في إثبات تلك الأحكام، ويجري فيها القياس.
فما سبيل الخروج عن المطالبة دون إبداء المناسبة فيها؟ [أو ما سبيل إبداء المناسبة فيها؟، أو] ما وجه الافتقار إلى المناسبة في الآمثلة السابقة، [إن لم نفتقر إليها في هذه الأمثلة]؟
فالجواب: أن هذه الأمثلة اختلف الأصوليون في تسميتها: فمنهم من عبر عنها: بأنها في معنى الأصل. وهذا عندنا كلام مجمل. والوجه: تسميتها قياسا، ولكن ليس من قبيل الأمثلة السابقة. فإن القائس- في مثل هذه الأمثلة- لا يجعل السبب المؤثر في حكم [مؤثرا في حكم] آخر، حتى يطالب بإثبات المجانسة بين الحكمين، بالاستواء في المناسبة. ولكنه يجعل السبب مؤثرا في عين الحكم الذي ظهر أثره فيه، ولكن في محل آخر غير منصوص عليه إذ [قد] ظهر تأثير اللمس والمس وخروج الخارج، في إيجاب الوضوء؛ وهو يجعلها مؤثرة في إيجاب الوضوء.
[ ١٢٩ ]
نعم، لو قال [قائل]: هذه الأسباب إذا نقضت الطهارة، ينبغي أن تنقض الصوم- لكان هذا وزان الأمثلة السابقة، ولقيل له: لم قلت: إذا ظهر تأثيره في نقض الطهارة ينبغي أن يظهر في نقض الصوم؟ ويضطر إلى إبداء المجانسة بالاستواء في المناسبة.
[نعم: نرى] أن يلقب هذا القياس بتنقيح مناط الحكم ومتعلقه. وسنذكر أمثلة هذا الجنس في موضعه.
وقد سمى فريق من الأصوليين هذا الجنس: دلالة الخطاب. وسماه آخرون: ما في معنى الأصل. وحاصل ذلك يرجع إلى تنقيح متعلق الحكم ومناطه، بإلغاء ما اقترن [به] وفاقا غير مقصود باضافة الحكم إليه. فإن قوله: «[من] مس ذكره فليتوضأ»؛ إضافة الوضوء إلى مس الذكر لا باعتبار أنه ذكره؛ ولكن جرى ذكر الإضافة إليه وفاقا، لأنه الغالب في المس؛ إذ يبعد أن يمس الإنسان ذكر غيره.
وكذلك قوله ﵇: «من أعتق شركا له في عبد» [الحديث].
[ ١٣٠ ]
فإعتاق البعض سبب السراية [لإعتاق كل العبد]؛ ولكن جرى ذكر العبد وفاقا: لأنه السابق إلى اللسان في العادة. فهو- بحكم العادة- كناية عن الرقيق.
وكان كقوله ﵇: «أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه». والمرأة ملحقة بالرجل، ولكن جرى ذكر الرجل وفاقا: لأنه السابق إلى اللسان، فهو- بحكم العادة- كناية عن الإنسان في هذا المقام.
وكذلك لو قال لزوجته: أنت طالق يوم يقدم زيد، فقدم ليلا- طلقت عند أكثر الفقهاء، لأن اليوم في هذا المقام- بحكم العرف- كناية عن الوقت، فإنه السابق إلى اللسان.
[ ١٣١ ]
وكذلك قال رسول اللهﷺ- «لا يبلون أحدكم في الماء الراكد» يتضمن تحريم صب البول من الكوز في الماء؛ لأن المفهوم المنع من تنجيس الماء بإلقاء النجاسة فيه؛ ولكن الإنسان بطبعه ممتنع من إلقاء النجاسات في الماء من غير غرض؛ وإنما يتفق منه البول في الماء؛ فجرى تخصيصه وفاقا بحكم العادة.
وهذه أمور تعرف من دلالة الخطاب، وسياق الكلام، وقرينه الحال. فنتجاسر على الإلحاق ونتقصى عن المطالبة في هذا الجنس من الإلحاق، بهذا [٢٤ - أ] الفن في الكلام.
والجواب الآخر: أن هذا الجنس- أيضا- غير خارج عن فهم نوع من المعنى. فإن المس نوع هتك: إذ هو مقدمة الإمذاء؛ فإنه يحرك الآلة، ويبعث الشهوة، ويذكر الوقاع؛ فيخرج المذي: فينتقض الوضوء، لكونه سبب خروج المذي وإن لم يخرج.
وكذلك: لمس النساء سبب الإمذاء، فينتقض الوضوء وإن لم يمذ.
[ ١٣٢ ]
كما كان النوم سبب خروج الريح، فكان حدثا وإن لم يخرج. وكذلك: التقاء الخانين سبب خروج المني، فجعل جنابة وإن لم يتحقق.
وخروج النجاسة- على الجملة- يناسب الاشتغال بالتطهير في محل النجاسة، وفي جميع البدن. ولكن حط استيعاب للعسر، واقتصر على الأعضاء الظاهرة في الغالب. فهذه المعاني تفهم من هذه الأسباب في التخصيص، وفي التعدية: إما بنفسها، وإما بكونها قرينة معينة في فهم مناط الحكم من جهة المذكور، ومنبهة على إلغاء ما لا مدخل له في هذا النوع من التأثير.
فهذا طريق تقرير هذا الفن، وقد سمينا هذه الأجوبة: تنبيها، وهي- على التحقيق- خيال في مقابلة خيال؛ وهو: سياق نوع من الجدال، وتمهيد طريق إلى التخييل والاحتيال.
وإنما الكشف الشافي ما نذكره الآن، وهو [أن] قول القائل: إذا ظهر تأثير العلة في حكم، فلم ينبغي أن يؤثر في جنس آخر من الحكم؟ إن كان محل التعدية جنسا آخر. وإن كان عين الحكم أو مثله، فكيف تتصور- مع تسليم كونه مؤثرا- المنازعة في الحكم مع وجود المؤثر فيه؟.
وهذا خيال لا طائل وراءه: فإن العلة إذا ظهر تأثيرها فيحكم، فلا تستعمل في إثبات حكم آخر- أعني: في إثبات نوع آخر من الحكم-
[ ١٣٣ ]
بل تستعمل لتعدية ذلك الحكم بعينه إلى محل آخر، على لسان الفقهاء. وهو- على التحقيق- إثبات مثل ذلك الحكم في محل آخر.
وهو كالأمثلة التي ضرناها في اللمس والمس وخروج الخارج؛ فإنه جمل علة لانتقاض الوضوء: فلا يستعمل إلا في انتقاض الوضوء؛ ولكن في محل آخر غير محل النص: كمس ذكر الغير، ولمس المرأة الرجل، وخروج الدم من غير المخرج المعتاد. وجميع الأقيسة تجري على هذا المثال: فإن القياس لتعدية حكم المنصوص بالعلة المتعدية، وتعميمه لعموم العلة. ولو كان يثبت بالعلة جنس آخر من الحكم: لم يكن هذا تعدية المنصو؛ بل كان ابتداء لحكم على سبيل الاستئناف. فلعتقد هذا في كل قياس.
أما المثال الذي ضربناه في تقديم الأخ من الأب والأم في الميراث، وقياس التقديم في ولاية النكاح عليه- فهو من هذا القبيل: لأن الاختصاص بهذه المزية علة التقديم في الإرث، فيعمم التقديم؛ وهو قضية معقولة، ونعديه إلى محل آخر وهو: ولاية النكاح. وتكون نسبة ولاية التزويج إلى الإرث، كنسبة الزبيب إلى التمر في الربا؛ فإن الطعم والكيل حرم الفضل في التمر، فيثبت تحريم الفضل في الزبيب: للاشتراك في العلة.
وكذا: الصغر علة ولاية المال، وولاية البضع- في حق الابن، فيجعل علة ولاية البضع في حق الثيب [الصغيرة]، لأنه عقل كونه
[ ١٣٤ ]
علة الإجبار والولاية [في البضع] في حق الابن، وهو محل الحكم، فيعدى إلى البضع في [حق] الثيب؛ والبضع ينزل من المال منزلة نوع من المال مع نوع آخر، ومنزلة الزبيب من التمر في الربا.
فالحكم الثابت في محل الإجماع بعينه، يعدى [٢٤ - ب] ويعمم بالقياس. وكذلك نطرد هذا الجنس في جميع الأمثلة التي ذكرناها.
وإذا نبهنا على الطريق: لم يخف وجه التقرير في جميع الأمثلة؛ وما خرج من هذا الجنس فليس من القياس في شيء.
فإن قيل: أليس جعل الشرع القتل علة الحرمان في الميراث، فجعل [بالقياس علة] بطلان الوصية، وهو حكم آخر. وقد قال تعالى: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل﴾، جعل الضعف والسفه علة قضاء الدين، فجعل علة الإجبار في سائر التصرفات: من البيع والإجارة، وغيرهما؟
قلنا: هذا داخل الحد الذي ذكرناه. وإنما المفهوم أن الضعف
[ ١٣٥ ]
بالصغر والسفه سبب نيابة الولي المشفق عنه، فيما تمس حاجته إليه: من قضاء الدين؛ فسائر ما تمس حاجته إليه ينزل من محل النص منزلة سائر المكيلات والمطعومات من المنصوص في الربا. والثابت بالنص في قضاء الدين: [النيابة] بعلة الصغر في محل الحاجة؛ فعديت النيابة إلى كل ما تتعدى إليه الحاجة.
وأما الوصية، فمن يبغي الإلحاق: يتكلف التلفيق بهذا الطريق، ويثبت أن استحقاق المال [بمجرد مطلق] الموت نوع خلافه؛ تارة يستفاد بالقرابة، وأخرى بالزوجية، وطوروا بالوصية؛ فالكل باب واحد؛ فيرجع الافتراق إلى العدد كما في الربويات، أو يقول: المفهوم من النص معارضته بنقيض قصده فيما تعدى باستعجاله؛ وفي هذا تشترط الوصية والإرث ويرجع التمييز إلى العدد، وهذا شرط كل قياس. وما خرج عن هذا القياس، فليس من القياس في شيء.
يبقى خيال السائل: أنه إذا سلم كونه مؤثرا، فكيف يتصور النزاع في المسألة بعد الإجماع على وجود ما هو المؤثر؟
[ ١٣٦ ]
قلنا: من سلم الإجماع على كون الوصف مؤثرا، وسلم سلامته عن المعارضة في محل النزاع- لم يتصور منه النزاع مع ذلك إلا بجحد أصل القياس. وإنما منشأ النزاع أحد أمرين: إما الاسترابة في كون الوصف مؤثرا بالإجماع والمجاحدة فيه، أو اعتقاد معارضة في الفرع.
أما مثال الأول: فكمنازعتنا لأبي حنيفة في دعواه أن المؤثر في إطال هبة المريض حق الغريم؛ فإن من أصحابنا من يعتقد: أنه بطل تصرفه نظرا له في نفسه، وليس من النظر إبطال إقراره؛ وإنما ننازعهم: لأنا لا نسلم كون هذا الوصق مؤثؤا بالإجماع.
فطريقه أن يكشف عما يدعيه: من الإجماع؛ وهو إبطال ما ندعيه: من المعنى؛ ليتعين معناه. فإنه حكم لابد من تعليله بما يتضمنه المرض الحادث. والذي يمكن أن يقدر علة [لا يزيد] على المعنيين؛ في بطلان أحدهما إثبات الآخر. فيقول: إبطال تصرف العاقل نظرا له، لا عهد به. وإبطال تصرفه لحق الغير [عهد في الشرع في مواضع بالإجماع؛ فإحالة الحكم في هذا المقام إلى ما] عهد في الشرع اعتباره في إبطال التصرفات أولى؛ لأنه معنى عرف بالإجماع تأثيره في جنس هذا الحكم.
فيرجع مثار النزاع إلى أنا لا نعترف بالإجماع أولا، فلو اعترفنا
[ ١٣٧ ]
أولا بالإجماع: لما نازعناه رفي الإقرار إلا بتقدير [٢٥ - أ] دليل في الإقرار يعارض ما ذكروه، وهو قياس الإقرار على النكاح وسائر التصرفات، لرابطة الحاجة؛ ويتبين به أن حق الغريم لا يمنعه إلا عما يستغني عنه في هذا المقام. بخلاف حق الغريم في الرهن والتركة وغيره.
وأما الجنس الآخر من المنازعة- بعد تسليم التأثير- فينشأ من تقدير المعارضة: كما ذكرناه على أحد التقديرين في مسألة غرماء المرض والصحة، وكما نعتقد في مسألة الثيب الصغيرة، ويعتقد أبو حنيفة في مسألة غرم السارق.
فأما مسألة الصغيرة، فنسلم أن الصغر علة الولاية في حق الابن وفي حق ولاية المال؛ نسلم وجود الصغر في [عين] محل النزاع؛
[ ١٣٨ ]
ولكن نقول: عارض الصغر الثيابة، وهي علة لإسقاط الولاية بنصب الشارع إياها علة، بقوله: «الثيب أحق بنفسها من وليها».
ويسلم الخصم وجود علة الضمان [في السارق] ولكن يقول: عرضه وجوب القطع، ومن ضرورته إسقاط الضمان بتقدير انتقال العصمة إلى [اليد] كما قرروه في تلك المسألة.
ولو استعمل سائل هذا الاعتراض على طريق المطالبة والممانعة، وقال: لا نسلم أن تلف المال تحت اليد العادية سبب الضمان لمجرده، بل هو مع سقوط القطع هو السبب؛ والصغر مع انتفاء الثيابة هو العلة- فهذا كلام فاسد يضاهي كلام من يقول: العلة ما ذكرته مع
[ ١٣٩ ]
السلامة عن المعارضة [فإذا ذكر وجه السلامة عن المعارضة] فهو مردود عليه؛ والمطالبة متوجهة عليه بإبداء المعارضة، إذا ليس هذا جاريا مجرى أجزاء العلة، بل له منصب الاستقلال.
فإن قيل: فبماذا تنقطع المطالبة إذا قال السائل: سلمت تأثير العلة في ذلك المحل، فما دليل تأثيره في محل النزاع؟
قلنا: هذه المطالبة ساقطة بمجرد تسليم التأثي، وكان كقول القائل: سلمت أن الكيل هو المؤثر في تحريم [ربا] الفضل في البر، وسلمت وجود الكيل في الجص؛ ولكن لم قلت: إذا أثر ثم، ينبغي أن يؤثر ها هنا؟ وهذا تشوف إلى حسم باب القياس؛ وليس يحتاج المعلل إلأى إظهار وجه المناسبة بعدما سلم له كون الوصف مؤثرا في الحكم في موضع ما: لأن معنى كونه مؤثرا [هو]: أن الحكم حصل به ومن أثره، وأن الشارع نصبه علة موجبة، وقد عرف ذلك بالإجماع، فصار كما لو عرف ذلك بالنص والإيماء.
وقد بينا أنه يستغنى فيه عن إبداء المناسبة، وإن كان يبعد انفكاكه عن مناسبة ما. فقل ما يوجد- من تصرفات الشرع- ما يجري على مذاق التحكم الجامد المحض؛ ولكن: لو وجد وجب اعتباره في غير
[ ١٤٠ ]
محل النص، بحكم الدليل الذي دل على أصل القياس، وكان هذا كما لو قال: لا تبيعوا التمر بالتمر لأنه حلو؛ فيعتر الزبيب به بجامع الحلاوة، بعد أن عرف الشرع كونه علة وإن لم تعرف مناسبته ووجه اقتضاء تحريمه من طريق المصالح. وإذا قال: لا تبيعوا البر بالبر لأنه أيض؛ قيس عليه الأرز وإن لم تعرف مناسبته. ولم نلتفت إلى قول القائل: أن البياض علة في البر لا في غيره، والحلاوة علة في التمر لا في غيره.
والسبب في ذلك كله- وهو طريق الرد على منكري القياس-: قضاء العقول باتباع الأسباب، والأعراض عن المحال. فلا فرق في [٢٥ - ب] عقل حملة الشريعة- بين أن يقول الشارع: اقتلوا ما عزا لأنه زان؛ وبين أن يقول: اقتلوه لأنه طويل- في أنا نطرد إيجاب القتل في حق جميع الزناة وجميل الطوال، وان انتفت المناسبة؛ لأن المناسبة طريق يعرف بها كون الوصف منصوبا من جهة الشرع علما على الحكم وعلة له؛ وهي دون النص والإجماع، فإذا ظهر بالنص أو الإجماع: أغنىعلى إظهار المناسبة.
ورجع حاصل هذا المسلك إلى أن الوصف إنما يصير علة: إذا علم أن الشارع جعله علة؛ وإنما يعرف جعل الشارع إياه علة: بنصه،
[ ١٤١ ]