الظن" (^١). ثم رد على القرافي قائلا: "وهذا جواب باطل لأننا بصدد الحكم على مسائل أصول الفقه لا على ما يحصل لبعض علماء الشريعة. ثم قال "وقد حاول أَبُو إسحاق الشاطبي في المقدمة الأولى من كتابه "الموافقات" الاستدلال على كون أصول الفقه قطعية فلم يأت بطائل.
_________________
(١) مقاصد الشريعة الإسلامية للطاهر بن عاشور ص ٥.
[ ١ / ٩٠ ]