وذلك لا يدل على خروجه عن كونه على مرتبة من الكلام يلزمه إفساده بطريقه.
وعلى الجملة: لو سلم أن لا علامة أولى مما ذكره، لاستقام كلامه، ولا يعرف نفي العلامات إلا بالسبر؛ والوفاء بالسبر في الجدل غير ممكن على وجه يقطع السؤال؛ ويلزم عليه إلزام السبر في المناسب أيضا، كما ذكره القاضي.
فإن قيل: المناسب إذا ظهر فهو بظهوره يستثير ظنا، ثم يزول ذلك الظن بالنقض والمعارضة، والوصف الذي لا يناسب [لا استثارة المظن إلا بظهوره وسبر] ما وراءه من العلامات والفوارق [فأول حصول الظن فيه] بالسبر؛ فيلزم ذلك بخلاف المناسب.
قلنا: لا، بل رب وصف غير مناسب يصح التشبيه به؛ وهو بظهوره يستثير ظن الجمع قبل البحث عما وراءه. كقولنا: طهارة حكمية؛ فإنه ينبه في مبتدأ الأمر، على التقارب وعسر الفرق، قبل سبر الفروق الكثيرة المشهورة لأبي حنيفة بين التيمم [والوضوء]. ولو لم نكتف بما أظهره: للزمه أن يتكلم على كل [فرق مهم ويبين بطلانه]؛
[ ٣٩٠ ]
ويتوجه عليه بالآخرة أن فرقا آخر غادرته ولم تطلع عليه. ولا منتهى له. فتكليف المعترض ذكره أولى من [تكليف المعلل] السبر؛ لأن المعترض لا يعدل عن الإظهار- مصرا على المطالبة [٥٨ - أ]- إلا لعلمه بضعف الفرق، وأنه لا يقاوم الجمع.
فإن قيل: فليقبض من المعلل الوصف الذي يستثير الظن، دون الوصف الذي لا يستثير.
قلنا: شرط ذلك في الجدال مستحيل؛ لأن إثارة الظن تختلف بالأشخاص، ويطول فيه النزاع: فيدعى المجيب أنه مثيره، وينكره المعترض، ولا يمكن إثباته بيمين ولا بشاهد؛ فربما لا تجرى المناظرة في مع، فإن جرت: فالجمع يختلفون- أيضا- في اعتقاد كون الوصف مثيرا. فاستحال- في مصلحة الجدال- فتح هذا الباب؛ بل وجب القول بأن ما لا يثير الظن- عند المنصف- فذلك: لأنه يجاوره على القرب ما هو أولى منه. فليذكره حتى يفتضح؛ فهو أولى من رد الأمر إلى معيار مضطرب: تختلف فيه القرائح والفطن [ويبقى النزاع ناشبا
[ ٣٩١ ]
لا ينقطع]، وهذا قطعي عندنا في مصلحة النظر، يعرفه من كثر تدواره على الأشباه في المناظرات.
فإن قيل: [إن كان في فتح هذا الباب نوع عسر لا وفاء به، وضرب خصام لا مقطع له؛ ففي المصير إلى ما صرتم إليه، فتح باب في الهذيان: لا منتهى لقبحه، وتعترفون ببطلانه] من غير احتياج إلى الاعتراض عليه، كقول القائل: الخل مائع لا تنبى النقاطر على جنسه، فلا تزال النجاسة به كالدهن واللبن. وكقولهم: [الخل مائع، فتجوز إزالة النجاسة بعينه كالماء] وكقول بعض المستهزئين: الذكر طويل مستدار فلا تنتقض بمسه الطهارة كالمنارة. ولا ينقطع هذا الجنس عما ذكرتموه: بأنها حسيات؛ فإن الأوصاف الحسية قد تصلح للتشبيه والتعليل عندكم. ورب وصف حكمي لا يصلح، بل هو باطل بلبديهة، كقول القائل: تجب قراءة الفاتحة في الصلاة، لأنها عبادة ذات تحليل وتحريم، فيشترط فيها ذو عدد سبع: كالحج، أو أحد عددي صوم التمتع، فلا تصح الصلاة دونه كالثلاث. والمراد به: آيات الفاتحة.
[ ٣٩٢ ]
أو: الثلاث إحدى مدتي المسح، فلا يجوز الاقتصار عليها في الصلاة كالواحد، إلى غير ذلك: من الهذيانات، فإن [من] مساق كلامكم أن كل ذلك مسموع: يجب الاعتراض عليه.
قلنا: الذين ذهبوا إلى وجوب الاعتراض على الطرد بطريقه- كما تقدم- حاولوا الانفصال عن هذا الجنس، فقالوا: إنما يجوز التعليل بوصف موجود مع الحكم- وإن كان لا يناسب- بشرط أن يصلح لإضافة الحكم إليه. ومنهم من قال: يشترط أن لا تستحيل إضافة الحكم إليه. ومنهم من قال: يشترط أن يكون له في القلب خيال الصحة. وقطعوا- بهذه الشرائط- أمثال هذه الأمثلة، عما قبلوه.
ونحن نقول: هذه الشرائط في الجدال فاسدة؛ إذ يكثر النزاع فيها، فأكثر الأوصاف يتنازع الخصمان في أنها تصلح، أو [أن] لا تستحيل إليه الإضافة، أو له في القلب خيال الصحة. فإن هذا يختلف بالطباع؛ ورب طرف ظاهر تتفق الطباع عليه، ولكن يعاند المعاند بذكره. فلابد من طريق في قطع لسانه، سوى تحكيم العقلاء، [أو تحكيم]
[ ٣٩٣ ]
الحاضرين؛ [فإن الأمثلة الواضحة على الطرفين- في النفي، أو في الإثبات- مما يقل؛ والأكثر هو الأوساط الدائرة بين الطرفين ويطول فيه النزاع].
فأقول: هذه الأمثلة لا يتصور أن يذكرها جاد في الكلام؛ وإنما تذكر على سبيل الاستهزاء؛ [أو على طريق] اللعب بالمبتدئين، أو على طريق التحدي بتمشية الفاسد، وإفحام الخصم بالسلاح الضعيف، كمن [يزعم: أنه] يقاوم الأسنة بأحداقه، [ويصادم النبال بأشداقه؛ شجعا على ضعيف: لا يحتمل السيف والسنان.
فإن فرض معاند يذكر شيئا من ذلك، أمكن إفضاحه- على قرب- بما يقطع لسانه، دون أن يذكر له أنا نعلم- بالضرورة- بطلانه؛ فإنه يقابل ذلك] بالجحد؛ وإنما علم بطلان هذه الأمثلة بالضرورة: بالطريق الذي ذكرناه أولا، وهو: وجود ما هو أولى منه [وأقرب]، ودرك قرب غيره بالبديهة من غير احتياج إلى تأمل.
[فإن ذكر معاند ذلك، فطريق الجدال عندنا]: إفحامه بطريقه، وهو: أن يقال مثلا: استويا في الطول والاستدارة، ولكن افترقا في أن
[ ٣٩٤ ]
هذا ذكر، وذلك ليس بذكر؛ وأن هذا يخرج منه المني، وذاك لا يخرج. [وهلم جرا إلى هذيانات تقابله]. فينقطع به ويجتزئ؛ ويقال [له]: لم يكن امتناع الإزالة بالدهن، لامتناع بناء القنطرة عليه؛ بل لما فيه: من الدسومة؛ بخلاف الخل. فيجتزئ. [ويقابل قوله: الخل مائع، فتجوز إزالة النجاسة بعينه، كالماء: بأن الخل ليس ماء، فيتعين إزالة] النجاسة بغيره، كالدهن.
ولسنا نذكر هذا: لأنا نقدر عاقلا يتعلق بمثله، ويهدف نفسه للافتضاح، وعرضه للتعرض، [وإنما ذكرنا هذا: لنبين] أن طريق الجدال الاعتراض، كما ذكرناه. إذ التمييز بما تقدم لا ينقطع عنه الخصام، [ولا ينبغي أن تنفر الطباع عن هذا الكلام؛ وليعلم] أن امتحان القرائح بالمجادلة [بهذا الجنس] كامتحانه بالمجادلة بالحقائق. فهو- من حيث الإلزام والإفحام، ورعاية الانتظام في الكلام، ومؤاخذة الخصم في مضائق الخصام- غير مختلف. نعم: الامتحان بنوع من التحقيق تكثير فيه الجدوى، [أولى. فلذلك نرى هذا الجنس مهجورا
[ ٣٩٥ ]
من ذوي الجد]. [وإنما يذكر هذا الجنس للعب] والاستهزاء. [٥٨ - ب] فبطلان هذا الجنس- عندنا- ليس لتمييزه عما تقدم بذاته، بل هو الوجه الذي يبطل به ما تقدم: من ظهور ما هو أولى منه؛ إلا أن ظهور غير ما ذكرناه في هذا المقام قد يدرك بديهة. وفيما تقدم قد يدرك بنوع تأمل.
فهذا هو البيان الشافي في [إظهار] مصلحة المجادلة، وهي لازمة على كل قائل بالشبه لزوما ضروريا؛ وإن لم يقل به: انتهى في كل تشبيه نذكره، إلى الانقطاع الصريح الذي لا مخرج له منه بطريق الجدال، [إلا] بطريق الاستبصار والاستشهاد، ومجرد الاستبعاد من غير كلام ينصب في قال الجدال على السداد، فهذا منتهى المراد [في هذا الكلام].
[ ٣٩٦ ]