لقد عرف نظم الأندلسيين واشتهر في الجملة بفضيلة السمو عن نقيصة الاعتياص، وبالصياغة الرشيقة الأنيقة، فهو سائغ عذب شرابه، حلو ذواقه.
نعم هو كذلك، إلا أن ما كان منه في نظم العلوم قد يخفض قدره في هذا الشأن، لما يلزم به ذلك النظم من الإتيان بما يعد حشوا من الكلام، يلزم بذلك إتمام الأبيات وتحصيل القافية، وسلطان الوزن.
وفي هذه المنظومة الجميلة لابن عاصم لم يتخط هذا الأمر، فهي من النظم الأندلسي الحلو الجميل إلا أنه قد اضطر فيها إلى الإتيان بكلمات مستغنى عنها، وإنما جاء بها لإتمام أبيات عرض له فيها ذلك.
وقد نبهت على بعض منها في ثنايا هذا الشرح، وبعضها سعيت إلى أن أفسره تفسيرا يكون به لتلك الألفاظ معاني مرتبطة بمعاني الأبيات التي وردت فيها، ويحصل به لها معنى مفيدا، وإن كان من الظاهر عندي أنها زائدة، وإنما أفعل ذلك درءا للحشو على قدر المستطاع.
[ ١ / ٢٩ ]
كما أنه قد اضطر فيها إلى التصرف في أفعال بالإتيان بها على صيغ غير واردة فيها - على ما رأيت - ومن ذلك لفظة (تقسمت) الوارد في قوله:
ثم المشتقات لدنيوية … تقسمت بعد وأخروية
والمعروف هو "انقسم" من قولك قسم فلان الشيء فانقسم. ومنه - أيضا - لفظة "يتّذى" الواردة في قوله:
فليس للشارع قصد في بقا … ما يتذى من وقعه أو يتقى
والمعروف إنما هو "يتأذى" بالضم، إذا بنيت يتأذى - بفتح الياء - للمفعول.
ومنه لفظة "التصريف" الواردة في قوله:
إذ قصده الإخراج بالتكليف … عن داعيات النفس في التصريف
والمعروف في المعنى المقصود به لفظ التصريف هنا هو "التصرف".
وقد استعمل هذه اللفظة مكررا لها.
نعم قد تكون هذه الألفاظ ثابتة عنده لغة من حيث النقل. أو من جهة النحو، فتكون جارية على سنن الصواب، ولكنه أمر لسنا على بصيرة به، فلذلك نظمناها في سلك ما فيه نظر وبحث وعليه اعتراض.
وأما ما وعد به من تقريب (الموافقات) للقارئ وتبسيطه له فإنه - على ما يظهر من تصرفاته في هذا النظم - قد توسل إليه مما يراه وسيلة إلى ذلك، وهو الترتيب للكلام على وجه يتضح به المراد منه، وحذف الاعتراضات والإيرادات، والاكتفاء بالإشارة إلى ورود الأدلة في الموضع الذي كلامه فيه، بيد أن هذا لا يبلغ مرتبة البيان الذي ينحل به ما انعقد من كلام المصنف، ويفتح به ما انغلق منه، ويظهر به ما انطوى فيه من فوائد معرفية، عميقة في أحوال النفوس والقلوب.
وعلى هذا فنظمه - رحمه الله تعالى - نظم سائغ شرابه، حلو مذاقه، جميل نسجه، لا ينكر ذلك إلا معاند يكابر الحقائق، ويجحدها، وأما ما فيه من أمور قد تعد حشوا، وغامض الكلام فإنه لا يرجع عليها بأي ثلب مؤثر في قيمته البيانية والعلمية، لما تقدم من أن المنظومات العلمية لا تخلو من مثل هذا.
[ ١ / ٣٠ ]