ونحن نكشف الغطاء عن هذه العمايات، وملتطم هذه العبارات، بضرب الأمثلة: حتى يطلع الناظر على غور هذا الفصل، فلقد قل في [هذا] العصر من يستقل بفهم هذا الكلام، فضلا عن درايته، والاستبداد بتقريره إلى نهايته. فنقول:
اختلفت المذاهب في الطرد والعكس والشبه، فمنهم: من قال بأحدهما دون الآخر، ومنهم: من أنكرهما، ومنهم: من قال بهما. ونحن نقول:
مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك-ي- القول بهما، فإنهم قالوا: بالشبه، وهو أضعف من القول بالطرد والعكس.
ونحن نذكر الدليل، ثم [ننتقل إلى] الأمثلة، وبتقرير الأمثلة يتبين الدليل، فإن الدليل على هذه الأمثلة: أن نبين أنها محصلة غلبة الظن، وذلك يحصل بضرب المثال.
أما الدليل الجملي، فما ذكرناه في الطرد والعكس، وهو: تلوه، لأنا قد بينا أن الوصف [٤٨ - ب]- الفارق بين الحالتين في ذات واحدة- أوجب إضافة الافتراق في الحكم إليه، لأنه هذا افتراق واقع لم يكن: فافتقر إلى علامة معرفة، وليس ذلك إلا الوصف الظاهر. وعماد هذا الكلام أن لا يظهر وصف [آخر حادث] سوى ما ذكر،
[ ٣١١ ]
وظهوره ممكن، وعلى المجتهد البحث عنه، وعلى المعلل الانتهاض لردة: إذا ذكر، ولا شيء عليه قبل أن يذكر. فكذلك الفارق بين الذاتين: كالفارق بين الحالتين في ذات واحدة.
فإذا قال الشارع: القاتل لا يرث، فهمنا أن القتل علامة الحرمان، ناسبت أو لم تناسب، فإنه لو قال: الطويل لا يرث، والأسود لا يرث، لكنا نقول: الطول والسواد علامة، وهما يتضمنان وجها في المصلحة لا نطلع عليه. ولو لم يرد هذا اللفظ، ولكن عرف من الإجماع أنه لا يرث، أو حكم - ﷺ -، في شخص أخبر عن قتله، بأنه لا يرث- لكنا نفهم كون القتل علامة للفرق بين الوارث وغير الوارث، بإضافته إلى شخص آخر: يساويه في القرابة، إذ يقال: لا يفارقه إلا في كونه قاتلًا، فهو المناط- كما يقال: لا تفارق حالة الشدة ما قبلها، إلا في الشدة- وإن احتمل أن يكون المناط معنى يتضمن القتل، ولكن ذلك لا يمنع جعل القتل علامة، إلا أن يتبين متضمن له أولى بالاعتبار منه.
[ ٣١٢ ]
والغرض: أن إضافة الحكم إلى شخص، كإضافة الحال إلى حال: في قضاء العقل بإحالة الافتراق على الوصف الظاهر المفرق [أولا، وتتمة] هذا النظر: ببيان أنه لا فارق سواه يجاور الوصف الظاهر، أو يتضمنه الوصف الظاهر.
وكذلك: إذا عرف أن الأسود لا يرث، فيعرف كون السواد علامة- بمقابلته بالأبيض، كما يعرف ذلك بمقابلة بحالة سابقة- على ذلك الشخص بعينه- كان فيها أبيض.
وكذلك القول في الرق: يعرف كونه علامة الحرمان، بتقدير الطريان مرة على شخص واحد، وبتقدير الإضافة إلى ذات حر.
فالفرق مطلوب بين الذاتين، كالفرق بين الحالتين، وإذا لم يكن بد من الفارق- ولا فارق إلا الوصف الذي ادعاه المعلل-: فهو مناط الفرق: إن سلم أنه لا فارق إلا ذلك، كما قررناه في الفارق بين الحالتين المتعاقبتين على ذات واحدة يجرى- في حق المجتهد والمجادل المعلل- على ذلك المذاق بعينه، فإنه [هو هو، ودليله دليله] وإنما يتضح وجه الدلالة، بضرب الأمثلة.
وعلى الجملة: لا يجوز التحكم بجعل الوصف علة بالتشهي، بل
[ ٣١٣ ]