تعيين وصف من الحادث، أو إلى تنقيح جملته: بإلغاء بعض، وإبقاء بعض. فكل ذلك جار دون المناسبة، وقبل العثور على المناسبة؛ ومعظم الأحكام القياسية من هذا القبيل: فإنها أحكام حدثت بحدوث أسباب موجبة وقع النظر: في تعيين الأوصاف من الموجبات الحادثة، أو في تنقيحها.
وقد رجع حاصل هذا الجواب، إلى أن السؤال الدعاي إلى تخصيص الحكم بالمحل لازم، ولكن تبين سقوطه بالإجماع، وهو كمعارضة أخرى تقاوم الوصف المذكور: في أنه [لا] يناسب؛ فإنه يندفع بالنقض: بالإجماع، أو بمسلك من الترجيح، وذلك جار بين الوصف المتعدي وبين الوصف القاصر.
وقد قال قائلون: المتعدي أولى من القاصر في العلل، والمتعدي إلى فروع أولى من المتعدي إلى فرع واحد؛ يحصل الترجيح بمجرد التعدية.
والجواب الثاني - وهو المختار: أنه إذا اتفق شيء مما ذكرناه في الجواب الأول: من دلالة الإجماع على بطلان التخصيص؛ فهو ظاهر جلي لا شك فيه، ولكن ليس ذلك مشروطًا.
وقد شرطه فريق؛ إذ قد نقل عن بشر المريسي وجماعة، أنهم قالوا: لا يجوز القياس على أصل، بمجرد قيام الدليل على أصل تجويز
[ ٢٩٠ ]
القياس، بل لابد وأن يدل دليل خاص على أن الأصل - الذي عليه القياس - معمول بعلة، فأنا -[مع] ورود الدليل على أصل القياس - نجوز أن يكون من جملتها أصل لا يعلل، بل يخصص بمورده، فلابد من دليل على كون الأصل معللًا.
ولست أعرف لهذا المذهب وجهًا إلا ما ذكرته، فإن الوصف المخصص إذا عادل الوصف المتعدي: في الانفكاك عن المناسبة، تقاومًا. فلابد من دليل على التعدية.
فإن خصص صاحب هذا المذهب مذهبه بهذا الجنس: من التعليل الخالي عن المناسبة؛ فله وجه. ووجهه بين كما ذكرناه.
وإن طرده فيما ظهرت فيه المعاني المناسبة، وقال: يجوز أن يلحظ الشرع المناسب في محل مخصوص؛ فلابد من دليل التعدية؛ أو قال: يجوز أن يقدر وقوع هذا المناسب وفاقيًا - فهو في هذا الطرف أضعف، واستمداده من القول بإنكار أصل القياس. وإليه أشار نفاة القياس: في وجوب الاقتصار.
[وعلى الجملة: هذا] المذهب غير سديد في جميع الصور؛ فلا تشترط دلالة الإجماع على التعدية؛ ولو اتفقت: فهو الأعلى
[ ٢٩١ ]
والأوضح. ولكنا نقول: إذا حدث وصف، وحدث عقبه حكم [٤٦ - أ] دل حدوثه عقيب حدوثه، على أن الوصف الحادث: مناطه؛ وأن الحكم يتبع الوصف دون المحل. ثم إن كان الوصف مناسبًا: ظهر تسميته علة، وإن لم يكن مناسبًا: فالظاهر أن الحكم مضاف إليه؛ ويحتمل أن لا يسميه علة من يفهم من العلة المناسبة؛ ويحتمل أن يسميه علة من يفهم من العلة العلامة؛ ويحتمل أن يجعل اسم العلة له مجازًا والمناسب حقيقة؛ فإن المناسب عرف وجه تأثيره في الحكم، وهذا لم يعرف وجه تأثيره، ولكنا نظن أنه متضمن للمعنى المناسب المصلحي الذي لم نطلع عليه، فهذا الوصف أمارة تلك المصلحة التي غابت عنا وعلامتها، ونظن أنه لا تنفك عنه في غالب الأحوال، وتنزل منزلة القالب والظرف، فتسميته علة: بطريق تضمنه للعلة - على طريق المجاز - ليس بعيدًا.
وهذا الاختلاف يرجع إلى التسمية، وقد صرح الأصوليون بهذا الاختلاف؛ ولا خير فيه، فإن العلامات المنصوبة من جهة الشرع متبعة: سواء ناسبت ما هي علامة عليه، أو لم تناسب؛ فلا ينبغي أن تسوى القواعد على [الألفاظ؛ بل ينبغي أن تسوى الألفاظ] على المعاني.
[ ٢٩٢ ]
فإذا رجع حاصل النظر إلى أن العلم على الحكم الحادث هو الوصف الحادث: الذي ظهر في أول النظر حدوثه؛ وأن الحكم يتبع الوصف دون المحل، فالإضافة إلى المحل ساقطة: عند ظهور العلامة، كما أنها ساقطة عند ظهور المناسبة.
فإن قال قائل: فهذه حكاية المذهب، فماذا دليلكم عليه؟
قلنا: اشتمل المذهب على دعويين. ففي ماذا النزاع؟ - إحداهما: أن الوصف الظاهر حدوثه علامة؛ والأخرى: أن الحكم يتبع العلامة، دون المحل الذي العلامة ظهرت فيه.
فإن نوزعنا في قولنا: إن الوصف الحادث علامة، فدليله ما سبق: من أن حدوثه بحدوثه [دل عليه] كما في الإضافة اللفظية، وكما في حكم الرسول - ﵇ - عند وقوع واقعة جديدة، بحكم جديد.
والدليل عليه: أنه لو علم مثلًا أن لا حادث إلا الوصف الذي ذكرناه، لوجبت الإضافة إليه. فإن أصل التعليل والإضافة واجب قطعًا بحدوثه بعد أن لم يكن؛ فافتقر إلى محدث: يتميز به عما قبل الأحداث، فلو لم يعلل، لبطل قولنا: أن الإضافة واجبة. وهو معقول، ولو لم يعلل بهذا الحادث، لبطل قولنا: أن لا حادث سواه. هذا: إذ علم - بسير قطعي - أن لا حادث سواه.
[ ٢٩٣ ]
فإن لم يعلم، وكان ذلك مظنونًا - كفى ذلك المجتهد؛ ويكتفي من المعلل بأن يعين وصفًا يزعم: أنه لم يظهر له سواه؛ [إلى أن ينبه على وصف آخر ظهر سواه]: فيلزمه أن يتكلم عليه.
ولا تتوجه عليه المطالبة بأن يقال له: ولم قلت: أن لا حادث سوى ما ذكرت، ولعله حدث وصف غاب عنك؛ لأنه لو فتح هذا الباب في الجدال: لا تحسم طريق النظر، ولتوجه ذلك على كل من بيدي المناسب، ولقيل له: أتسلم بطلان علتك المناسبة لو ظهرت علة أخرى أظهر [مناسبة] مما تدعيه؟ على ما تقرر: من استحالة تعليل الحكم بعلتين عرفنا بطريق المناسبة؛ فإذا قال: نعم، فيقال: وما الذي يؤمنك من وجود مناسب أظهر مما تدعيه وأقوى، ولم تطلع عليه؟ فهذا السؤال مدفوع في الجدال.
وقد قال القاضي أبو بكر: يجب السير على العلل، وهو: أن ينصب علته، ويبين انتفاء ما عداها. وطرد هذا في المناسب أيضًا.
وهو بعيد في حق المجادل، متجه في [حق] المجتهد؛ إذ على المجتهد تمام النظر: لتحل له الفتوى؛ وليس على المعلل إلا ارتقاء مرتبة
[ ٢٩٤ ]
من مراتب النظر، إلى أن يستنزل عنها إلى مرتبة أخرى، بالمقاومة والمناظرة: معاونة على النظر. ولو ألزم المعلل ذلك: لألزم بيان السلامة عن المعارضة، وللزمه السير، ولكان يجب أن لا يبقى للخصم كلاما، فيقسم ويقول: [نعارضه بكذا]، والكلام عليه لا يخلو إما أن يكون كيثت وكيت. فيأخذ في إبطاله؛ [ثم أدلة إبطاله] أيضًا - تفتقر إلى أنواع من السير؛ ويتسلسل إلى غير ضبط.
وقد كان - من عادة القاضي في المناظرة - ذلك: فكان يستقصي - في أول الأمر - كل ما [كان] يتوهم تعلق الخصم به - بطريق [٤٦ - ب] السير - ويبطله: بحيث لا يبقى للخصم متعلقًا.
وهذا بعيد عن مصلحة المناظرة؛ اتفق المناظرون على خلافه.
فإذا بطل هذا المسلك، استقر قدم المعلل في دعواه: أن الوصف الذي ظهر حدوثه، هو العلامة على العلة أو [هو] العلة. وعلى الخصم أن يشير إلى وصف آخر، إن كان عنده، حتى يتكلم عليه.
فهذا بيان إحدى الدعويين، وهو: أن الوصف الحادث علامة أو
[ ٢٩٥ ]
علة، وكلاهما في الغرض واحد، فيكتفي من العلل بأن يستدل على كونه علة: بحدوث الحكم عقب حدوثه. ويبطل عليه ملكه: بأن يبين [له] أنه حدث عقب وصف آخر، حدث مع هذا الوصف: [مستقلًا أو مضمومًا إليه]؛ فما الذي رجح أحدهما: [على الآخر]؟، وعلى المجتهد البحث عن الأوصاف المقدرة الموهومة: التى تقدر حادثة مع هذا الوصف مستقلًا أو مضمومًا إليه.
فأما الدعوى الثانية - وهي المقصود بالإثبات -: أنه إذا سلم كونه علامة أو علة، فما الذي يمنع اختصاصه بذلك المحل، فيقال: الشدة في ماء العنب علامة، دون الشدة في غيره؟ وغاية ما في الباب أن يقال: لا مناسبة لهذا التخصيص؛ وأصل العلة -[أيضًا]- لا مناسبة له. فكيف الخلاص؟
فتقول: إذا سلم أن الحدوث عقب الوصف الحادث، دل على أن الوصف الحادث علامة - فالعقول تثير إلى إتباع العلامات، والأعراض عن التخصيص بالمحال. وهذا معلوم من تصرفات علماء
[ ٢٩٦ ]
الشرع، وهو راسخ في عقولهم - على وجه: يبعد إنكاره عنادًا وجهلًا [وغباوة].
فإن قيل: فلو أنكر منكر إشارة العقل إلى هذا، فليس يبقى بأيديكم إلا التثبيت والإنكار، مع العجز عن إقامة دليل يهتدي به.
قلنا: المنكر - في هذا المقام - تضرب له الأمثلة؛ حتى إذا أصغى واعترف: اهتدى. فإن أبى وجحد: اختزى واعتزى إلى مخالفة علماء الأمة [ومناكرة من سلف ومضى]، ونحن نضرب ثلاثة أمثلة: مثالًا مقدرًا، ومثالًا من مذهب الشافعي، ومثالًا من مذهب أبي حنيفه:
أما المثال المقدر، فهو ما قدمناه: من أنه لو قيل للنبي - ﵇ - ماتت شاه، فهل تباع؟ فقال: لا؛ لفهم [منه] أن الموت علامة لتحريم البيع. إذ كان يجوز بيعها قبل الموت، ولم يحدث الآن غير حلول الموت؛ فحكم بتحريم البيع. ففهم أن الموت علامة؛ فلو ماتت بقرة أو ناقة: لأحكم بمثل هذا الحكم، وهذا لا سيبل إلى جحده، ولم تعرف مناسبة الموت: إذ ما يتخيل فيه -: من تعطيل المنافع [فقد] أبطلناه، وذكرنا أنه خيال. ولو قدر الاخبار عن وصف آخر حدث:
[ ٢٩٧ ]