ويجعل الوصف الذي ذكره أول رتبة من مراتب النظر، ومرقاة من مراقية؛ إلى أن يستنزل عنه بالمعارضة بمثله، أو بما هو أولى منه.
قلنا: ليس هذا السؤال عن مسئلة شرعية، حتى يفتي فيها بتحليل أو تحريم، أو إثبات أو نفين لا كالطرف السابق: فإن النظر فيه يتعلق بقطب ديني عظيم، وإنما هذه مسئلة جدلية؛ والجدليات رسميات واصطلاحات، وكل فريق اصطلحوا على أمر، فالوجه أن يساعدهم الواحد الفرد، ويندس في غمارهم، ويكلمهم بمعتادهم، هذا هو الأصل بعد استمرار العادات، وترسخ الاصطلاحات.
نعم: لو سئلنا عن أولى ما يصطلح عليه، وأليقه بمقصود الجدال ومصلحته؛ فقد نبدي فيه ما نبديه، فنقول: أما الذين ذهبوا إلى [أنه لا يقبل] إلا المؤثر -وهو المراوزة وأهل سمرقند في عصرنا هذا -فلا يقطعون المطالبة إلا بإبداء التأثير؛ وقد يطلق الإنسان فيما بينهم الإخالة، فتنفر طباعهم، [وتشمئز نفوسهم] لرؤيتهم في كتاب أبي زيد -أن الإخالة باطلة في الجدال.
فطريق المناظر معهم، أولًا: أن يهجر لقب الإخالة، ويسمي مخيلة: مؤثرًا؛ ووجه الإخالة: تأثيرًا، ويظهر الإخالة بلقب التأثير، فيروح عليهم -بعد التلقيب بهذا اللقب -كل ما سميناه مخلًا
[ ٣٧٩ ]
مناسبًا، كما [تقدم التفصيل فيه]. فمن استمسك- مع هؤلاء- بعلامة لا تناسب، ولم تقطع المطالبة عنه- فطريقه: أن يقيم البرهان الأصولي على جواز التعليل بالوصف الذي لا يناسب، كما قدمناه، فيبتدئ بالإيماء، والإضافة اللفظية، ثم ينحدر إلى الحكم عقيب الوقائع، ثم إلى الطرد والعكس، ثم إلى الشبه، وهو: إعلام الحكم بعلامة لا تناسب. أو يضرب لهم الأمثال نقلا عن الأئمة، ويقرر طريق الظن وثورانه من الوصف الذي لا يناسب، كما تقدم في مسئلة علة الربا-: إن صادف من نفسه منة التقرير، وساعدته حشمة: يستميل [بها] أساعهم للإصغاء إلى كلامه، إلى أن ينهيه إلى تمامه. فإن لم يجد هذه المنة، ولم تساعده هذه القوة [والحشمة] فليكلمهم بلسانهم، وليلقب كل ما سنح له-: من الخيالات البعيدة الإقناعية- بلقب التأثير؛ فيروج عليهم الغث والسمين، والنازل والثمين؛ وتنقطع عنه المطالبة وينغمس في غمرة المسئلة.
[ ٣٨٠ ]
وإن جرت المناظرة مع فريق: يجوزون التعليل بغير المؤثر؛ فهؤلاء- أيضا- ينقسمون:
فأهل بغداد وسائر العراقيين، يلقبون هذا الجنس: بقياس الدلالة؛ فإذا ذكر وصفا غير مؤثر: فليلقبه بهذا اللقب، ليقطع المطالبة عنه.
وإن جرت المناظرة بنيسابور-[ومجامعها- في غالب الأمر، غاصة بالمتلقفين] من أستاذنا إمام الحرمين- قدس الله روحه- فليذكر من الأوصاف غير المناسبة، ما يراه سديدًا: غالبًا على الظن، سليما عن المعارضة؛ وليلقبه بلقب الشبه، وإياه والاعتراف بأنه طرد؛ فيعظم ثوران المستمعين وإنكارهم عليه، وتنفر عنه الطباع، وتنبو عن كلامه الأسماع؛ بحيث لا يصغى بعده إلى كلامه، ولا يزاد على الاستهزاء والتهجين، وليروج عليهم كل وصف طردي لا يناسب، بلقب الشبه [فهو رائج]؛ ولا تتوجه عليه إلا مطالبات بيان وجه التشبيه. فإذا أخذ في كلامه، وقرر وجه الجمع، وذكر: أنه لا فارق إلا كيت وكيت وهي باطلة، وأن لا مسلك للقول بالتشبيه إلا هذا- تلقى ذلك منه بالقبول، وانقلب الاستبعاد من جملتهم إلى المطالب، فهذا هو الطريق في [مجاملة هؤلاء الفرق ومجادلتهم].
[ ٣٨١ ]