لم أتخط في شرحي لهذه المنظومة حد البيان لمضامينها ومعانيها، وقد انتحيت في ذلك منحى الإيجاز، وإن كانت بعض المواضع فيها جديرة بالإطناب لعظم فوائدها، وعظم الحاجة إليها.
ثم إني اعتمدت على الأصل (الموافقات) في هذا العمل، وفي هذا الشأن أحب أن أنبه إلى أمرين:
أحدهما: أني أتصرف أحيانا في كلام الشاطبي بالزيادة والنقص رغبة في البيان والإيضاح، والإيجاز، وبذلك فما أنقله منه قد لا يكون مطابقا للفظ الأصلي منه.
ثانيهما: إني في بعض المواضع أنقل عنه ولا أنسب له ما نقلته عنه فيها اتكالا على أن القارئ قد يدرك ذلك باعتبار قرينة مقام الكلام.
[ ١ / ٣٢ ]
هذا وإن سعيي في هذا الشرح إنما هو لبيان معاني هذه المنظومة، وتقريبها لطلبة العلم ذوي المنة في الحفظ والتحصيل، ورب قائل يقول: أن هذا الشرح لو فرض أنه على أبدع صورة ممكنة لشارح مثلكم ما كان إلا نسخة مكررة من الأصل (الموافقات) وبذلك فإنه لم يكن إلا اجترار لما في هذا الأصل، فخلا بذلك من أي فائدة زائدة عن ذلك.
الذي أراه أن الأمر ليس كذلك فإن في الأصل نفسه ما يحتاج إلى البيان وقد سعينا إلى بيانه على قدر المستطاع، وربما أزلناه بالنقل لكلام بعض أهل العلم في ذلك.
ثم إن الغرض من النظم للمعارف هو حفظها المتوسل به إلى تحصيلها، والحفظ وحده لا يتم ذلك المراد منه ما لم يفهم متضمن المحفوظ، ويشرح معناه، فإذا فهم بعدما حفظ حصل المراد، وتحقق الغرض.
والأصل ليس شرحا على الوجه المطلوب، فلا سبيل إلى الاكتفاء بالتوسل به إلى ذلك المراد. ثم إن الذي دل عليه واقع الحال أنه قد يحصل الاستغناء بالنظم وشرحه على الأصل المنظوم، كما هو مشاهد ومدرك لكل من يفارس دراسة العلوم وتدريسها، حتى إن المنظومات وشروحها في الغالب هي المتداولة في مدارس العلوم الشرعية الأصلية الحقيقية، وما ذاك إلا لما في ذلك من مزية الجمع بين التحصيل والفهم.
وهذا لا ينكره إلا من ينكر المحسوسات والضروريات. فإذا عرفت هذا أدركت أن هذا العمل ليس اجترارا، ولا تكرارا، كما أنه ليس سهمه طائشا بل لغرض جليل القدر يعلم مما تقدم، وهذا سهمه مسدد يدركه كل من مارس تعلم العلوم وتعليمها بالطريقة الأصلية، على بداهة، وبالضرورة.
هذا على وجه الإجمال صورة شرحي هذا من جهة الغاية والمضمون، وأما من جهة المنهج فإني قد اخترت في شأنه الشرح الممتزج بالمتن - كما ترى - لأنه - في نظري - أفضل لأنه يفك به الكلام - المنظومة - ويظهر به المراد، ويصير جملة القول كأنه كتاب واحد.
[ ١ / ٣٣ ]
وقد يلاحظ أنه في بدء الشرح كنت أذكر بعد المسألة مضمونا، ثم أقول بعد ذلك قال الناظم، ثم بدا لي تبديله بمزج كلام الناظم مع الشرح بحيث يتوسل إلى إسقاط هذه الكلمة التي أراها غير مناسبة لنسق الكلام وسلاسته، وإن كان ذكرها يوجه بأنه قصد به ذكر بدء النظم فقط.
والله ولي التوفيق.